مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: لبنان وليبيا… عقدتا الشرق المتوسّط في الاستراتيجية الأميركية الجديدة


لم يعد ممكناً النظر إلى التحركات الأميركية في شرق البحر المتوسط بوصفها استجابة ظرفية للأزمات المتلاحقة في المنطقة، بل تبدو جزءاً من رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة صياغة النظام الإقليمي الذي تبلور بعد الربيع العربي. فواشنطن، التي راقبت على مدى أكثر من عقد سقوط أنظمة، واندلاع حروب أهلية، واتساع النفوذ الإيراني من بغداد إلى بيروت مروراً بدمشق وصنعاء، تعمل اليوم على إنتاج معادلة مختلفة، يكون عنوانها الاستقرار المرتبط بالاقتصاد والطاقة، لا التوازنات العسكرية وحدها.

إعادة رسم خارطة النفوذ في شرق المتوسط

ومن هنا، فإن الحشد العسكري الأميركي في مواجهة إيران لا يمكن عزله عن مشروع سياسي أوسع يرمي إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في شرق المتوسط. فالهدف لا يقتصر على احتواء طهران، بل يمتد إلى بناء منظومة إقليمية جديدة تربط بين سوريا والعراق، ثم بين سوريا ولبنان، وصولاً إلى تفاهمات تشمل تركيا ومصر، ضمن شبكة متكاملة من ممرات الطاقة والتجارة والنقل البحري، خصوصاً في ظل المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، والحاجة إلى إيجاد بدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

لبنان وليبيا… العقدتان الأساسيتان

في قلب هذه الرؤية يبرز لبنان وليبيا باعتبارهما العقدتين الأساسيتين في المشروع الأميركي.

فالدولتان، على الرغم من اختلاف الجغرافيا والتركيبة السياسية، تشتركان في موقع استراتيجي يتحكم بجزء أساسي من شرق البحر المتوسط، كما تمتلكان إمكانات كبيرة في قطاع الطاقة، وتواجهان في الوقت نفسه أزمات بنيوية تمنع استثمار هذه القدرات.

ليبيا تمثل الخزان النفطي الأكبر في جنوب المتوسط، وتمتلك موقعاً جغرافياً يجعلها بوابة أفريقيا نحو أوروبا، فيما يشكل لبنان نقطة ارتكاز على الساحل الشرقي للمتوسط، ويمثل ممراً محتملاً لربط مشاريع الغاز والكهرباء وخطوط النقل بين المشرق والأسواق الأوروبية. لذلك تنظر واشنطن إلى استقرار البلدين بوصفه شرطاً ضرورياً لإنجاح أي مشروع اقتصادي أو طاقوي في المنطقة.

ترابط المسارات الإقليمية

ولا يبدو من قبيل المصادفة أن يترافق الضغط الأميركي على إيران مع تنشيط المسارات السياسية في لبنان، والسعي إلى تثبيت مؤسسات الدولة في سوريا، واستمرار الجهود الرامية إلى توحيد ليبيا. فهذه الملفات، وفق القراءة الأميركية، ليست قضايا منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشروع واحد هدفه إنتاج شرق متوسط أكثر استقراراً، وأقل خضوعاً للصراعات العسكرية والمحاور الإقليمية.

أوجه الشبه بين لبنان وليبيا

كما أن أوجه الشبه بين لبنان وليبيا تتجاوز، في الحسابات الأميركية، الاعتبارات السياسية التقليدية أو حتى الدور الذي يؤديه بعض المستشارين المقربين من الإدارة الأميركية، ومن بينهم مسعد بولس. فالقاسم المشترك الحقيقي يتمثل في أن كلا البلدين يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة القرار المركزي، وإنهاء حالة الانقسام التي عطلت الاقتصاد وأبعدت الاستثمارات وأفقدت الدولة قدرتها على إدارة مواردها.

تحديات تنفيذ الاستراتيجية

لكن تنفيذ هذه الاستراتيجية يصطدم بعقبات داخلية معقدة. ففي لبنان، ما تزال الطبقة السياسية التقليدية، بزعاماتها وتحالفاتها، تهيمن على الحياة العامة رغم الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، فيما تعيق الانقسامات الطائفية أي عملية إصلاح حقيقية أو تجديد للنظام السياسي. أما في ليبيا، فإن تشابك المصالح بين القوى المسلحة والقبائل والسلطات المتنافسة يجعل مشروع توحيد الدولة أكثر تعقيداً، رغم إدراك الجميع أن استمرار الانقسام يحرم البلاد من الاستفادة الكاملة من ثرواتها النفطية وموقعها الجيوسياسي.

الرهان على النخب التكنوقراطية

وتشير تسريبات من دوائر القرار الأميركية إلى أن واشنطن باتت تميل إلى دعم أوسع للنخب التكنوقراطية، باعتبارها أكثر قدرة على إدارة الدولة بعيداً عن الاصطفافات التقليدية. فالرهان الأميركي يقوم على تحديث بنية الحكم في لبنان وليبيا، وخلق مؤسسات أكثر فاعلية وشفافية، بما يوفر بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع البنية التحتية والطاقة، وهي مشاريع تعتبرها الولايات المتحدة المدخل الحقيقي لترسيخ الاستقرار.

سوريا ضمن اللوحة الاستراتيجية

وفي هذا السياق، لا تبدو الملفات اللبنانية والليبية منفصلة عن مستقبل سوريا أيضاً. فاستقرار دمشق، وتوحيد ليبيا، وإعادة تكوين السلطة في لبنان، وتأمين انسحاب إسرائيل من الجنوب ضمن ترتيبات أمنية جديدة، تشكل جميعها عناصر في لوحة استراتيجية واحدة، تسعى واشنطن إلى تركيبها تدريجياً.

خاتمة: شرق متوسط جديد

وفي المحصلة، يبدو أن الولايات المتحدة تراهن على انتقال المنطقة من مرحلة الصراعات العسكرية المفتوحة إلى مرحلة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تصبح الطاقة والموانئ والممرات التجارية أدوات النفوذ الأساسية. وفي هذه المعادلة، يحتل لبنان وليبيا موقعاً محورياً، ليس فقط بسبب مواردهما وموقعهما الجغرافي، بل لأن نجاح مشروع إعادة تشكيل شرق المتوسط يبدأ من استقرار هاتين الدولتين. ومن هنا، فإن مستقبلهما لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة دولية أوسع تسعى إلى إعادة رسم الشرق الأوسط على أسس جديدة، تقلص النفوذ الإيراني، وتحد من الحضور الروسي التاريخي في شرق المتوسط، وتكرس حضوراً أميركياً طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى