العالم العربيليبيا

المبادرة الأمريكية في ليبيا.. أولوية البندقية على حساب الانتخابات

منذ إعلان مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، تكليف القائم بأعمال السفارة الأمريكية لدى ليبيا، جيريمي برنت، بمهمة إضافية بوصفه «كبير مستشاري السياسات في ليبيا»، تزايدت التساؤلات بشأن دلالات هذا التحول في إدارة المبادرة الأمريكية ومسارها.

هل تعثر بولس في إقناع الأطراف الليبية بالمضي في تنفيذ المبادرة، ما استدعى إسناد المهمة إلى مسؤول آخر؟ أم أن المبادرة حققت تقدماً دفع واشنطن إلى تأطيرها مؤسسياً داخل السفارة الأمريكية، من خلال منح برنت دوراً أكثر وضوحاً في إدارتها؟

انتقال إدارة المبادرة إلى برنت

جاء تصدر برنت للمشهد بعد أشهر كان خلالها بولس الواجهة الرئيسية للتحركات الأمريكية في ليبيا، إذ أجرى زيارات متكررة إلى طرابلس وبنغازي، ونظم لقاءات مباشرة بين ممثلي طرفي الأمر الواقع؛ حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، و«القيادة العامة» في شرق البلاد.

وخلال تلك الفترة، حرص بولس على إعلان نتائج تحركاته ولقاءاته بصورة مستمرة، مقدماً نفسه باعتباره المسؤول الأول عن المبادرة الأمريكية ومساراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.

لكن حضوره تراجع بصورة لافتة عقب الاجتماع الذي نظمه بين ممثلي الطرفين في مالطا مطلع يوليو، والذي أعقبته زيارة إلى طرابلس وبنغازي. كما اختفت تقريباً منشوراته المتعلقة بتطورات المبادرة، قبل أن يعود بعد أسبوعين معلناً إسناد «مهمة إضافية» إلى برنت.

وبدت الخطوة وكأنها تعكس انتقالاً في إدارة الملف الليبي، أو على الأقل إعادة توزيع واضحة للأدوار بين المسؤولين الأمريكيين.

وبرنت ليس وجهاً جديداً في المشهد الليبي، فقد شارك خلال الفترة الماضية في لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في شرق البلاد وغربها، إلا أن ظهوره إلى جانب بولس خلال زيارته الأخيرة، ثم تحوله إلى الشخصية الأكثر نشاطاً في إدارة الاتصالات بين الطرفين، منح دوره بعداً جديداً.

تراجع المسارين السياسي والاقتصادي

تزامن التحول في الأدوار مع تغير ملحوظ في ترتيب أولويات المبادرة الأمريكية، إذ تراجع الحديث عن المسارين الاقتصادي والسياسي، بعدما وصل بولس إلى الإشراف على تفاهمات لتوحيد ميزانية الدولة، وطرح تصور لتشكيل سلطة تنفيذية مشتركة.

وفي المقابل، تصاعد الاهتمام بالمسار العسكري تحت إدارة برنت، من خلال سلسلة لقاءات جمعت قيادات وضباطاً من شرق ليبيا وغربها برعاية أمريكية.

وبصرف النظر عما إذا كان تقدم برنت وتراجع بولس يعكسان إعادة توزيع للأدوار أو تحولاً كاملاً في إدارة المبادرة، فإن الثابت هو استمرار الإصرار الأمريكي على تنفيذ التصور الذي تتبناه واشنطن للحل في ليبيا.

ويقوم هذا التصور على بناء شراكة بين سلطات الأمر الواقع في طرابلس وبنغازي، بما يسمح بتوحيد بعض المؤسسات والمسارات، وصولاً إلى تشكيل سلطة مشتركة بين الطرفين.

المسار العسكري في صدارة التحركات

الجديد في الحراك الأمريكي يتمثل في منح المسار العسكري أولوية واضحة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة المبادرة وأهدافها النهائية.

فماذا سيحدث إذا نجح المسار العسكري في تحقيق تقارب بين القوتين الرئيسيتين في شرق ليبيا وغربها؟ وهل يؤدي توحيدهما إلى إنهاء الانقسام، أم إلى ترسيخ موازين القوى القائمة ومنح الطرفين نفوذاً أكبر على الأرض؟

يبدو أن واشنطن تنظر إلى التقارب العسكري بوصفه المدخل الأكثر واقعية لتنفيذ مبادرتها، انطلاقاً من أن الطرفين يملكان القوة والنفوذ الميداني اللازمين لفرض أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

وبهذا المعنى، قد يكون تثبيت الشراكة العسكرية بين سلطات الأمر الواقع مقدمة لبناء سلطة سياسية مشتركة، تستند إلى نفوذهما العسكري وترسخ وجودهما في المشهد الليبي.

ماذا عن الانتخابات وتجديد الشرعية؟

لكن هذا المسار يعيد طرح السؤال الجوهري بشأن مصير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ومدى إمكانية تجديد شرعية المؤسسات الليبية من خلال صناديق الاقتراع.

فإذا كانت المبادرة الأمريكية تتجه إلى بناء شراكة دائمة بين القوى المسيطرة عسكرياً على الأرض، فأين سيكون موقع الانتخابات والتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون؟

كما يطرح ذلك تساؤلات بشأن الشعارات التي ترفعها الدول الغربية حول دعم الديمقراطية والمؤسسات المنتخبة، في وقت تتركز فيه الجهود على توحيد أصحاب القوة المسلحة وتمكينهم من إدارة السلطة المشتركة.

إن إعطاء الأولوية للبندقية قد يحقق تهدئة مؤقتة أو تفاهمات بين القوى المتنافسة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تكريس الواقع القائم، وتأجيل استحقاقات الشرعية السياسية والدستورية التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى