مصر

فهد المصري يوجه «نداء الجمهورية» إلى الرئيس أحمد الشرع ويطرح مبادرة وطنية لتأسيس الجمهورية السورية الجديدة

وجّه رئيس الحزب السوري الحر، فهد المصري، رسالة وطنية مفتوحة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع والشعب السوري، طرح خلالها مبادرة سياسية متكاملة تحت عنوان «نداء الجمهورية»، تتضمن رؤيته للانتقال من المرحلة الانتقالية إلى تأسيس «الجمهورية السورية الجديدة»، على قاعدة دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والتعددية السياسية.

وقال المصري في الرسالة، الصادرة من دمشق بتاريخ 24 يوليو/تموز 2026، إن سوريا تقف أمام واحدة من أهم اللحظات في تاريخها الحديث، معتبرًا أن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بكيفية تجاوز آثار السنوات الماضية، وإنما بطبيعة الدولة والنظام السياسي اللذين سيتركهما السوريون للأجيال المقبلة.

وخاطب المصري الرئيس أحمد الشرع باعتباره رئيس المرحلة الانتقالية، مؤكدًا أن مسؤولية المرحلة الحالية تتجاوز إدارة الانتقال السياسي إلى مهمة «تأسيس» دولة جديدة لا تقوم على قوة الأشخاص، وإنما على قوة المؤسسات، ويكون فيها الدستور مرجعية للجميع والقانون فوق الجميع.

وطرح في هذا السياق مبدأً اعتبره أساس المبادرة، وهو: «نحن لا نفكر في السلطة، بل نفكر في الدولة»، مشددًا على أن السلطة تتغير والأشخاص يرحلون، بينما تبقى المؤسسات المبنية على القانون والشرعية، وداعيًا إلى الانتقال «من دولة السلطة إلى دولة المؤسسات، ومن منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية».

عدالة انتقالية ومصالحة وطنية

ووضع «نداء الجمهورية» قضية استعادة الثقة بين الدولة والمواطن في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، داعيًا إلى تطبيق عدالة انتقالية منصفة تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا، وتؤسس لمصالحة وطنية تستند إلى العدالة وسيادة القانون، بعيدًا عن الانتقام وفي الوقت نفسه بعيدًا عن الإفلات من المسؤولية.

وأكد المصري أن السوريين «لا يريدون استبدال احتكار سياسي باحتكار جديد»، داعيًا إلى بناء جمهورية يشعر فيها المواطن بأن الدولة دولته، ويصبح فيها الاختلاف السياسي جزءًا طبيعيًا من التنافس العام وليس سببًا للإقصاء، وتتحول التعددية إلى مصدر قوة داخل إطار وطني جامع.

قانون للأحزاب وإنهاء احتكار السياسة

وتضمنت المبادرة دعوة إلى إصدار قانون عصري للأحزاب وتنظيم الحياة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، باعتبار ذلك خطوة ضرورية للإعداد للاستحقاقات الدستورية والانتخابية المقبلة.

وشددت الوثيقة على ضرورة أن تكون الأحزاب وطنية سورية، وألا تقوم على أسس طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية، وألا ترتبط بجهات خارج الدولة، بحيث تصبح المنافسة السياسية بين الأفكار والبرامج والحلول وليس بين الولاءات والانقسامات.

ورأى المصري أن إنهاء احتكار السياسة لا يعني إضعاف الدولة، وإنما بناء دولة أكثر قوة تستمد شرعيتها من ثقة المواطنين، وتتمكن مؤسساتها من إدارة الاختلاف السياسي بصورة سلمية وقانونية.

كما شدد على ضرورة بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية ومهنية ومحترفة، يكون ولاؤها لسوريا وحدها، وتقف على مسافة واحدة من مختلف السوريين، وتحمي الدولة والدستور والمواطن دون التدخل في السياسة أو التحول إلى أداة في يد حزب أو جماعة أو فرد.

هيئة مستقلة لصياغة دستور جديد

وفي أحد أبرز محاور المبادرة، دعا المصري إلى تأسيس هيئة وطنية مستقلة لصياغة دستور سوري جديد، تضم فقهاء في القانون الدستوري وقضاة وخبراء وممثلين عن القوى السياسية والمجتمع المدني وشخصيات وطنية مستقلة.

وأكد أن الدستور الجديد ينبغي ألا يكون «دستور انتصار طرف على طرف»، أو انعكاسًا لموازين قوة مؤقتة، وإنما دستورًا وطنيًا جامعًا يولد من حوار واسع بين السوريين.

وحدد «نداء الجمهورية» مجموعة من المبادئ التي يرى ضرورة أن يقوم عليها الدستور، وفي مقدمتها سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والفصل المتوازن بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات العامة، وحرية التنظيم السياسي والإعلامي، والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية.

الانتقال إلى الشرعية الانتخابية

وطالب المصري بوضع رؤية واضحة للانتقال من المرحلة الانتقالية إلى الشرعية الدستورية والانتخابية، محذرًا من تحول المرحلة الحالية إلى وضع استثنائي مفتوح بلا نهاية.

وأكد أن الهدف النهائي ينبغي أن يكون الوصول إلى دولة يصبح فيها الدستور المرجعية العليا، والمؤسسات هي الحكم، وصندوق الاقتراع الطريق المشروع للوصول إلى السلطة وتداولها.

كما دعا إلى تشكيل هيئة وطنية مهنية للإحصاء السكاني للسوريين، وتهيئة البيئة السياسية والقانونية التي تسمح بإجراء انتخابات حقيقية تقوم على المنافسة بين المشاريع والبرامج، وليس بين «النفوذ والقوة والأمر الواقع».

رؤية اقتصادية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة

ولم تقتصر المبادرة على المسار السياسي والدستوري، إذ تضمنت مقترحات اقتصادية، بينها إنشاء وكالة وطنية للعمل لبناء قاعدة بيانات للقوى العاملة واحتياجات سوق العمل وربط الباحثين عن فرص العمل بجهات التوظيف، إلى جانب برامج تدريب وتأهيل للشباب.

كما اقترحت إعادة هيكلة عدد من المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والخدمية المملوكة للدولة، وتحويل ما يصلح منها إلى شركات مساهمة عامة تعمل وفق قواعد الحوكمة والكفاءة والشفافية، مع احتفاظ الدولة بالحصة الحاكمة، مؤكدة أن الهدف ليس بيع مؤسسات الدولة وإنما رفع كفاءتها وحماية الملكية العامة.

سوريا دولة مستقلة لا ساحة للصراعات

وعلى صعيد السياسة الخارجية، دعا «نداء الجمهورية» إلى بناء سوريا مستقلة ذات سيادة، تنأى بنفسها عن النزاعات الإقليمية والدولية، ولا تتحول أراضيها إلى منطلق لتهديد دول الجوار.

وطرح المصري تبني سياسة تقوم على «الحياد البنّاء»، مع منع استخدام الأراضي السورية مقرًا أو ممرًا للسلاح غير المشروع أو التطرف والإرهاب أو تجارة المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وبناء علاقات مع الدول على أساس السيادة والمصالح المشتركة وحسن الجوار.

«دولة تبقى بعد الأشخاص»

وفي رسالته المباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع، اعتبر المصري أن الاختبار التاريخي للمرحلة الحالية يتمثل في نوع الدولة التي ستتركها للأجيال القادمة، مؤكدًا أن قيمة القادة لا تقاس بحجم الصلاحيات أو عدد القرارات، وإنما بالمؤسسات والقواعد التي يتركونها بعدهم.

وشدد على أن سوريا الجديدة يجب أن تتجاوز تصنيفات الأقلية والأكثرية في الحقوق والمواطنة، بحيث يكون السوري مواطنًا كامل الحقوق والواجبات بصرف النظر عن خلفيته، مع احترام التنوع الثقافي والديني والقومي للبلاد.

واختتم المصري مبادرته بالتأكيد على أنها ليست «برنامج شخص» أو «مشروع حزب»، وإنما مشروع مطروح أمام السوريين للحوار والتطوير، معتبرًا أن المسؤولية التاريخية للمرحلة تتمثل في الانتقال «من منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية».

وأكد أن الحكم النهائي على المرحلة الحالية سيكون بما يتم بناؤه خلالها، مختتمًا رسالته بالقول: «قد نختلف في السياسة، لكن لا يجوز بالمطلق أن نختلف على سورية».

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى