أسرار إلغاء زيارة صدام حفتر إلى روما.. ميلوني تخفض مستوى الاستقبال.. ومبادرة بولس أمام اختبار الشرعية الليبية

روما ـ موقع أخبار_الغد
أفادت مصادر أوروبية مطلعة لـ«أخبار الغد» بأن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اعتذرت عن استقبال صدام حفتر، نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، بعد طلب تقدم به ممثلون عنه لترتيب زيارة رسمية إلى العاصمة الإيطالية روما، عقب زيارته الحالية إلى أنقرة، في خطوة دبلوماسية تكشف، بحسب تقديرات سياسية في روما، حدود الانفتاح الإيطالي على معسكر الرجمة في هذه اللحظة الحساسة من عمر الأزمة الليبية.
وبحسب المصادر نفسها، فإن الجانب الإيطالي لم يغلق الباب كاملاً أمام التواصل مع صدام حفتر، لكنه أبلغ ممثليه بإمكانية ترتيب اجتماعات بديلة مع مسؤولين في وزارتي الدفاع أو الداخلية، بدلاً من لقاء مباشر مع رئيسة الوزراء. غير أن هذا العرض، الذي حصر الزيارة في الإطارين الأمني والعسكري، من دون منحها غطاءً سياسياً رفيعاً، دفع صدام حفتر إلى رفض المضي قدماً في الترتيبات، ليتم عملياً إلغاء الزيارة أو تجميدها.
وتكتسب الواقعة أهميتها من أنها جاءت بعد ساعات من حديث وكالة «نوفا» الإيطالية عن أن صدام حفتر كان متوقعاً في أنقرة للقاء وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وأن زيارة محتملة إلى إيطاليا كانت «قيد المناقشة»، من دون حسم موعدها أو جدول أعمالها. وذكرت الوكالة أن احتمال لقاء ميلوني في روما لم يكن مؤكداً، وأن أي زيارة إيطالية لصدام حفتر ظلت حتى تلك اللحظة في نطاق البحث والترتيب، لا في نطاق الزيارة الرسمية المعلنة.
وتشير قراءة مصادر دبلوماسية في روما إلى أن العرض الإيطالي البديل لم يكن إجراءً بروتوكولياً عادياً، بل رسالة سياسية محسوبة: إيطاليا مستعدة للتعامل مع صدام حفتر بوصفه رقماً أمنياً وعسكرياً مؤثراً في شرق ليبيا، لكنها لا تريد، في هذه المرحلة، منحه صورة رجل الدولة المرشح لقيادة المرحلة الانتقالية أو رئاسة مجلس سيادي جديد.
وهذا التقدير تؤيده طبيعة الزيارات السابقة لصدام حفتر إلى إيطاليا. ففي يونيو 2025، استُقبل في روما من وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي، ثم التقى رئيس أركان الدفاع الجنرال لوتشيانو بورتولانو، وكانت الملفات المطروحة آنذاك تتعلق بالهجرة، وأمن الحدود، ومكافحة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، واستقرار المتوسط، وهي ملفات أمنية صريحة، لا تعادل سياسياً استقبال رئيسة الحكومة الإيطالية.
ومن هنا، فإن الفارق بين لقاء وزير الداخلية أو الدفاع وبين لقاء ميلوني ليس فارقاً شكلياً؛ فالأول يضع صدام حفتر في خانة الشريك الأمني، أما الثاني فيمنحه، عملياً، اعترافاً سياسياً أوروبياً رفيعاً قد يُقرأ داخل ليبيا وخارجها بوصفه تزكية مبكرة لدوره في أي صيغة انتقالية قادمة.
ويأتي هذا التحفظ الإيطالي في قلب الجدل الدائر حول مبادرة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، والتي يجري تداولها بوصفها محاولة لإعادة توحيد المؤسسات الليبية عبر صفقة سياسية ـ أمنية بين معسكري الشرق والغرب. وتشير تسريبات متداولة في وسائل إعلام دولية وليبية إلى أن التصور المطروح يقوم على إبقاء عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة، مقابل منح صدام حفتر موقعاً متقدماً، وربما رئاسة مجلس رئاسي أو تنفيذي جديد. ووفق ما نُقل عن تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن الخطة المتداولة تتضمن تعيين صدام حفتر رئيساً لمجلس تنفيذي رئاسي مع استمرار الدبيبة رئيساً للحكومة، كما جرى إبلاغ روما بالمقترح، وأبدت دعماً أولياً له مع إدراكها صعوبة تطبيقه على الأرض.
غير أن هذه الصيغة، حتى الآن، لا تزال أقرب إلى مبادرة يقودها مستشار نافذ داخل الإدارة الأميركية منها إلى مبادرة رسمية مكتملة صدرت عن مؤسسات الدولة الأميركية في وثيقة معلنة. فالبيانات والتحركات الأميركية المعلنة تتحدث عن توحيد المؤسسات، ودعم الاستقرار، وفتح المجال أمام استثمارات الطاقة، لكنها لم تتبنَّ رسمياً، بصيغة صريحة، معادلة «صدام حفتر رئيساً والدبيبة رئيساً للحكومة». وقد عرضت تقارير دولية مبادرة بولس بوصفها خطة تقودها واشنطن لتحويل الأزمة المالية وتضارب المصالح النفطية إلى حافز للتعاون بين المعسكرين، لكنها أشارت أيضاً إلى شكوك واسعة بشأن قابليتها للتطبيق.
وفي هذا السياق، يمكن فهم اعتذار ميلوني عن استقبال صدام حفتر باعتباره محاولة إيطالية لتجنب القفز فوق الموقف الأميركي الرسمي نفسه. فروما، بحسب قراءة دبلوماسية، لا تريد أن تبدو أكثر حماسة من واشنطن في منح صدام حفتر صفة سياسية سيادية قبل أن تتحول مبادرة بولس إلى مشروع أميركي رسمي واضح المعالم، وقبل أن تتضح مواقف القوى الليبية الأساسية منها.
فالولايات المتحدة عادت بقوة إلى الملف الليبي، ليس فقط عبر تحركات بولس، بل أيضاً عبر مسار استعادة الحضور الدبلوماسي المباشر. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الخارجية الأميركية أخطرت الكونغرس بخطة لتخصيص نحو 41 مليون دولار لإعادة فتح السفارة الأميركية في ليبيا تدريجياً، بعد إغلاقها منذ عام 2014، مع تأكيد أن ليبيا باتت مهمة للأمن القومي الأميركي بسبب موقعها في المتوسط، ودورها في الطاقة والهجرة، ومنافسة النفوذ الروسي في شمال أفريقيا.
لكن هذا الحضور الأميركي المتصاعد لا يعني أن كل ما يتحرك باسم واشنطن قد اكتسب بعد صفة السياسة الرسمية النهائية. فهناك فارق مهم بين مسار تفاوضي يقوده مستشار رئاسي ويتمتع بدعم سياسي داخل الإدارة، وبين إعلان رسمي مكتمل تتبناه وزارة الخارجية والبيت الأبيض ومؤسسات الأمن القومي الأميركية بوصفه خريطة طريق ملزمة.
وتدرك إيطاليا هذا الفارق جيداً. فهي معنية مباشرة بليبيا أكثر من معظم العواصم الأوروبية، بسبب ملفات الطاقة والهجرة والأمن البحري ومصالح شركة «إيني». ففي مايو الماضي، استقبلت ميلوني رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في روما، وبحث الجانبان تعزيز التعاون في الطاقة والاستثمارات والهجرة، في وقت تعد فيه ليبيا أحد أهم موردي النفط الخام لإيطاليا، رغم تراجع صادرات الغاز الليبي بسبب الاضطرابات والبنية التحتية والطلب المحلي.
لذلك، فإن استقبال صدام حفتر في قصر كيجي كان سيحمل رسالة مختلفة تماماً إلى طرابلس ومصراتة والزاوية وعموم الغرب الليبي. كان سيُقرأ، على الأرجح، بوصفه انتقالاً إيطالياً من سياسة التواصل المتوازن مع جميع الأطراف إلى سياسة منح معسكر الشرق، وتحديداً وريث خليفة حفتر، اعترافاً سياسياً مبكراً في لحظة يجري فيها تداول اسمه كرئيس محتمل للدولة أو لمجلس انتقالي.
ومن هنا، فضّلت روما، وفق المصادر، أن تعرض لقاءات أمنية لا سياسية. وهذه الصيغة تسمح لها بالحفاظ على خطوط التواصل مع شرق ليبيا، من دون إغضاب الدبيبة وحكومة طرابلس، ومن دون تقديم صورة يمكن توظيفها في الداخل الليبي باعتبارها تأييداً أوروبياً لصعود صدام حفتر إلى قمة السلطة الانتقالية.
غير أن جوهر الاعتراضات على مبادرة بولس لا يقف عند حدود موقع صدام حفتر أو عبد الحميد الدبيبة وحدهما. فهناك مطالب ليبية وإقليمية ودولية متزايدة بضرورة توسيع نطاق المشروع حتى لا يتحول إلى تفاهم محدود بين عائلتين: عائلة حفتر في الشرق، وعائلة الدبيبة في الغرب.
وتؤكد هذه المطالب أن ليبيا أوسع من ثنائية الشرق والغرب، وأعقد من اختزالها في بنغازي وطرابلس، وأن أي ترتيب انتقالي لا يأخذ في الاعتبار البنية الاجتماعية والسياسية والعسكرية الكاملة للبلاد سيظل هشاً وقابلاً للانفجار. فالجنوب الليبي، وفزان تحديداً، لا يمكن أن يبقى هامشاً في معادلة السلطة والثروة والأمن، خصوصاً أنه يشكل عمقاً حدودياً مفتوحاً على تشاد والنيجر والسودان والجزائر، ويمثل عقدة مركزية في ملفات التهريب والهجرة والسلاح والطاقة.
كما أن المجموعات المرتبطة بالنظام السابق وقواعد القذافي لا يمكن إسقاطها بالكامل من أي معادلة سياسية واقعية. فهذه القواعد، رغم تشتتها وتفاوت وزنها من منطقة إلى أخرى، ما زالت تمتلك حضوراً اجتماعياً وسياسياً في بعض المدن والمناطق، ولها امتدادات قبلية وشبكات مصالح لا يجوز تجاهلها إذا كان الهدف هو انتقال مستقر لا إعادة إنتاج للإقصاء.
كذلك، فإن القوى العسكرية والمجموعات المقاتلة التي كان لها أدوار حاسمة في مراحل مختلفة من الصراع الليبي، سواء في مصراتة أو الزنتان أو الزاوية أو طرابلس أو بعض مناطق الجبل والجنوب، لا يمكن أن تُترك خارج الحسابات الأمنية والسياسية. فاستبعاد هذه القوى من المعادلة لا يعني إضعافها بالضرورة، بل قد يحولها إلى قوة تعطيل، أو إلى طرف مقاوم لأي تسوية يشعر أنها صيغت فوقه ومن دونه.
وهذا هو مكمن الخطر في أي صيغة ثنائية ضيقة: قد تنجح في جمع طرفين كبيرين على الورق، لكنها تفشل في إقناع بقية ليبيا. وقد تنتج مجلساً انتقالياً جديداً، لكنها لا تنتج شرعية وطنية. وقد توحد بعض المؤسسات شكلياً، لكنها تترك السلاح والمال والولاءات المحلية خارج السيطرة.
وقد حذرت تحليلات غربية من أن خطط تقاسم السلطة في ليبيا، إذا لم تعالج قضايا الحوكمة والفساد والشرعية، قد تتحول إلى إعادة تدوير للنخب نفسها بدلاً من بناء دولة. وذهب تحليل نشره «تشاتام هاوس» إلى أن المقاربة الأميركية المتداولة تعاني من ضعف جوهري لأنها تركز على جمع مراكز القوة من دون معالجة بنية الحكم ومشكلات المساءلة، وهو ما قد يجعلها أقرب إلى إدارة الانقسام لا إنهائه.
كما أشارت الجزيرة إلى أن المبادرة الأميركية لا تختبر فقط استعداد الشرق للتفاوض، بل تختبر أيضاً موقف القوى الغربية الليبية، حيث أثارت نقاشاً واسعاً داخل طرابلس ومصراتة وغيرها حول ما إذا كانت الخطة تمثل فرصة لتوحيد المؤسسات أم محاولة لفرض تسوية من أعلى تعيد توزيع السلطة بين مراكز النفوذ القائمة.
أما فرنسا، فتبدو أكثر انخراطاً في مسار التنسيق الهادئ بين معسكري الدبيبة وحفتر. فقد أكدت تقارير ليبية أن مسعد بولس تحدث عن اجتماع عُقد في باريس بين مسؤولين من شرق ليبيا وغربها، في 28 يناير، بقصر الإليزيه، في إطار محاولات دعم الوحدة والاستقرار طويل الأمد. كما تحدثت تقارير أخرى عن أن اللقاء جمع ممثلين مقربين من معسكري صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، برعاية فرنسية ـ أميركية.
وهذا الدور الفرنسي يفسر جانباً من الحذر الإيطالي أيضاً. فالتنافس الإيطالي ـ الفرنسي على ليبيا ليس جديداً، وروما لا تريد أن تترك باريس وحدها في موقع هندسة التسوية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الاندفاع إلى مشهد سياسي غير مكتمل قد يعيد توريطها في انحيازات مكلفة داخل ليبيا.
أما تركيا، فتتحرك ببراغماتية واضحة. فبعد سنوات من دعمها العسكري والسياسي الحاسم لحكومة طرابلس في مواجهة هجوم حفتر على العاصمة، بدأت أنقرة خلال الفترة الأخيرة توسيع قنواتها مع شرق ليبيا ومعسكر الرجمة. وقد أشار تقرير للجزيرة إلى أن التعاون العسكري بين تركيا وقوات شرق ليبيا يتزايد، وأن هذا الانفتاح يثير أسئلة حول موقف مصر، لكنه قد يندرج أيضاً في سياق تنسيق إقليمي جديد بين أنقرة والقاهرة لا يقتصر على ليبيا وحدها.
ولا يمكن فصل زيارة صدام حفتر إلى أنقرة عن هذا التحول. فهي تمنحه مشهداً سياسياً خارجياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه تمنح تركيا موطئ قدم إضافياً في الشرق الليبي، وتقلل احتمالات احتكار مصر أو الإمارات أو روسيا للتأثير على معسكر الرجمة. ولذلك، فإن روما كانت تدرك أن استقبال ميلوني لصدام حفتر فور خروجه من أنقرة كان سيُقرأ كجزء من مسار دولي متدرج لترقيته سياسياً، وهو ما أرادت على ما يبدو تجنبه.
أما مصر، فتبدو في موقع شديد الحساسية. فهي تاريخياً أقرب إلى معسكر حفتر، لكنها في الأشهر الأخيرة أعادت تنشيط قنواتها مع حكومة الدبيبة ومع أنقرة وواشنطن، بما يعكس إدراكاً مصرياً أن مستقبل ليبيا لن يصاغ من خلال الشرق وحده. وقد عُقد في القاهرة اجتماع رباعي ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، إلى جانب مسعد بولس، وناقش تطورات ليبيا وقضايا إقليمية أخرى، بما يعكس انتقال الملف الليبي إلى مساحة تنسيق إقليمي أوسع.
وتراقب القاهرة الانفتاح التركي على شرق ليبيا بحذر، لكنها لا تتعامل معه بالضرورة كتهديد مباشر إذا جاء ضمن تفاهمات أوسع تقلل الفوضى في الجنوب والشرق، وتحد من تمدد خصوم مصر في السودان والساحل. غير أن أي صيغة تمنح صدام حفتر موقعاً سيادياً من دون ضمانات مصرية واضحة ستبقى محل تدقيق في القاهرة، خصوصاً إذا ارتبطت بتفاهمات تركية ـ أميركية ـ أوروبية لا تكون مصر طرفاً كاملاً فيها.
وفي المقابل، يملك معسكر حفتر أوراق قوة لا يمكن إنكارها. فهو يسيطر على مساحات واسعة في الشرق والجنوب، وله نفوذ على مناطق نفطية مهمة، كما أن قدراته العسكرية شهدت مؤشرات تطور لافتة. فقد كشفت رويترز، استناداً إلى صور أقمار صناعية وتحليل خبراء، عن ظهور طائرات مسيّرة قتالية صينية وتركية في قاعدة الخادم شرق بنغازي، رغم حظر السلاح الأممي، بما يعزز أوراق حفتر العسكرية والتفاوضية في أي نقاش حول توحيد المؤسسات.
لكن امتلاك أوراق القوة لا يعني امتلاك الشرعية الكاملة. وهذا ما يجعل مبادرة بولس أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف يمكن تحويل موازين القوة العسكرية والمالية إلى تسوية سياسية، من دون أن تبدو التسوية مكافأة للأقوى، أو تكريساً لحكم العائلات، أو التفافاً على مطلب الانتخابات؟
في ضوء ذلك، تبدو واقعة إلغاء زيارة صدام حفتر إلى روما مؤشراً كاشفاً لا حدثاً معزولاً. فهي تكشف أن العواصم الأوروبية، حتى التي لا تعارض مبادرة بولس من حيث المبدأ، ما زالت مترددة في منحها غطاءً سياسياً كاملاً. وتكشف أيضاً أن صدام حفتر، رغم تقدمه في المشهد الدولي والإقليمي، لم ينتقل بعد من خانة الفاعل العسكري ـ الأمني إلى خانة رجل الدولة المعترف به أوروبياً على مستوى القمم.
وتكشف الواقعة كذلك أن روما تريد الاحتفاظ بموقعها داخل الملف الليبي من دون أن تتحمل كلفة الظهور كعرّابة لصعود صدام حفتر. فهي لا تريد خسارة شرق ليبيا، ولا تريد استفزاز الغرب الليبي، ولا تريد إغضاب واشنطن، ولا تريد ترك الساحة لباريس وأنقرة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الصورة في السياسة الليبية قد تكون أخطر من البيان: صورة صدام حفتر إلى جوار ميلوني كانت ستتحول فوراً إلى رسالة سياسية داخلية وخارجية تتجاوز بكثير مضمون أي اجتماع.
ولهذا، فإن القرار الإيطالي، كما تشرحه مصادر أوروبية، يقوم على خفض مستوى الرمزية لا قطع الاتصال. أي أن روما تقول لصدام حفتر: يمكننا الحديث معك في الأمن والهجرة والحدود، لكننا لا نمنحك الآن ختم الزعامة السياسية الانتقالية.
وهذه الرسالة، في جوهرها، موجهة أيضاً إلى مبادرة بولس. فإيطاليا لا تعترض بالضرورة على مسار توحيد المؤسسات، ولا على إدماج معسكر الشرق في تسوية شاملة، لكنها تتحفظ على تحويل التسوية إلى ثنائية عائلية ضيقة بين حفتر والدبيبة. كما أنها لا تريد أن تمنح المبادرة زخماً أوروبياً رفيعاً قبل أن تتوسع لتشمل الجنوب، والقوى الاجتماعية المرتبطة بالنظام السابق، والبلديات والمدن المؤثرة، والمكونات العسكرية التي يصعب فرض الاستقرار من دون احتوائها أو تحييدها.
وفي ختام المشهد، يمكن القول إن ليبيا تدخل مرحلة إعادة تدوير دولية واسعة لملفها. فالولايات المتحدة تعود عبر مسار دبلوماسي أكثر نشاطاً وخطة لإعادة فتح سفارتها. وأوروبا تتحرك بين مصالح الطاقة والهجرة والتنافس الفرنسي ـ الإيطالي. وتركيا تعيد بناء علاقتها مع الشرق من دون التخلي عن الغرب. ومصر تحاول التموضع داخل أي هندسة جديدة حتى لا تتشكل على حدودها ترتيبات لا تملك التأثير فيها. أما الداخل الليبي، فهو يراقب بقلق مشروعاً قد يوحد بعض المؤسسات إذا اتسع، وقد يفجر اعتراضات جديدة إذا ظل محصوراً بين عائلتين.
اقتصادياً، يشهد الملف الليبي تطوراً مهماً مع اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، بقيمة تقارب 190 مليار دينار ليبي، وهو تطور اعتُبر مؤشراً على إمكانية تخفيف الانقسام المالي بين المؤسسات. كما أن اتفاقات الطاقة الكبرى، ومنها اتفاقات نفطية طويلة الأمد مع شركات غربية، تجعل النفط والغاز في قلب أي تسوية سياسية مقبلة، وتجعل استقرار ليبيا مصلحة مباشرة للولايات المتحدة وأوروبا وشركات الطاقة الدولية.
أممياً، لا يزال المسار الأممي قائماً بوصفه الإطار الأكثر شرعية، لكنه لم يعد وحده القناة الفعلية للحركة السياسية. فالمبادرات الموازية، الأميركية والفرنسية والإقليمية، باتت تنافس المسار الأممي أو تتحرك بجواره، وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستدعم خريطة طريق انتخابية حقيقية، أم ستؤسس لمرحلة انتقالية جديدة بلا أفق واضح.
أما أمنياً، فإن استمرار الانقسام بين قوات الشرق وتشكيلات الغرب، وتطور القدرات العسكرية، وتداخل النفوذ التركي والمصري والروسي والإماراتي والغربي، يجعل أي تسوية ناقصة عرضة للانهيار. فليبيا لا تحتاج فقط إلى توزيع مناصب، بل إلى هندسة ضمانات: من يملك السلاح؟ من يدير النفط؟ من يراقب المال العام؟ من يضمن الانتخابات؟ ومن يحمي الخاسرين سياسياً من العودة إلى السلاح؟
لهذا، فإن إلغاء زيارة صدام حفتر إلى روما لا يمكن قراءته كخبر بروتوكولي محدود. إنه مؤشر على أن مبادرة بولس، مهما بلغت قوة رعاتها، لم تحصل بعد على تفويض دولي كامل، ولا على قبول ليبي شامل، ولا على غطاء أوروبي بلا تحفظات. والأهم أنها لم تجب بعد عن السؤال الذي سيقرر مصيرها: هل هي مشروع لبناء دولة ليبية جامعة، أم صفقة مؤقتة لإدارة ليبيا بين عائلتين؟




