واشنطن تخطط لإعادة فتح سفارتها في طرابلس بميزانية 41 مليون دولار

تتجه الولايات المتحدة إلى استعادة حضورها الدبلوماسي الدائم في ليبيا، بعدما أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الكونغرس بخطط لإعادة فتح السفارة الأمريكية في طرابلس، مع اقتراح تخصيص نحو 41 مليون دولار لتمويل العودة التدريجية للعمل الدبلوماسي بعد انقطاع استمر قرابة 14 عامًا.
وأخطرت وزارة الخارجية الأمريكية المشرعين بأن التمويل المقترح سيُستخدم لتغطية مجموعة من الأنشطة والترتيبات الأمنية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمل السفارة بصورة تدريجية، في خطوة تشير إلى انتقال واشنطن من الزيارات الدبلوماسية المؤقتة إلى تأسيس وجود رسمي ومستدام داخل ليبيا.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن إعادة افتتاح السفارة تمثل ضرورة لحماية وتعزيز مصالح الأمن القومي الأمريكي، مشيرة إلى أن واشنطن لا يمكنها ترك الساحة الليبية لمنافسين دوليين يسعون إلى توسيع نفوذهم في المنطقة، في ظل تنامي الحضور الروسي داخل البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ليبيا في حسابات الأمن والطاقة
ربطت الوزارة أهمية ليبيا بموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، ودورها في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والهجرة غير النظامية، معتبرة أن استمرار حالة عدم الاستقرار منح قوى دولية منافسة مساحة أوسع للتحرك، بما قد يؤثر في المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها في شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.
ويأتي الإعلان بعد أشهر من مؤشرات متتالية على استعداد واشنطن لإعادة تموضعها داخل ليبيا. ففي مارس الماضي، أبلغت الخارجية الأمريكية الكونغرس ببدء التحضيرات لعودة السفارة إلى طرابلس، دون أن تكون الخطط مصحوبة آنذاك بميزانية تنفيذية.
ويمثل التمويل الجديد أول خطوة عملية لتوفير البنية الأمنية واللوجستية اللازمة لتنفيذ المشروع، إذ يُنتظر تخصيص الجزء الأكبر من المبلغ لتعزيز الإجراءات الأمنية في المكتب الأمريكي الموجود حاليًا في طرابلس.
ويُستخدم المكتب لاستقبال الزيارات القصيرة للدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين، تمهيدًا لتحويله إلى بعثة دبلوماسية تعمل بصورة دائمة، وسط تقديرات بأن العودة الكاملة لن تكون ممكنة دون ترتيبات أمنية واسعة ومشددة.
إغلاق السفارة منذ عام 2014
أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في العاصمة الليبية في يوليو 2014، مع تصاعد المواجهات المسلحة، ونقلت طواقمها الدبلوماسية إلى تونس ثم مالطا، فيما استمر التواصل مع السلطات والمؤسسات الليبية من خلال زيارات متقطعة واجتماعات عُقدت خارج البلاد.
وخلال الأشهر الماضية، كثفت واشنطن تحركاتها السياسية تجاه ليبيا، وعقد مسؤولون يمثلون شرق البلاد وغربها لقاءات منفصلة مع مسؤولين بارزين في إدارة ترمب، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، وكبير مستشاري الرئيس للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس.
وجاءت هذه اللقاءات في إطار الجهود الأمريكية لدفع العملية السياسية، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يهيئ لإنهاء حالة الانقسام المستمرة.
وسبقت الإعلان الحالي خطوات عملية أخرى، من بينها استئجار السفارة الأمريكية عقارًا في طرابلس، وإيفاد فرق قنصلية إلى طرابلس وبنغازي لأول مرة منذ نحو عشر سنوات، لتقديم خدمات محدودة للمواطنين الأمريكيين.
كما خصصت حكومة الوحدة الوطنية مقرًا جديدًا للسفارة الأمريكية في منطقة جنزور، وهي خطوات اعتبرها مراقبون مؤشرات متراكمة على اقتراب استئناف النشاط الدبلوماسي الأمريكي بصورة كاملة.
دعم المسار السياسي والانتخابات
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة مشاركتها في المشاورات السياسية المتعلقة بمستقبل ليبيا، بالتوازي مع المبادرات التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، وسط اهتمام أمريكي متزايد بإيجاد صيغة تضمن استقرار المؤسسات الليبية.
وتركز التحركات الأمريكية على تهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات، وإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات، ومنع تدهور الأوضاع الأمنية أو تحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الدولية.
ويرى مراقبون أن قرار إعادة فتح السفارة لا يحمل بعدًا دبلوماسيًا فقط، بل يعكس تغيرًا في أولويات السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتزايد المنافسة على النفوذ في منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا.
ويرتبط الاهتمام الأمريكي كذلك بملفات استراتيجية تشمل أمن الطاقة وخطوط الملاحة الدولية والهجرة، إلى جانب مخاوف واشنطن من توسع نفوذ منافسيها داخل ليبيا وفي منطقة الساحل الإفريقي.
وقد يمنح وجود بعثة دبلوماسية أمريكية دائمة واشنطن قدرة أكبر على متابعة التطورات السياسية والميدانية بصورة مباشرة، بدلًا من إدارة الملف الليبي من خارج البلاد، كما جرى خلال السنوات الماضية.
ومن المتوقع أن يؤدي استئناف العمل الدبلوماسي إلى رفع مستوى التواصل مع مختلف المؤسسات والأطراف الليبية، وتعزيز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية داخل البلاد.
عودة أمريكية تدريجية
يتزامن التحرك مع توجه إدارة ترمب إلى إعادة تنشيط الحضور الدبلوماسي الأمريكي في عدد من الدول التي شهدت اضطرابات خلال السنوات الماضية، ضمن سياسة تستهدف استعادة النفوذ المباشر في مناطق ذات أهمية استراتيجية.
وفي المقابل، تأتي خطط العودة إلى ليبيا وسط استمرار التحذيرات من تهديدات أمنية قد تستهدف المصالح والمنشآت الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
ويجعل ذلك إعادة افتتاح السفارة في طرابلس مرتبطة بإجراءات أمنية مشددة وخطة تنفيذ تدريجية، توازن بين توسيع الحضور الأمريكي وتقليل المخاطر المحتملة على الدبلوماسيين والمنشآت التابعة لواشنطن.
وتشير مجمل التحركات إلى عودة ليبيا تدريجيًا إلى صدارة الاهتمام الأمريكي، ليس فقط بوصفها ساحة لأزمة سياسية داخلية، وإنما باعتبارها نقطة ارتكاز رئيسية في التنافس الجيوسياسي على البحر المتوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يفسر إصرار واشنطن على استعادة وجودها الدبلوماسي المباشر بعد سنوات من إدارة الملف عن بُعد.







