مقالات وآراء

عماد الدائمي يكتب: الطريق إلى الإنقاذ

تمرّ تونس بأخطر مرحلة في تاريخها الحديث، وقد اجتمعت فيها ثلاث أزمات متشابكة:

أزمة حكم عميقة، تُدار فيها الدولة بمنطق التسيير اليومي المتخبط وردّ الفعل، بلا رؤية ولا مؤسسات مستقرّة ولا مساءلة.

وأزمة تشتت المعارضة، وارتباك الأولويات وعدم تجديد الخطاب والأدوات، وغياب الرؤية والبرامج.

وأزمة ثالثة أخطر من سابقتيها لأنها تسكن الناس لا المؤسسات: أزمة ثقة عامة في جدوى السياسة نفسها، أخطر مؤشراتها انسحاب الكفاءات والشباب من الشأن العام، ويأس عامة الناس من التغيير والإصلاح.

لم تعد البلاد تحتمل إدارة هذه التحديات بمنطق الهروب إلى الأمام، أو بإرجاع كل أسباب الأزمة إلى مؤامرات مفترضة لتجنّب مواجهة الإصلاحات العميقة التي تأخّرت كثيرا. فالوقت نفسه أصبح جزءا من الأزمة. فكل شهر يمرّ من دون إصلاح يضيف عبئا جديدا على الدولة، ويضيّق مساحة المناورة أمام أي قيادة وطنية ستتولى مسؤولية الإنقاذ.

وفي المقابل، لا يمكن التصدي للشعبوية بالشعارات والأماني، ولا برفع شعار إسقاط النظام من دون امتلاك تصوّر عملي لما سيأتي بعده، ولجدول الإصلاحات المفترض إنجازه. لقد علّمتنا تجربة 2011 أن سقوط منظومة لا يكفي وحده لولادة بديل قادر على إدارة الدولة وإصلاحها. كانت تلك لحظة حلم صادقة، لكنها كانت أيضا لحظة بعيدة تماما عن الواقع، اصطدمت سريعا بدولة عصيّة على التغيير.

وهنا يكمن الدرس الذي لم يستوعبه الكثيرون: لم تكن مقاومة الدولة للإصلاح ناجمة فقط عن فساد بعض من تولّوا إدارتها أو ضعف كفاءتهم، فقد كان تصميم الدولة ذاته غير مهيأ للإصلاح. أجهزة تراكمت عبر عقود، وصلاحيات متداخلة، وقرار تنفيذي بلا مركز واضح، وإطار تشريعي وترتيبي لم يتطور، وإدارة تعلّمت أن السلامة في تجنّب المبادرة. هذه بنية لا تتغيّر بتغيير من يجلس على رأسها، ولن تصبح أكثر قابلية للإصلاح إذا أعدنا إنتاج الأخطاء نفسها، أو دخلنا مرة أخرى مرحلة عنوانها إسقاط القائم دون بناء الممكن.

لهذا، فإن النضال من أجل إنهاء المظالم واستعادة الحقوق والحريات يظلّ ضرورة وطنية لا غنى عنها. ويجب أن يسير بالتوازي مع جهد وطني جادّ وصبور لبناء الحلول وصياغة البدائل وإعداد مشروع إصلاح للدولة ومؤسساتها واقتصادها، حتى يكون التغيير القادم بداية إنقاذ حقيقية، لا مجرّد انتقال جديد نحو المجهول.

وهذا الجهد يحتاج إلى كتلة وطنية من الكفاءات والقوى الجادة والعناصر الإصلاحية داخل مؤسسات الدولة، تتقدم إلى التونسيين برؤية قابلة للنقاش وبرامج قابلة للتنفيذ.

ويقتضي الوصول إلى ذلك مخرجا وطنيا مسؤولا، يقوم على تفاهم بين مجموعة من القوى الحية في المجتمع والعناصر الواعية داخل مؤسسات الدولة، ويفضي إلى إدارة انتقالية قصيرة ومحايدة، تتولى إنهاء المظالم، وإطلاق سراح مساجين الرأي، وفتح المجال العام، وحماية مؤسسات الدولة، وتوفير أقصى الضمانات لاستقلال القضاء، وتشكيل هيئة وقتية للانتخابات تضم شخصيات محايدة تحظى بقبول واسع، والتهيئة لانتخابات حرة ونزيهة في أجل لا يتجاوز ستة أشهر. فالتوافق المؤقت بين النخب قد يفتح طريق الانتقال ويحميه، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الشرعية الانتخابية.

فالبدائل لا يمكن ارتجالها في الأسابيع التي تلي التغيير، ولا تُصنع تحت ضغط الفراغ السياسي، وإنما تُبنى قبله وتُعرض خطوطها العريضة على الشعب في انتخابات لا يجب أن تتأخر، لأنها الوسيلة الوحيدة لمنح الإصلاحات شرعية ديمقراطية وتفويضا سياسيا يضمن استمراريتها ويحصنها من الطعن والتشكيك.

أما أي حديث عن مرحلة انتقالية سياسية طويلة، تدار بسلطات مؤقتة وتُؤجّل خلالها القرارات الكبرى، من دون إصلاحات هيكلية تستند إلى شرعية الصندوق، فهو حديث واهم يتجاهل دروس التجارب السابقة.

فالفراغ لا يبني دولة، والمرحلية حين تطول تتحول إلى حالة دائمة، تتآكل فيها المؤسسات، وتتوزع فيها مراكز النفوذ، وتتراجع القدرة على اتخاذ القرار. وعندئذ تصبح المرحلة الانتقالية نفسها جزءا من الأزمة بدل أن تكون جسرا للخروج منها، وتكون نتيجتها الحتمية استنزافا جديدا للدولة، وإهدارا لسنوات ثمينة أخرى من عمر البلاد.

اليوم، أصبح التحدي الوطني أعمق من مجرد تغيير السلطة:

كيف ننقذ الدولة، ونعيد بناء قدرتها على خدمة مواطنيها، ونهيئها لمواجهة تحديات المستقبل؟

فهذا السؤال، أكثر من أي وقت مضى، هو ما ينبغي أن يجمع التونسيين حول مشروع إنقاذ وطني يتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى بناء الدولة القادرة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى