شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: لا يبقى إلا الله . يوميات الجمعة . الساعة الرابعة وست وخمسون دقيقة صباحًا.

استيقظت هذا الصباح متأخرًا قليلًا على غير عادتي، خشية أن تفوتني صلاة فجر الجمعة. نهضت مسرعًا، غير أن قلبي سبقني إلى الله قبل أن تسبق قدماي إلى مصلاي المعتاد في غرفة النوم. فبعض الصباحات لا يوقظها رنين ساعة الحائط القديمة المثبتة على جدار الغرفة، بل توقظها يد خفية تمس الروح، فتنهض قبل أن ينهض الجسد.

فرغت من الصلاة… وبقيت على ذات المقعد.

جلست، ولم أكن أجلس إلى نفسي، بل إلى ضعفي، إلى خوفي، وإلى رجائي. وكان الصمت أبلغ من الكلام، لأن القلوب إذا وقفت بين يدي الله، استحت أن ترفع أصواتها.

الدقائق تمضي ببطء يشبه وقوف المسافر عند آخر محطات الأمل. كلما اقتربت الساعة من الخامسة، نبض القلب ثقلًا بما يحمل.

عجيب أمر قلبي، فكيف يرهق الانتظار الإنسان إذا انتظر الناس، ويطمئنه -فقط- إذا انتظر الله.

وفي الساعات والأيام الأخيرة من الشهر الجاري، جاءتني مطالب لم أكن أتهيأ لها. هذا يطلب مني شيئًا لحاجة تضيق بها دنياه، وتلك «جهة» ترى أن لها استحقاقًا تنتظر الوفاء به.

كل واحد منهم يطلق خياله، ينظر وينتظر ما يظنه عندي، بينما أنظر إلى ما عند الله، لأنني لا أملك إلا حسن الظن به.

مفارقة غريبة، أن يرى المرء يديه فارغتين، بينما قلبه ممتلئ بالرغبة في العطاء.

وما أوجع أن يعجز عن الوفاء، لا لأن الصدق خانه، بل لأن الأسباب تأخرت، وبقي اليقين وحده لا يتأخر.

صباح اليوم الجمعة قلت لربي:

يا رب…

ما جئت أطرق بابك لأن أبواب الناس أغلقت، بل لأن بابك وحده هو الباب الذي لم أعرفه يومًا مغلقًا في وجه عبد قصده.

وما رفعت إليك كفي لأنني أحسنت الدعاء، بل لأنني أسأت الاحتمال، ولم أجد في هذا الكون قلبًا أرحم بي من رحمتك.

يا رب،

أنت تعلم أنني ما أحببت يومًا أن أخلف وعدًا، ولا أن أكسر خاطرًا، ولا أن أترك في عين إنسان رجاءً ثم أمضي.

وتعلم أنني ما وعدت أحدًا إلا وأنا أظن أن فضلك سيكون أسرع من موعد الوعد، وأن رحمتك ستسبق عجزي، وأن كرمك سيغلب ضيق حيلتي.

اللهم إن ضاقت بي الأسباب، فلا تضق عليَّ رحمتك.

وإن أظلمت الطرق فجأة، فاجعل نورك دليلي.

وإن ضعفت يدي، فقوِّ قلبي وصبري.

وإن طال الضيق عليَّ، فلا تطل البعد عنك.

وافتح لي من خزائن فضلك بابًا لا تهتدي إليه ظنوني، ولا تبلغه حساباتي، بابًا يعرفه كرمك قبل أن تعرفه أمنيتي، بسترك وعونك.

اللهم اجعل لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل كسر جبرًا، ومن كل دمعة سكينة، ومن كل وعد صدقًا يرضيك.

اللهم اكفني بك، وأغنني بفضلك عمن سواك.

يا رب…

ما قصدت بقلبي إلا بابك، وما علقت أملي إلا بك، وما تعلمت من الدنيا درسًا أصدق من أن لطفك قد يتأخر عن حساباتنا، لكنه لا يتأخر أبدًا عن حكمتك.

فإن كان صباح هذه الجمعة قد حمل إليك دمعة، فاجعلها آخر الدموع.

وإن حمل دعاء، فاجعله من دعاء ساعة الإجابة الذي لا يعود إلى صاحبه خائبًا.

ولا أسألك الغنى الذي يتوهمه خلقك، بل غنى النفس بك، ولا الرزق إلا رزقًا طيبًا مباركًا، ولا الفرج إلا الفرج الذي يزيدني معرفة بك، ولا ينقصني قربًا منك.

وأبقِ قلبي معلقًا بك، حتى إذا تخلت عني البشر والأشياء كلها، بقيت غنيًا لأنك معي.

وأنت الذي قلت:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

اللهم إنني أقف على بابك اليوم، كما وقفت بالأمس، وكما سأقف غدًا…

لا لأن الأبواب الأخرى مغلقة…

بل لأن بابك وحده هو الذي لا يغلق أبدًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى