مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: اللهم لا تسمع لإبراهيم عيسى.. وعجّل بأغسطس ونهاية «حُزَنبان»!



لعل بعض الأصدقاء، وكثيرًا من القراء، لاحظوا في الأيام الأخيرة أن شيئًا من الحزن قد تسلل إلى بعض ما أكتب. بعضهم مرّ على الأمر مرورًا عابرًا، وبعضهم استوقفته تلك النبرة التي لم يعتدها مني، بينما أرسل آخرون رسائل يغلب عليها القلق أكثر من العتاب، يسألون: ماذا جرى؟ ولماذا أصبحت كلماتك أكثر ميلًا إلى الأسى، وأقل ميلًا إلى المشاكسة التي عرفناها عنك؟


الحقيقة أنني لا أحب أن أجيب عن مثل هذه الأسئلة. ليس لأنني أتعالى على البوح، بل لأن الإنسان، كلما تقدم به العمر، تعلّم أن بعض الأحزان إذا خرجت من القلب فقدت شيئًا من كرامتها. هناك أوجاع تُروى، وأخرى يكفيها أن تبقى ساكنة في مكانها، لا تطلب عزاءً، ولا تنتظر تفسيرًا.


لكنني، هذه المرة، قررت أن أفتح نافذة صغيرة على ذلك العالم المغلق. لن أكشف كل الأسباب، ولن أزعم أن ما سأرويه يفسر كل شيء؛ فالحياة أعقد من أن تختزلها حكاية واحدة، والروح أوسع من أن يحيط بها سبب واحد. غير أن ما سأقوله اليوم ربما يفسر جانبًا من تلك الغيمة التي لاحظها بعضكم، وربما يفسر أيضًا سر العلاقة الملتبسة التي تربطني بشهر واحد من شهور السنة.


إنه يوليو… أو تموز، كما يسميه أهل الشام.
لا أعرف متى بدأت الخصومة بيني وبين هذا الشهر، ولا أستطيع أن أحدد اللحظة التي قرر فيها أن يقيم في ذاكرتي أكثر مما يقيم في التقويم. كل ما أعرفه أنني، كلما اقتربت أيامه، شعرت بأن أبوابًا قديمة تُفتح وحدها، وأن أصواتًا حسبتها دفنتها السنوات تعود لتجلس إلى جواري في هدوء مؤلم، كأن الزمن لا يمضي، بل يدور في المكان نفسه.
أهل اللغة يسمونه تموز، وهو اسم ضارب في الأساطير القديمة، ارتبط بالموت والبعث، وبالفقد والعودة. أما أنا فقد اخترعت له اسمًا آخر، لا تعترف به القواميس، لكنه معترف به في وجداني منذ سنوات طويلة… «حُزَنبان».


لا تسألني عن أصل الكلمة؛ فهي ليست بنت معجم، وإنما بنت تجربة. ولعل الكلمات، مثل البشر، لا تحتاج دائمًا إلى شهادة ميلاد، بقدر ما تحتاج إلى سبب يجعلها تستحق الحياة.
ولست أكره يوليو لأنه شديد الحرارة، وإن كنت من أبناء الشتاء الذين يجدون في ديسمبر وطنًا صغيرًا، ولا لأنني أقضي معه معركة سنوية مع الشمس، بل لأن هذا الشهر، كلما أطل، حمل إليّ من الذكريات أكثر مما حمل من الأيام، ومن الخسارات أكثر مما حمل من المواسم.


في سنوات السجن، كان يوليو امتحانًا آخر للعمر. لم تكن الزنازين تضيق بنا وحدها، بل كانت الشمس نفسها تبدو وكأنها جزء من العقوبة. كان الهواء يختنق قبل أن يصل إلينا، وكانت الجدران تحتفظ بحرارة النهار حتى الفجر، وكأنها ترفض أن تنسى. هناك تعلمت أن بعض الشهور لا تُقاس بثلاثين يومًا أو واحد وثلاثين، بل تُقاس بعدد المرات التي يضطر فيها الإنسان إلى أن يقنع قلبه بأن الغد سيأتي، رغم أنه يشبه الأمس.


وربما لهذا السبب، كلما دخل يوليو، شعرت أن الذاكرة تستعيد سلطتها على الحاضر، وأن الإنسان، مهما ظن أنه تجاوز جراحه، يكتشف أن بعضها لا يرحل، بل يغير مكانه فقط.


منذ أيام، كنت أعيد قراءة رواية الصديق العزيز إبراهيم عيسى: «كل الشهور يوليو». وهي، في تقديري، عمل روائي مهم استطاع أن يجعل التاريخ مادة للأدب، وأن يجعل الأدب وسيلة أخرى لقراءة التاريخ. أغلقت الرواية، وضحكت وحدي، ثم قلت في سري: اللهم لا تسمع لإبراهيم عيسى… ولا تجعل كل الشهور يوليو.


ليست دعوة على الرواية، ولا على صاحبها، بل هي دعاء على الفكرة نفسها. فلو تحولت السنة كلها إلى يوليو، لما بقي في القلب متسع لالتقاط أنفاسه. بل إنني، في لحظات السخرية التي تشبه الاعتراف، أقول لنفسي: لِمَ لا تكتفي الأرض بأحد عشر شهرًا؟ فلن يختل دورانها، ولن يعترض الفلك، وربما ربحت القلوب شهرًا أقل وجعًا.


وعلى سبيل الإنصاف لشهر يوليو، لا بد أن أعترف بأنه لم يحتكر الحزن كله. فمنذ سنوات، وأنا أسكن ريف إسطنبول، أصبح لهذا الشهر موعدٌ صغير مع البهجة لا يخلفه أبدًا. ففي هذه الأيام تتفتح زهور دوّار الشمس، فتكسو السهول المحيطة بي بذهبها المشرق، حتى يبدو الأفق كله لوحةً من الضوء. كل صباح أراها تدير وجوهها نحو الشمس، فأبتسم للمفارقة؛ فالزهرة التي تعشق الشمس تخفف عني قسوة أكثر شهور السنة حرارة. عندها فقط أشعر أن يوليو، رغم كل ما أحمله له من عتاب، لم يغلق أبوابه كلها، وأنه ما زال يحتفظ لي بنافذة صغيرة أطل منها على الجمال، كلما أوشكت الذاكرة أن تقنعني بأن الحزن هو اللون الوحيد الذي يعرفه هذا الشهر.


الغريب أن الأمر لا يقف عند حدود الذاكرة الشخصية. فكلما قلبت صفحات التاريخ، وجدت يوليو يقف هناك أيضًا، كأنه موظف قديم في إدارة المفاجآت الكبرى. لا يكاد يمر قرن من الزمان إلا ويترك فيه هذا الشهر بصمة يصعب محوها: انقلابًا يغيّر وجه دولة، أو حربًا تعيد رسم خرائط العالم، أو رصاصة تطلقها يد واحدة فتشعل نارًا تمتد إلى قارات بأكملها.


يكاد يوليو يكون الشهر الذي أحبته الدبابات أكثر مما أحبته السنابل. ففيه استيقظت شعوب كثيرة على بيانات أولى، أكثر مما استيقظت على أغنيات صباحية. وفيه خرجت جيوش من ثكناتها لتدخل القصور، قبل أن تدخل كتب التاريخ. بعض تلك التحولات حمل آمالًا مشروعة، وبعضها حمل أوهامًا باهظة، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا أن القوة كانت تتقدم، بينما كانت السياسة تتراجع خطوات إلى الخلف.


ربما كانت المصادفة وحدها هي المسؤولة عن ذلك، وربما كان التاريخ أكثر خبثًا مما نظن. لكن يصعب على من يتأمل القرن العشرين أن يتجاهل هذا التزاحم الغريب بين يوليو والانقلابات، وبين يوليو وسقوط الملكيات، وبين يوليو والبيانات العسكرية، حتى بدا هذا الشهر، في منطقتنا العربية على الأقل، وكأنه موسم رسمي لتبديل الأنظمة، أكثر منه فصلًا من فصول السنة.


ولعل أكثر ما يدهشني أن حرارة يوليو لا تكتفي بإشعال الأرض، بل كثيرًا ما أشعلت السياسة أيضًا. حتى ليخيل إليّ، أحيانًا، أن الشمس، في هذا الشهر، لا تكتفي بحرق الحقول، وإنما تذيب كذلك الحدود الفاصلة بين الحلم والسلطة، وبين الثورة والانقلاب، وبين الأمل الذي يولد في الميادين، والخيبة التي تستقر لاحقًا في دفاتر المؤرخين.


كلما أوغلت في قراءة التاريخ، ازددت يقينًا بأن بعض الشهور لا تُقاس بعدد أيامها، وإنما بعدد الزلازل التي مرت خلالها. ويوليو، بالنسبة إليّ، ليس شهرًا عاديًا في دفتر الزمن، بل فصل كامل من فصول التحولات الكبرى؛ كأن التاريخ اختاره، منذ زمن بعيد، ليكون موعدًا دائمًا لاختبار الأمم، وامتحان الشعوب، ومساءلة السلطة.


في الثامن والعشرين من يوليو عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، ولم يكن أحد يتصور أن رصاصة واحدة، سبقتها حسابات خاطئة، وسوء تقدير، وتصلب سياسي، ستجر العالم إلى أربع سنوات من الجحيم، ثم تترك وراءها عالمًا مختلفًا تمامًا. ومنذ ذلك اليوم، ظل يوليو، في مخيلتي، شهرًا يذكرنا بأن أخطاء السياسة قد تتحول، في لحظة، إلى مآسٍ يدفع ثمنها الملايين.


وحين أقرأ تاريخ منطقتنا، أشعر أن يوليو لم يكن أقل قسوة عليها. ففيه تبدلت أنظمة، وسقطت عروش، وارتفعت أعلام جديدة، وتعالت البيانات الأولى من الإذاعات، بينما كانت شعوب بأكملها تحاول أن تفهم ما الذي حدث، وما الذي سيأتي بعده.


في مصر، كان يوليو 1952 نقطة انعطاف كبرى. اختلف الناس حول توصيفها، لكنهم لم يختلفوا على أثرها العميق في تشكيل الدولة المصرية لعقود طويلة. وفي العراق، جاء الرابع عشر من يوليو 1958 ليطوي صفحة النظام الملكي في مشهد دموي بقي حاضرًا في الذاكرة العربية. وفي تونس، أعلن يوليو نهاية عهد وولادة عهد آخر. وفي أفغانستان، حمل الشهر نفسه انقلابًا أعاد رسم مسار بلد لم يعرف الاستقرار إلا قليلًا.


كل هذه الوقائع لا تجعل من يوليو شهرًا مسؤولًا عن التاريخ، لكنها تجعل التاريخ يبدو، أحيانًا، وكأنه اختار هذا الشهر كلما أراد أن يغير مساره بعنف، أو يفتح بابًا جديدًا لا يعرف أحد إلى أين يقود.
أكثر ما يخيفني في الانقلابات، أيًّا كان زمانها أو مكانها، أنها تبدأ دائمًا بوعد قصير، ثم تنتهي، غالبًا، بجدل طويل. تبدأ باعتقاد أن القوة قادرة على اختصار الطريق، ثم تكتشف الشعوب، بعد سنوات، أن الطرق المختصرة كثيرًا ما تكون الأكثر كلفة.


ولست أقول ذلك من موقع المنظّر، وإنما من موقع من عاش بعض تلك اللحظات، ورأى بعضها بعينيه، وكتب عن بعضها قبل أن تتحول إلى فصول في كتب التاريخ.


في ليلة الخامس عشر من يوليو عام 2016، كنت في إسطنبول. لم أقرأ ما جرى في صحيفة، ولم أتابعه في فيلم وثائقي، بل رأيته يتشكل أمامي ساعة بساعة. كانت ليلة طويلة، اختلطت فيها أصوات الطائرات بأصوات الناس، وارتبكت فيها الشوارع كما ارتبكت القلوب. كانت تجربة إنسانية قاسية قبل أن تكون حدثًا سياسيًا، وتركت في داخلي يقينًا إضافيًا بأن المجتمعات تدفع أثمانًا باهظة كلما أصبح السلاح لغةً لحسم الخلاف السياسي.


وقبل ذلك بسنوات، كنت أتابع ما يجري في مصر بقلق بالغ، وأعبّر علنًا عن مخاوفي وتحذيراتي من أن الانسداد السياسي، إذا تُرك حتى يبلغ مداه، سيدفع البلاد إلى منعطف بالغ الخطورة. لم يكن ذلك نابعًا من انحياز لفصيل ضد آخر، بل من انحياز أقدم وأعمق إلى الدولة المدنية، وإيماني بأن السياسة، مهما تعقدت، لا ينبغي أن تغادر ساحتها الطبيعية إلى ساحات أخرى.


ربما يختلف كثيرون مع هذا التقدير، وربما يتفق معه آخرون، لكن ما لم يتغير في داخلي يومًا هو أن الدولة المدنية ليست شعارًا أرفعه حين يناسبني، ثم أضعه جانبًا حين يتغير المشهد. لقد كان هذا المبدأ، وما يزال، جزءًا من تكويني الفكري، ومن فهمي لمعنى الحرية، ولمعنى تداول السلطة، ولمعنى أن يبقى الوطن أكبر من الحكام، وأكبر من المعارضين، وأكبر من الجميع.


لذلك، كلما عاد يوليو، لم أستدعِ الوقائع وحدها، بل استدعيت وجوه الناس. تذكرت الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأسر التي دفعت أثمانًا لم تخترها، والشعوب التي اكتشفت، بعد سنوات، أن أكثر ضحايا الصراعات السياسية هم أولئك الذين لم يشاركوا فيها أصلًا.


وربما لهذا السبب أيضًا، تبدو كتاباتي في هذا الشهر أكثر حزنًا مما ينبغي. ليس لأنني أحب الحزن، ولا لأنني أبحث عنه، وإنما لأن الذاكرة، في يوليو، تسبق القلم دائمًا. وما يكتبه الإنسان أحيانًا ليس ما يريد قوله، بل ما يفرضه عليه ما لم يستطع نسيانه.


لا أطلب من أحد أن يشاركني هذا الإحساس، ولا أن يوافقني على كل استنتاجاتي. يكفيني أن يفهم أن لكل إنسان شهرًا يخشاه، وتاريخًا يوقظه من نومه، وجرسًا خفيًا لا يسمعه سواه. ويوليو، بالنسبة إليّ، هو ذلك الجرس.
سيبقى أغسطس، في النهاية، مجرد شهر جديد في التقويم. لكنه، بالنسبة إليّ، يشبه نافذة تُفتح بعد غرفة طال بقاؤها مغلقة، أو نسمة باردة بعد نهار ثقيل، أو وعدًا صغيرًا بأن الزمن، مهما أثقل القلب، لا يتوقف.
اللهم بلّغنا أغسطس على خير يا رب العالمين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى