شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والمعارضة.. الاختلاف ليس جريمة . مصر الممكنة 2030 (53) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (24)

لا توجد طريقة أدق لقياس صحة أي نظام سياسي من الطريقة التي يتعامل بها مع معارضيه. فالحكومات تستطيع أن تجمع حولها المؤيدين، وأن تحتفي بالأنصار، وأن تستند إلى أجهزة الدولة وإمكاناتها، لكن الاختبار الحقيقي لا يبدأ عند المؤيد، بل عند المختلف. هناك، في المسافة الفاصلة بين السلطة والمعارضة، تتحدد قيمة القانون، ويُختبر صدق الدستور، وتظهر حقيقة الإيمان بالحرية أو حدودها.

لهذا السبب لم يكن غريبًا أن يقول بعض كبار فقهاء القانون الدستوري إن الديمقراطية لا تُقاس بحق الأغلبية في الحكم فقط، بل بحق الأقلية في الوجود. فالأغلبية موجودة بطبيعتها، وتملك أدوات القوة والتأثير، أما الأقلية أو المعارضة فهي التي تحتاج إلى الضمانات القانونية والدستورية التي تحمي حقها في التعبير والتنظيم والمنافسة السلمية.

المشكلة أن كثيرًا من الدول النامية، وربما بعض الدول المتقدمة أيضًا في لحظات الخوف أو الأزمات، تقع في خطأ متكرر: الخلط بين المعارضة والخطر، وبين الاختلاف والعداء، وبين النقد والتهديد. وعندما يبدأ هذا الخلط، يصبح الطريق قصيرًا بين الرأي والجريمة، وبين الخصومة السياسية والاتهام القانوني.

عرفت هذه المنطقة الرمادية من قرب. ليس بوصفها موضوعًا للدراسة أو التحليل فقط، بل بوصفها جزءًا من تجربة شخصية امتدت سنوات طويلة. فقد وقفت في أوقات مختلفة نائبًا معارضًا، ورئيس حزب معارض، ومرشحًا رئاسيًا معارضًا، وسجينًا معارضًا، ومتقاضيًا معارضًا. وفي كل هذه المواقع كان السؤال نفسه يطاردني: أين ينتهي حق الدولة في حماية نفسها؟ وأين يبدأ حق المواطن في الاختلاف معها؟

لم يكن السؤال نظريًا. ففي لحظات كثيرة من تاريخنا الحديث بدا كأن مجرد الاعتراض على السياسات العامة أو انتقاد بعض القرارات أو تبني موقف سياسي مختلف يمكن أن يضع صاحبه في دائرة الاشتباه لا في دائرة النقاش. وهنا يبدأ الخلل الذي يهدد السياسة والقانون معًا.

الدولة التي ترى في كل معارضة خطرًا، تنتهي غالبًا إلى إضعاف نفسها دون أن تشعر. لأنها تحرم نفسها من أهم آليات التصحيح الذاتي. فالمعارضة، في جوهرها، ليست عدوًا للدولة، بل جزء من جهاز الإنذار المبكر داخل المجتمع. وقد تكون مزعجة أحيانًا، وقد تكون قاسية في نقدها، وقد تخطئ في بعض تقديراتها، لكنها تبقى جزءًا من الحياة الطبيعية لأي مجتمع حي.

أما حين تتحول المعارضة إلى ملف أمني، أو يصبح الرأي المختلف محل اشتباه دائم، فإن الدولة تخسر شيئًا أثمن من الهدوء المؤقت الذي قد تكسبه. تخسر القدرة على سماع الأصوات التي تنبهها إلى الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات.

ولهذا فإن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف المعارضة. الولايات المتحدة لم تصبح أقوى لأنها ألغت المعارضة، بل لأنها جعلتها جزءًا من النظام السياسي. وبريطانيا لم تبنِ تقاليدها الديمقراطية بإقصاء المختلفين، بل بتطوير مؤسسات تسمح لهم بالتعبير والتنافس والرقابة. وحتى الدول التي مرت بصراعات داخلية حادة، مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، لم تستطع بناء استقرار دائم إلا حين أعادت دمج المختلفين داخل الحياة العامة بدلًا من دفعهم إلى الهامش.

في مصر، كما في كثير من دول المنطقة، دفعت العلاقة المتوترة بين السلطة والمعارضة أثمانًا باهظة على الطرفين. فالمعارضة أحيانًا دفعت أثمانًا من حريتها ومساحتها العامة، بينما خسرت الدولة فرصًا مهمة للاستفادة من التنوع السياسي والفكري الموجود داخل المجتمع.

العدالة هنا تلعب دورًا حاسمًا. لأنها تمثل الخط الفاصل بين الخصومة السياسية المشروعة والاتهام القانوني. فإذا ضعفت هذه الحدود، أو أصبحت قابلة للتمدد والتقلص تبعًا للظروف السياسية، دخل المجتمع كله منطقة خطرة لا يعود فيها أحد متأكدًا من مكان السياسة وأين يبدأ القانون.

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة أن يفقد المواطن القدرة على التمييز بين العقوبة القانونية والعقوبة السياسية. لأن هذا الخلط لا يضر المعارضين وحدهم، بل يضر فكرة القانون نفسها. فالقانون يكتسب احترامه من حياده، لا من انحيازه. ومن عموميته، لا من انتقائيته.

ولهذا فإن أحد أهم شروط إصلاح العدالة في مصر هو إعادة الاعتبار الكاملة لحق الاختلاف. ليس بوصفه منحة تمنحها السلطة متى شاءت، بل باعتباره حقًا دستوريًا أصيلًا. فالدستور لا يحمي المؤيدين فقط، لأنهم لا يحتاجون غالبًا إلى الحماية. الدستور وُجد أساسًا لحماية المختلفين والأقليات والمعارضين، لأنهم الأكثر حاجة إلى الضمانات.

ومن هنا يجب أن تكون هناك مراجعة مستمرة لكل النصوص والممارسات التي قد تسمح بخلط المجال السياسي بالمجال الجنائي. فالرأي لا يجب أن يعامل كجريمة. والنقد لا يجب أن يعامل كتهديد. والمعارضة لا يجب أن تُقرأ دائمًا بوصفها خصومة مع الدولة.

هناك بالطبع حدود واضحة. فالتحريض على العنف ليس رأيًا. والدعوة إلى الإرهاب ليست معارضة. واستخدام القوة ضد المجتمع ليس حقًا سياسيًا. لكن المشكلة تبدأ حين تتسع هذه الحدود إلى درجة تبتلع معها مساحات واسعة من التعبير السلمي والاختلاف المشروع.

العدالة الممكنة التي نتحدث عنها في هذا المشروع هي عدالة تعرف الفرق بين المعارض والمجرم، وبين الناقد والمحرض، وبين المنافس السياسي والخطر الأمني. وهذا الفرق ليس تفصيلًا فنيًا، بل جوهر الدولة الديمقراطية الحديثة.

مصر الممكنة في عام 2030 تحتاج إلى معارضة قوية بقدر حاجتها إلى سلطة قوية. تحتاج إلى أحزاب حقيقية بقدر حاجتها إلى مؤسسات دولة فعالة. تحتاج إلى صحافة قادرة على النقد بقدر حاجتها إلى إعلام مسؤول. لأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على الحوار تفقد تدريجيًا قدرتها على التطور.

ولهذا فإن الدفاع عن حق الاختلاف ليس دفاعًا عن المعارضة وحدها، بل دفاع عن الدولة نفسها. فالدولة التي تحمي معارضيها تكسب احترامهم حتى حين يختلفون معها. أما الدولة التي تخاف من كل اختلاف فإنها تدخل في معركة لا تنتهي مع مجتمعها.

في النهاية، ليست القضية أن نتفق جميعًا. فذلك مستحيل. القضية أن نختلف داخل إطار يحمي الجميع. أن يبقى الخلاف سياسيًا لا جنائيًا، وأن يبقى الرأي رأيًا لا تهمة، وأن تبقى المعارضة جزءًا من الوطن لا موضع شبهة فيه.

هناك فقط تصبح العدالة ضمانة للحرية، وتصبح الحرية مصدرًا للاستقرار، ويصبح القانون جسرًا بين السلطة والمعارضة بدلًا من أن يتحول إلى ساحة صراع بينهما.

الحلقة التالية:

مصر الممكنة 2030 (54)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (25)

العدالة والحقوق… ماذا تبقى من المواطنة؟
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى