الدكتور أيمن نور يكتب: السعودية النووية

ليس الخبر أن تفكر السعودية في الطاقة النووية، فهذا طموح معلن منذ سنوات، ومفهوم لدولة كبرى تريد تنويع اقتصادها، وتخفيف اعتمادها الداخلي على النفط، وتوفير طاقة مستقرة للتحلية والصناعة والمدن الجديدة. الخبر الحقيقي أن الرياض و واشنطن تدخلان الآن مرحلة أكثر جدية في التعاون النووي المدني، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تقف فيها المنطقة كلها على حافة معادلات جديدة للأمن والطاقة والردع.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل تبني المملكة مفاعلا نوويا؟ بل: هل تتحول إلى دولة نووية بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟ والإجابة الدقيقة أن الاتفاق، في صورته المعلنة، لا يصنع قنبلة، ولا يمنحها سلاحا نوويا، ولا يخرجها من إطار الاستخدامات السلمية. لكنه قد يفتح الباب أمام بناء قدرة نووية مدنية متقدمة، وربما قدرة كامنة، إذا اقتربت من دورة الوقود النووي، وخاصة من ملف التخصيب المحلي.
هنا يقع جوهر المسألة. فالتخصيب ليس مجرد إجراء فني داخل منشأة نووية، بل عتبة استراتيجية. قد يبدأ منخفض الدرجة، وتحت رقابة دولية، وبهدف توفير الوقود للمفاعلات، لكنه يمنح الدولة معرفة وبنية ومهارات ومؤسسات تجعلها أقرب إلى امتلاك مفاتيح القرار النووي. هذه ليست قنبلة، لكنها ليست كهرباء عادية أيضا. إنها منطقة وسطى بين الطاقة والردع، بين التنمية والسيادة، وبين الاستخدام المدني والوزن الجيوسياسي.
لا يجوز، في تقديري، أن يظل النقاش الدولي حول النووي في الشرق الأوسط قائما على ازدواجية أخلاقية وسياسية صارخة. يطلب من أي دولة عربية أن تقدم الضمان فوق الضمان، والتنازل فوق التنازل، بينما تبقى إسرائيل خارج معاهدة عدم الانتشار، محتفظة بسياسة الغموض النووي، وترسانة تقدر بعشرات الرؤوس النووية، دون رقابة شاملة، ودون مساءلة حقيقية، ودون أن يجرؤ النظام الدولي على التعامل معها بالمعيار نفسه الذي يطبقه على غيرها.
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب. الخطر ليس فقط في انتشار نووي جديد، بل في احتكار نووي قديم. ليس مقبولا أن يظل الشرق الأوسط قائما على معادلة تقول إن القنبلة الإسرائيلية ضمانة أمن، أما المعرفة النووية العربية فبداية خطر. هذه معادلة مختلة، لا أخلاقيا ولا استراتيجيا، لأنها تمنح طرفا واحدا حق الردع، وتطلب من بقية المنطقة أن تعيش عارية أمامه باسم منع الانتشار.
انحيازي هنا واضح، ولا أراه موضع اعتذار. لست مع سباق نووي عربي عشوائي، ولا مع قنبلة سعودية أو مصرية أو إيرانية أو تركية تزيد جنون المنطقة جنونا. لكنني مع حق العرب في امتلاك التكنولوجيا النووية المدنية المتقدمة، ومع حقهم في بناء معرفة علمية وصناعية لا تظل مرهونة بمزاج العاصمة الأمريكية، أو اعتراض تل أبيب، أو ابتزاز السوق الدولية. المعرفة ليست تهمة، والطاقة ليست جريمة، والتوازن ليس تهورا إذا ارتدى ثوب القانون والشفافية والمؤسسات.
تتحرك الرياض، في هذا السياق، لا بدافع رمزي فقط. فهي تحتاج إلى تنويع مصادر الطاقة، وتحرير مزيد من النفط للتصدير، وتأمين التحلية والصناعات الثقيلة والمدن الجديدة، وبناء اقتصاد ما بعد النفط. كما أن موقعها، وثقلها العربي والإسلامي، وحجمها المالي والسياسي، يجعل من مشروعها النووي المدني رسالة إقليمية بقدر ما هو مشروع طاقة. إنها تقول، بوضوح أو بإيحاء، إنها لا تريد أن تبقى مستهلكا للتكنولوجيا، ولا تابعا في معادلات الأمن.
من زاوية الإدارة الأمريكية، يبدو الاتفاق مزيجا من التجارة والسياسة والردع الناعم. الولايات المتحدة تريد عقودا كبرى لشركاتها، وتريد منع الصين و روسيا من التسلل إلى قلب البرنامج النووي السعودي، وتريد في الوقت نفسه استخدام الملف النووي كورقة لإعادة ترتيب العلاقة مع الرياض، وربما دفعها نحو التطبيع مع تل أبيب. وهذا ما قالوا ترامب نصا عندما ربط بين الموافقه على هذا الاتفاق وبين توقيع السعوديه على الاتفاقيه الابراهيميه واظن ان السعوديه لن تغير موقفها بعد في هذا الشهروهنا تكمن خطورة الرغبه الامريكيه الترمبيه في الربط بين النووي والتطبيع؛ لأن حق الدولة في الطاقة لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة سياسية مقابل تنازل استراتيجي في ملف آخر.
تدرك المملكة هذه الحساسية جيدا. فالتطبيع مع إسرائيل، إذا جاء في ظل حرب غزة، ودون مسار حقيقي لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية، سيكون ثمنا أكبر من أي مفاعل. لا ينبغي أن يصبح النووي السعودي جسرا لعبور إسرائيل إلى شرعية مجانية، ولا ينبغي أن تختزل الحقوق الفلسطينية في هامش صفقة طاقة أو أمن. من حق السعودية أن تحصل على التكنولوجيا النووية المدنية، لكن ليس من حق أحد أن يجعل هذا الحق مشروطا بتجاوز الدم الفلسطيني أو الالتفاف على معنى الدولة الفلسطينية.
عسكريا، لا تتحول الدولة إلى قوة نووية مسلحة بمجرد امتلاك مفاعل أو توقيع اتفاق تعاون. الطريق إلى السلاح النووي أعقد بكثير؛ فهو يحتاج إلى مواد انشطارية صالحة، وتصميمات، وقدرات تصنيع، ونظم إيصال، وقيادة وسيطرة، وعقيدة ردع، وقدرة على حماية المنشآت والبقاء بعد الضربة الأولى. الاتفاق المدني لا يقدم كل هذا. لكنه قد يمنح الحلقة الأولى في سلسلة طويلة: الشرعية السياسية والتكنولوجية للاقتراب من دورة الوقود.
لذلك، لا تبدو المسألة بسيطة كما يقول المتحمسون، ولا مرعبة كما يصورها الرافضون. المملكة لن تصبح غدا دولة نووية عسكرية، لكنها قد تصبح خلال سنوات دولة نووية مدنية ذات قدرة متقدمة، وربما قدرة كامنة، إذا امتلكت التخصيب المنضبط والكوادر والمؤسسات والبنية الصناعية. وهذه القدرة الكامنة، حتى دون سلاح، تمنح وزنا تفاوضيا وردعيا لا يستهان به.
العرب لا يحتاجون إلى قنبلة في قبو مغلق، بل إلى عقل نووي مفتوح. نحتاج إلى جامعات تنتج العلماء، ومفاعلات تنتج الطاقة، ومراكز أمان مستقلة، ورقابة برلمانية حقيقية، وشفافية مالية وفنية، وتعاون عربي في الوقود والتدريب والسلامة، لا إلى مغامرات سرية تفتح أبواب العقوبات أو الحروب الوقائية. النووي لا يحتمل دولة ضعيفة المؤسسات، ولا إعلاما يصفق بدل أن يسأل، ولا أجهزة تتصرف في الظلام باسم الأمن القومي.
هنا تصبح مصر معنية بهذا الملف بقدر السعودية. فالقاهرة صاحبة أقدم حلم نووي عربي، ومشروع الضبعة يجب ألا يبقى مجرد محطة كهرباء، بل بداية مدرسة وطنية في الهندسة النووية والصناعات المرتبطة بها. والتوازن العربي لا ينبغي أن يتحول إلى سباق بين العواصم، بل إلى تكامل: تمويل سعودي، خبرة مصرية، تجربة إماراتية، وشبكة عربية للسلامة والبحث والتدريب، تضع العرب داخل المستقبل لا على هامشه.
الطريق الأكثر عقلانية ليس قنبلة عربية في مواجهة قنبلة إسرائيلية، بل نظام إقليمي جديد لا يسمح بالاحتكار الإسرائيلي للردع، ولا يحرم العرب من التكنولوجيا، ولا يطلق سباقا عسكريا انتحاريا. هذا النظام يبدأ بالمطالبة الجادة بمنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، لا كشعار مؤتمرات، بل كمعركة دبلوماسية مستمرة تكشف ازدواج المعايير، وتضع إسرائيل أمام السؤال المؤجل: لماذا يحق لكم ما يحرم على غيركم؟
لا يعني ذلك أن نقبل بأي برنامج نووي عربي بلا ضمانات. العكس هو الصحيح. قوة الموقف العربي تأتي من نظافته. كلما كان البرنامج النووي السعودي أو المصري أو الإماراتي أكثر شفافية، وأكثر خضوعا للرقابة، وأكثر ارتباطا بالطاقة والتنمية، كان أقوى سياسيا وأصعب على الخصوم تشويهه. السرية قد تبدو مغرية، لكنها في الملف النووي تتحول سريعا إلى ذريعة للضغط والابتزاز وربما الضربات الوقائية.
لذلك تبدو المعادلة العادلة في كلمات واضحة: نعم لحق السعودية في الطاقة النووية المدنية. نعم لحق العرب في المعرفة والتكنولوجيا والتوازن. لا لاحتكار إسرائيل للغموض النووي. لا لسباق قنابل جديد. لا لاستخدام النووي السعودي كورقة تطبيع مجانية. لا لأي برنامج نووي بلا مؤسسات ورقابة وشفافية.
هل تصبح السعودية دولة نووية؟ نعم، قد تصبح دولة نووية مدنية متقدمة. وربما تملك يوما قدرة كامنة تمنحها وزنا ردعيا وسياسيا. لكنها لا تصبح دولة نووية عسكرية إلا إذا تغير قرارها السياسي، أو انهار نظام الضمانات، أو دفعت المنطقة كلها إلى سباق مفتوح بفعل الغطرسة الإسرائيلية، والاندفاع الإيراني، والصفقات الأمريكية قصيرة النظر.
في النهاية، لا ينبغي أن نخاف من المعرفة، بل من غياب العقل الذي يديرها. ولا ينبغي أن نعبد القنبلة، بل أن نكسر احتكارها. النووي العربي الذي نحتاجه ليس إعلان حرب على العالم، بل إعلان خروج من الهامش؛ علم في الجامعة، وطاقة في الشبكة، وصناعة في المصنع، وردع سياسي في الميزان، ومطالبة عادلة بأن يخضع الجميع للقاعدة نفسها.
السعودية النووية، إن جاءت بهذا المعنى، ليست خطرا على المنطقة، بل قد تكون بداية لتصحيح اختلال طويل، بشرط ألا تتحول إلى صفقة مغلقة، أو سباق سري، أو ثمن سياسي يدفع من حساب فلسطين. فالقوة الحقيقية ليست أن نمتلك ما يخافه الآخرون فقط، بل أن نمتلك ما يجعلهم يحترمون حقنا دون أن نخسر عقلنا أو قيمنا أو قضيتنا المركزية.







