شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والكرامة… الإنسان أولًا . مصر الممكنة 2030 (55) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (26)


إذا كان عليّ أن أختصر فلسفة العدالة كلها في عبارة واحدة، بعد عمر قضيت جانبًا كبيرًا منه بين المحاكم والبرلمان والعمل العام والسجون والخصومات السياسية والقانونية، فلن أجد عبارة أدق من هذه: الإنسان أولًا وأخيرًا. فكل ما عدا ذلك تفاصيل. الدساتير، والقوانين، والمحاكم، وأجهزة الدولة، والسجون، والنيابات، وأقسام الشرطة، وكتب الفقه، ومجلدات الأحكام، كلها لم توجد لذاتها، بل وجدت لحماية الإنسان. وحين تنسى أي منظومة قانونية هذه الحقيقة، تبدأ في فقدان روحها حتى لو احتفظت بكل نصوصها.

كثيرًا ما تنشغل الدول بهيبة مؤسساتها أكثر من انشغالها بكرامة مواطنيها. وقد تنجح لبعض الوقت في فرض الاحترام أو الخوف أو الانضباط، لكنها تخسر شيئًا أكثر أهمية على المدى الطويل: الشرعية الأخلاقية. فالمواطن قد يخضع للقوة، لكنه لا يحترمها بالضرورة. أما حين يشعر أن كرامته مصونة، فإنه يمنح الدولة ما هو أثمن من الطاعة، يمنحها الثقة والانتماء والرضا.

لهذا لم يكن غريبًا أن تصبح الكرامة الإنسانية، بعد المآسي الكبرى التي شهدها العالم في القرن العشرين، حجر الأساس في أغلب الدساتير الحديثة. فالدستور الألماني بعد الحرب العالمية الثانية افتتح فلسفته الدستورية كلها بالنص على أن كرامة الإنسان مصونة ولا يجوز المساس بها. ولم يكن ذلك تعبيرًا أدبيًا أو أخلاقيًا مجردًا، بل خلاصة تجربة إنسانية قاسية أدركت أن كل الكوارث تبدأ حين تصبح الدولة أهم من الإنسان.

في مصر، كما في كثير من دول العالم، لا يوجد نقص في النصوص التي تتحدث عن الكرامة الإنسانية. المشكلة الحقيقية كانت دائمًا في المسافة بين النص والممارسة. فالكرامة لا تختبر في الخطب الرسمية، بل في أقسام الشرطة، وغرف التحقيق، وأماكن الاحتجاز، ومكاتب الموظفين، وقاعات المحاكم، وفي الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع مواطنيها حين يختلفون معها أو يحتاجون إليها.

تعلمت من تجربتي الشخصية أن الحرية قد تُنتزع من الإنسان، لكن الكرامة لا يستطيع أحد أن ينتزعها إلا إذا استسلم هو لذلك. ومع ذلك فإن واجب الدولة الحديثة لا يقتصر على الامتناع عن إهانة الإنسان، بل يمتد إلى حماية كرامته بصورة إيجابية. فالإنسان لا يشعر بالكرامة فقط حين لا يتعرض للإهانة، بل حين يشعر أن القانون ينظر إليه باعتباره قيمة في ذاته، لا مجرد رقم في ملف أو اسم في سجل أو متهم في قضية.

ولهذا فإن إصلاح مرفق العدالة يبدأ من إعادة الاعتبار إلى الإنسان داخل المنظومة كلها. فالنيابة العامة التي تنظر إلى المتهم باعتباره مشروع إدانة قبل أن يكون إنسانًا تفقد جزءًا من رسالتها. والمحكمة التي تنشغل بالإجراءات أكثر من انشغالها بالعدالة تفقد جزءًا من معناها. والسجن الذي يكتفي بسلب الحرية ويتجاوز إلى إهدار الكرامة يتحول من مؤسسة عقابية إلى مؤسسة لإنتاج الأحقاد والانكسارات.

لا أتحدث هنا عن مثاليات بعيدة عن الواقع. بل عن حقائق أثبتتها تجارب الأمم. فالدول التي نجحت في بناء أنظمة عدالة محترمة لم تصل إلى ذلك لأنها كانت أقل صرامة في مواجهة الجريمة، بل لأنها كانت أكثر احترامًا للإنسان. فقد أدركت أن احترام الحقوق لا يضعف الدولة، بل يقويها. وأن المتهم الذي يُعامل بكرامة لا يصبح بريئًا تلقائيًا، لكنه يظل إنسانًا حتى لو أُدين. وهذه هي الفكرة التي تميز العدالة عن الانتقام.

من أخطر ما يواجه المجتمعات أن تتحول الكرامة الإنسانية إلى امتياز يمنح للبعض ويحجب عن البعض الآخر. فالقانون لا يعرف مواطنًا كامل الكرامة وآخر ناقص الكرامة. ولا يعرف حقوقًا تستحق الاحترام وأخرى لا تستحقه. فإذا قبلنا بهذا المنطق مرة واحدة، فإننا نفتح الباب لتآكل فكرة المواطنة نفسها.

ولهذا فإن العدالة الحقيقية لا تُقاس فقط بطريقة تعاملها مع الأبرياء، بل أيضًا بطريقة تعاملها مع المتهمين والمدانين والمختلفين والمعارضين. فالاحترام الذي تمنحه الدولة لمن يختلف معها يكشف معدنها أكثر مما يكشفه تعاملها مع مؤيديها. والكرامة التي تحميها للخصوم أكثر دلالة من الكرامة التي توفرها للأنصار.

طوال سنوات عملي في المحاماة، كنت ألاحظ أن كثيرًا من القضايا التي تبدو قانونية في ظاهرها كانت في حقيقتها قضايا كرامة. العامل الذي يبحث عن أجره لا يبحث فقط عن المال، بل عن الاعتراف بقيمته. والمواطن الذي يطعن على قرار إداري جائر لا يبحث فقط عن إلغاء القرار، بل عن الاعتراف بأنه ليس أقل من الدولة شأنًا أمام القانون. وحتى السجين الذي يطالب بحق بسيط داخل محبسه لا يطالب غالبًا بامتياز، بل يطالب بالاعتراف بإنسانيته.

ولهذا فإن فكرة الكرامة الإنسانية ليست فكرة عاطفية أو أخلاقية فقط، بل فكرة قانونية ودستورية وسياسية في آن واحد. وهي المعيار الذي يمكن من خلاله قياس جودة أي نظام عدالة. فكلما ازداد احترام الكرامة الإنسانية، اقتربنا من دولة القانون. وكلما تراجع هذا الاحترام، اقتربنا من دولة الإجراءات المجردة التي تنسى الإنسان وهي تطبق القانون باسمه.

مصر الممكنة التي نتحدث عنها في هذا المشروع تحتاج إلى ثورة هادئة في هذا المجال. لا ثورة على القانون، بل ثورة داخل فهمنا للقانون. نحتاج إلى أن تعود الكرامة الإنسانية لتكون البوصلة التي توجه السياسات والتشريعات والإجراءات. وأن يصبح السؤال الأول عند صياغة أي قانون أو اتخاذ أي إجراء: ماذا سيفعل هذا بكرامة الإنسان؟

نحتاج إلى مراجعة فلسفة أماكن الاحتجاز، وتطوير ثقافة إنفاذ القانون، وتعزيز ضمانات الدفاع، وتوسيع الرقابة على السجون، وتحسين أوضاع المتقاضين، وتبسيط الإجراءات، ونشر الوعي بالحقوق. لأن الكرامة الإنسانية لا تُحمى بقرار واحد، بل بمنظومة كاملة تؤمن بأن الإنسان هو الغاية لا الوسيلة.

وأعتقد أن أحد أكبر التحديات التي تواجه مصر خلال السنوات المقبلة هو الانتقال من دولة تحرص على هيبة مؤسساتها إلى دولة تدرك أن هيبة المؤسسات الحقيقية تأتي من احترامها للإنسان. فالمواطن لا يحترم الدولة لأنها قوية فقط، بل لأنه يشعر أنها عادلة. ولا يثق في القانون لأنه صارم فقط، بل لأنه منصف.

في نهاية المطاف، ستبقى المحاكم والمباني والتشريعات والمؤسسات مجرد أدوات. أما القيمة التي تعطيها معناها الحقيقي فهي الإنسان نفسه. ولهذا فإن العدالة الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 يجب أن تبدأ من هنا.

من اقتناع عميق بأن الإنسان ليس وسيلة لخدمة الدولة، بل إن الدولة كلها وجدت لخدمته.

وأن الكرامة ليست مكافأة على حسن السلوك السياسي، بل حق أصيل يملكه كل مواطن.

وأن العدالة لا تكتمل حين تنتصر الدولة في قضية، بل حين يشعر الإنسان أن كرامته خرجت من المحكمة أكثر أمانًا مما كانت عليه عند دخوله إليها.

هناك فقط نستطيع أن نقول إننا اقتربنا من العدالة التي تستحقها مصر، ومن الدولة التي يستحقها المصريون. في مصر الممكنة 2030.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى