مقالات وآراء

مراد جمعة يكتب: بين الجغرافيا والرواية..كيف تُدار الأزمات في الدول الواقعة على خطوط التماس؟

«قد لا تكون الصواريخ التي تعبر سماء الدول موجهة إليها، لكنها تكشف دائمًا موقعها الحقيقي على خريطة الصراع.»
يقول المفكر الجيوسياسي نيكولاس سبيكمان: “الجغرافيا هي العامل الأكثر ثباتًا في السياسة الخارجية.” وربما لا يوجد ما يؤكد صحة هذه المقولة أكثر من الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، حيث لا تحدد القوة العسكرية وحدها مسار الأحداث، بل تتداخل معها الجغرافيا، والتحالفات، والروايات السياسية، لتشكّل معًا المشهد الكامل لأي صراع.

وفي خضم كل تصعيد إقليمي، ينشغل الرأي العام بالسؤال التقليدي: من أطلق الصاروخ؟ بينما يطرح التحليل الاستراتيجي سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا أصبحت هذه الدولة جزءًا من مسرح الصراع أصلًا؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكشف كثيرًا مما يبدو متناقضًا على السطح.

لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت الرواية السياسية سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن الصواريخ والطائرات. فكل طرف يسعى إلى تقديم تفسير للأحداث يمنحه الشرعية، ويؤثر في الرأي العام المحلي والدولي، ويكسب دعم الحلفاء أو يقلل من الضغوط السياسية. لذلك، لم يعد النجاح في إدارة الأزمات يقاس فقط بالإنجازات العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على بناء رواية متماسكة تحافظ على شرعيتها وثقة جمهورها.

وفي الوقت ذاته، يبرز سؤال آخر يتعلق بطبيعة الأهداف العسكرية. فكثيرًا ما ينحصر الجدل في توصيف المنشآت المستهدفة باعتبارها مدنية أو عسكرية، بينما ينظر التخطيط العسكري إلى معيار مختلف، يتمثل في القيمة العملياتية للهدف وتأثيره على سير العمليات العسكرية، بصرف النظر عن توصيفه الإداري أو القانوني.

وقد ظهر هذا التباين بوضوح خلال التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حين أثارت التصريحات الرسمية بشأن طبيعة الوجود العسكري الأجنبي نقاشًا واسعًا، قبل أن تعيد التطورات الميدانية طرح الأسئلة نفسها من زاوية مختلفة، ليتحول الجدل من مناقشة الوقائع إلى الصراع حول تفسيرها.

وفي بيئة أمنية معقدة كالشرق الأوسط، لا يمكن فصل الجغرافيا عن السياسة. فدول مثل الأردن، والسعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين ترتبط بتحالفات دفاعية وتستضيف بدرجات متفاوتة بنى تحتية عسكرية أو ترتيبات أمنية إقليمية، وهو ما يجعلها جزءًا من البيئة الاستراتيجية لأي تصعيد، حتى وإن لم تكن طرفًا في قرار المواجهة.

ولهذا، فإن الاكتفاء بإدانة الطرف الذي يطلق الصواريخ لا يكفي لفهم طبيعة الأزمة. فالرأي العام يركز بطبيعته على الفاعل المباشر، لأن آثار الضربة تقع على الأرض التي يعيش عليها، بينما يسعى التحليل الاستراتيجي إلى فهم العوامل التي جعلت تلك الأرض تدخل أصلًا ضمن مسرح العمليات. فالجغرافيا، والتحالفات، والتسهيلات العسكرية، واستخدام المجال الجوي، كلها عناصر تحدد كيف تنتقل تداعيات الصراعات إلى دول لم تبدأ المواجهة، لكنها تجد نفسها ضمن حساباتها.

كما أن التحالفات العسكرية، رغم ما توفره من ردع وحماية، لا تخلو من أثمان سياسية وأمنية. فكلما ازداد ارتباط الدولة بمنظومات أمنية إقليمية أو دولية، ارتفعت احتمالات تأثرها بصراعات لم تكن طرفًا في نشأتها. وهنا تصبح الجغرافيا والتحالفات معًا مصدرًا للقوة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر للمخاطر إذا اتسع نطاق التصعيد.

في النهاية، لا تُدار الأزمات الحديثة بالقوة العسكرية وحدها، كما لا يمكن فهمها من خلال الرواية السياسية وحدها. فبين الجغرافيا، والتحالفات، والقدرات العسكرية، والخطاب السياسي، تتشكل الصورة الحقيقية لأي صراع.

وفي الشرق الأوسط تحديدًا، قد لا يكون التحدي الأكبر هو خوض الحروب، بل تجنب التحول إلى ساحة تتقاطع فوقها حروب الآخرين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى