حين قتل النظام المعارضة وأبقى الشتّامين

منذ عام 2013، لم يعد النظام في مصر يقمع المعارضة فقط، بل أعاد تشكيل صورتها أمام الناس. حاصر السياسي، وأغلق الصحيفة، وأفرغ الحزب، واعتقل الناشط، ثم ترك في الواجهة صاحب الفضيحة والشتيمة والبث المباشر.
أصبح المصري لا يرى المعارضة بوصفها مشروعًا سياسيًا أو رؤية بديلة، بل يراها في صورة شخص خرج من داخل النظام أو من إحدى دوائره، يسب رأس السلطة، ويكشف أسرارًا شخصية، ويروي حكايات لا يمكن التحقق من معظمها، ثم يختفي كما ظهر.
يتكرر المشهد بصورة لافتة: مقاول، أو فنان، أو موظف سابق، أو رجل أو امرأة يزعمان القرب من دوائر حساسة. يظهر أحدهم فجأة، ويتحدث عن قمة النظام، ويستخدم ألفاظًا فجة ونابية، ويحصد ملايين المشاهدات، ثم تنطفئ موجته ليحل محله وجه جديد، وحكاية جديدة، ودفعة أخرى من السباب والصراخ.
والسؤال ليس فقط: هل ما يقوله هؤلاء صحيح؟ وهل هم أدوات في صراع أجنحة داخل السلطة؟ فهذه أسئلة تحتاج إلى أدلة لا يملكها الجمهور.
السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت هذه هي الصورة الأكثر انتشارًا للمعارضة المصرية؟ ولماذا لا يظهر في المجال العام إلا المعارض الصاخب، البذيء، الغاضب، القادم من داخل النظام، ثم المختفي في ظروف غامضة؟
هل هذه هي المعارضة المصرية حقًا؟ أم أنها الصورة الوحيدة التي أبقاها النظام بعدما سحق وقتل كل صورة أخرى؟
من المعارضة السياسية إلى حفلات الشتائم
عرفت مصر معارضة شرسة منذ أكثر من قرن. عارض سياسيون الملك، وهاجم كُتّاب الاحتلال، وسخر شعراء من الرؤساء، وامتلأت الصحافة والمسرح والأغنية بالغضب والنقد.
كان أحمد فؤاد نجم قاسيًا، وكان الشيخ إمام صادمًا، لكنهما لم يكونا مبتذلين كما نرى اليوم. كان الغضب يتحول إلى شعر، والرفض إلى فن، والسخرية إلى وعي اجتماعي. وكان الحاكم يُهاجَم من خلال سياساته، والنظام يُعرّى من خلال أثره في حياة الفقراء والعمال والطلاب.
أما اليوم، فقد اختفت القصيدة وبقيت الشتيمة.
اختفى المشروع وبقيت الفضيحة.
اختفى المعارض صاحب القضية، وظهر الغاضب صاحب المظلمة الشخصية.
لم يعد السؤال: كيف تُدار الدولة؟ ولماذا انهار الاقتصاد؟ وأين ذهبت العدالة؟ وما البديل السياسي؟
أصبح السؤال: من سبّ الرئيس اليوم؟ ومن كشف سرًا عن أسرته؟ ومن روى الحكاية الأكثر إثارة؟
وهذا ليس مجرد انحطاط أخلاقي عابر، بل نتيجة مباشرة لهدم المجال العام.
النظام لم يقضِ على الغضب بل جرّده من العقل
ظن النظام أن إغلاق الأحزاب سينهي السياسة، وأن السيطرة على الصحف ستنهي الحقيقة، وأن سجن المعارضين سينهي المعارضة.
لكنه لم يُنهِ شيئًا.
لقد أنهى فقط الوسائط التي كانت تحوّل الغضب إلى فكرة، والفكرة إلى برنامج، والبرنامج إلى تنظيم.
حين تُغلق الأحزاب لا يختفي الغضب، بل يتحول إلى صرخة فردية.
وحين تُمنع الصحافة لا تختفي الوقائع، بل تتحول إلى شائعات.
وحين يُعتقل السياسي لا تنتهي السياسة، بل يتصدر صاحب الفيديو.
وحين يُمنع النقد المنظم، يصبح السباب اللغة الوحيدة القادرة على اختراق الجدار.
لقد جرّد النظام الغضب من العقل، ثم عرضه على الناس وقال لهم: انظروا، هذه هي المعارضة.
السلطة هي التي علّمت المجال العام الشتيمة
النظام هو من صنع ونشر اللغة المنحطة التي ملأت المجال العام؛ لأنه قاد عملية انحطاطه.
منذ عام 2013، تحولت قطاعات واسعة من الإعلام إلى ساحات للسباب والتخوين والتشهير. وجرى الطعن في المعارضين وعائلاتهم، واتهام المختلفين بالخيانة والعمالة والإرهاب.
لم يعد هناك خصم سياسي، بل خائن.
ولم يعد هناك رأي مخالف، بل مؤامرة.
ولم يعد هناك احتجاج اجتماعي، بل محاولة لإسقاط الدولة.
حين تستخدم السلطة لغة الإذلال والهجاء يوميًا، فمن الطبيعي أن تعود هذه اللغة إليها.
وحين تجعل الشتيمة أداة حكم، فلا ينبغي أن تندهش عندما تصبح الشتيمة أداة معارضة.
لقد صنع النظام قاموسًا سياسيًا قائمًا على الإهانة والسباب، ثم ظهر من يستخدم القاموس نفسه في الاتجاه المضاد.
القادمون من داخل النظام ليسوا معارضة بالضرورة
أغلب من يظهرون بهذه الصورة لم يكونوا معارضين للاستبداد حين كانوا مستفيدين منه. لم يعترضوا على القمع، ولم يدافعوا عن المعتقلين، ولم يرفضوا إغلاق المجال العام.
كان كل شيء مقبولًا ما دامت مصالحهم قائمة.
ثم حدث خلاف، أو إقصاء، أو خسارة، أو شعور بالظلم، فانقلب الولاء إلى سباب.
هؤلاء لا ينتقلون دائمًا من تأييد الاستبداد إلى الإيمان بالحرية. كثير منهم ينتقل فقط من داخل المائدة إلى خارجها.
لا يقول الواحد منهم: كنت جزءًا من هذا النظام، وأتحمل مسؤوليتي، وهذه مراجعتي السياسية، وهذا هو البديل الذي أدعو إليه.
بل يقول: ظلموني، ولذلك سأفضحهم.
وهناك فارق هائل بين من يعارض النظام لأنه نظام استبدادي، ومن يعارضه لأنه لم يعد شريكًا فيه.
لكن النظام يستفيد من الاثنين؛ فصاحب الفضيحة لا يبني بديلًا، بل يثير الناس أيامًا، ويستنزف غضبهم، ثم يتركهم في المكان نفسه.
لماذا يختفون؟
لأن معظمهم لا يملك حزبًا، ولا مؤسسة، ولا تصورًا سياسيًا. يعتمد وجوده كله على قدرته على إنتاج فضيحة جديدة، فإذا انتهت الأسرار انتهى حضوره.
وقد يتعرض بعضهم لضغوط أو تهديدات أو مساومات. وقد يدخل بعضهم في تسويات. وقد يكون بعضهم قد استُخدم في صراع داخل أجهزة الدولة، بينما قد يكون آخرون مجرد أشخاص غاضبين ضخمتهم المنصات، ثم تخلت عنهم.
لا توجد أدلة تسمح بوضع الجميع داخل مخطط واحد.
لكن المؤكد أن هذه الشخصيات قابلة للاستخدام بسهولة؛ إذ يمكن تضخيمها، واستنزاف الغضب من خلالها، ثم إسقاطها عندما تنتهي فائدتها.
والأهم أنها لا تهدد النظام كما يهدده المعارض الحقيقي.
صاحب البث قد يحرج السلطة، لكنه لا يستطيع استبدالها.
أما صاحب الفكرة والتنظيم والقاعدة الاجتماعية، فهو الخطر الحقيقي؛ ولهذا يُسجن، أو يُنفى، أو يُمنع من الظهور.
النظام لا يخشى الشتّام بقدر ما يخشى السياسي.
فالشتّام يهين الحاكم، أما السياسي فيسأل عن شرعية الحكم.
الأول يثير فضيحة، والثاني يبني بديلًا.
المعارضة المشوهة تخدم النظام
حتى عندما لا يصنع النظام هذه النماذج بنفسه، فإنه يستفيد منها.
كلما خرج شخص يسب ويخوض في الحياة الخاصة، أمكن للإعلام الرسمي أن يقول للمواطن: هل تريد أن تحكمك هذه المعارضة؟
وكلما تحولت السياسة إلى فضائح، بدا الاستبداد أكثر احترامًا من خصومه.
وكلما غاب أصحاب الرؤية، استطاعت السلطة أن تقارن نفسها بأسوأ الأصوات، لا بأفضل البدائل الممكنة.
هذه إحدى أقدم حيل الاستبداد: لا يناقش أفضل خصومه، بل يختار أسوأهم ليعرضهم بوصفهم المعارضة كلها.
يعتقل السياسي المحترم، ثم يترك صاحب الشتيمة.
يمنع صاحب البرنامج، ثم يسلط الضوء على صاحب الفضيحة.
يسكت من يناقش الاقتصاد والدستور والعدالة، ثم يفتح المجال لمن يناقش الحكايات الشخصية.
وبعد ذلك، يطلب من الشعب أن يختار بينه وبين القبح الذي ساهم هو نفسه في إنتاجه.
لم يعد الشعب يرى نفسه
هذه النماذج لا تمثل المجتمع المصري، وإنما تمثل فقط ما تسمح منظومة القمع والإعلام والخوارزميات بظهوره.
المصريون ليسوا عاجزين عن إنتاج معارضة واعية ولغة محترمة، لكن أصحاب هذه اللغة يقبعون في السجون، أو يعيشون في المنافي، أو مُنعوا من الظهور والوصول إلى الناس.
وحين يُغلق المجال أمام السياسيين وأصحاب البرامج والرؤى، لا يبقى في الواجهة إلا من يستطيع اختراقها بالصراخ والفضيحة والسباب.
لهذا، لا ينبغي الحكم على المعارضة المصرية من خلال أكثر الأصوات ضجيجًا، بل من خلال الأصوات التي جرى إسكاتها، والأفكار التي مُنعت، والتنظيمات التي فُككت، والشخصيات التي دُفعت إلى السجن أو المنفى.
النظام لم يثبت أن مصر بلا معارضة، بل أثبت أنه يخشى المعارضة الحقيقية إلى درجة أنه لا يسمح ببقائها، بينما يترك الشتّامين في الواجهة؛ لأنهم يسيئون إلى صورة المعارضة أكثر مما يهددون بقاء السلطة.
لقد قتل النظام السياسة، ثم ترك الضجيج يتحدث باسمها.
وحاصر أصحاب البدائل، ثم قدّم أصحاب الفضائح بوصفهم خصومه.
والنتيجة أن المواطن لم يعد يرى معارضة تشبهه، بل يرى صورة مشوهة اختارها له الاستبداد، ثم طالبه بأن يخاف منها.







