فجوة الأجور في مصر: بيانات رسمية تكشف تدهور سوق العمل وسط أعباء ضريبية جديدة

تكشف بيانات حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن فجوة واضحة بين الخطاب الحكومي المعلن حول معدلات التشغيل والواقع المعيشي الفعلي للعاملين في مصر. تأتي هذه البيانات في وقت تتجه فيه الحكومة لفرض أعباء ضريبية جديدة تطال قطاع الإيجارات والعقارات الإدارية، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا بين الخبراء الاقتصاديين والعاملين على حد سواء.
مؤشرات مقلقة في سوق العمل
تُظهر بيانات بحث القوى العاملة السنوي لعام 2025 مواجهة نحو ثُلثي العاملين في القطاع الخاص لظروف عمل قاسية، تُهدر معها حقوقهم في الحصول على عمل لائق وأجور تتناسب مع الأعباء المعيشية المتصاعدة. شمل البحث عينة بلغت 22 ألف أسرة مصرية موزعة على 1800 منطقة في مختلف المحافظات، وتضمن مؤشرات دقيقة حول فئات العاملين الذين يتقاضون أجورًا تقل عن الحد الأدنى القانوني.
سجّل متوسط الأجر الشهري للعامل نحو 6450 جنيهًا، مقابل عمل فعلي لمدة 26 يومًا دون احتساب أيام الراحة، وهو رقم يقل بشكل واضح عن الحد الأدنى للأجور المقرر عند 7000 جنيه. وشهدت الأجور المتدنية ارتفاعًا ملحوظًا بين أصحاب المهن العلمية، إذ قفزت النسبة إلى 24.6% في 2025 مقارنة بـ16.7% فقط في العام السابق. كذلك ارتفعت النسبة بين العاملين في قطاع التعليم من 12.9% إلى 21.2%، بينما صعدت النسبة في قطاعي الصحة والعمل الاجتماعي من 15.4% إلى 19.2%.
وتتوافق هذه المؤشرات مع ما رصدته دراسة سابقة لمنظمة العمل الدولية صدرت في فبراير 2025، أشارت إلى أن نسبة العمالة غير المنتظمة التي تتقاضى أقل من الحد الأدنى للأجور تصل إلى نحو 65% بين الرجال، وترتفع إلى 91% بين النساء. أما جودة العمل نفسها فتراجعت بشكل لافت، إذ لم تتجاوز نسبة المشتركين في التأمينات الاجتماعية 37.7%، بينما بلغت نسبة المشمولين بالتأمين الصحي 33.7% فقط، ولم تتخط نسبة من يعملون بعقود قانونية موثقة 36.3%.
جدل حول احتساب البطالة ومفهوم التشغيل الكامل
في المقابل، أعلنت الحكومة عبر وزير العمل تراجع معدل البطالة إلى 6% خلال الربع الأول من عام 2026، معتبرة هذا الرقم مؤشرًا إيجابيًا على تحسن سوق العمل. غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات من خبراء ومتخصصين شككوا في منهجية الاحتساب، خاصة مع اعتماد تعريف يصنّف أي شخص عمل ساعة واحدة فقط خلال الأسبوع كـ”مشتغل” بشكل كامل. ووصفت الدكتورة هبة الليثي، أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة، هذا الوضع بأنه حالة من “التشغيل غير الكامل” لا تعكس الصورة الحقيقية لسوق العمل.
كذلك أشارت مؤسسة التدريب الأوروبية في تقرير صدر عام 2025 إلى أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة توفر فرص عمل أكبر، بل قد يكون انعكاسًا لعزوف شريحة من الباحثين عن عمل عن الاستمرار في البحث أصلًا، بعدما فقدوا الأمل في إيجاد فرصة مناسبة.
ضرائب جديدة تُثقل كاهل قطاع العقارات الإدارية
على صعيد آخر، تستعد السوق العقارية لمواجهة أعباء ضريبية إضافية، بعد أن فرضت الحكومة ضريبة على السكن الخاص الذي تتجاوز قيمته الإيجارية السنوية 100 ألف جنيه، وتتجه حاليًا لإخضاع تأجير الوحدات والمباني الإدارية لضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%. وأثارت هذه الخطوة قلقًا واسعًا بين العاملين في القطاع العقاري، وسط تحذيرات من ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع العوائد الاستثمارية.
وتوقع خبراء عقاريون، من بينهم أيمن سامي، مدير شركة مصر للاستشارات العقارية، وأيمن عبد الحميد، نائب رئيس شركة التعمير للتمويل العقاري، أن تشهد الفترة المقبلة موجة من المفاوضات المكثفة وإعادة هيكلة العقود بين الملاك والمستأجرين. فبينما يسعى الملاك للحفاظ على هوامش أرباحهم، يطالب المستأجرون بخفض القيمة الإيجارية الأساسية لاستيعاب الفارق الضريبي الجديد، في ظل تراكم عبء ضريبي يشمل أصلًا الضريبة العقارية وضريبة الدخل على الأرباح والإيرادات الإيجارية.







