مقالات وآراء

د.عمرو هاشم ربيع يكتب: الحرث في الماء.. المؤتمر السنوي الأول للإعلام المصري

في ديسمبر القادم، يعقد المؤتمر السنوي الأول للإعلام المصري. المؤتمر يبدو في نظر أنصار السلطة أمر طال انتظاره، ولكنه في نظر غالبية دعاة حرية الرأي والتعبير مُجرد تحصيل حاصل، بمعنى أنه كما يقول المثل المصري عودة لقصة أبو زيد الهلالي، أو كما يقول العامة “هنحكي في المحكي”.

واحد من مؤشرات ما يمكن الاستدلال به على توقع ما هو قادم، هو التجاهل الواضح لنقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين بشأن الاستعداد للمؤتمر، ففي الأسبوع الماضي، عُقد اجتماع لقيادات إعلامية أربع، هم وزير الدولة للإعلام، ورؤساء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام. الاجتماع كما ذكر آنفا لم يدعَ إليه خالد البلشي نقيب الصحفيين، ولا طارق سعدة نقيب الإعلاميين، ما يشير- كما ذُكر آنفا- إلى طبيعة الحصاد المتوقع من المؤتمر، الذي قد ينقلب إلى احتفال بالإعلام المصري، وقياداته التاريخية، وغيرها من الأساليب التي تقلب الهموم إلى أفراح في غمضة عين، والتي قد تصل بنا إلى الدعوة لنقل تجربة الإعلام المصري للغير، بالضبط كما حدث منذ بضعة أسابيع من دعوات لضرورة نقل تجربة مصر التعليمية إلى الغير أيضا!!

اجترار التوصيات المعروفة…”إعادة اللوكلوك”
ما حدث في الاجتماع السابق للقيادات الأربع، لا يخرج عن كونه كلمات رنانة، توحي بأجواء صاخبة لانتظار المؤتمر القادم، مثل العمل على “تنفيذ تكليفات رئيس الجمهورية”، أو وفقا إلى “توجيهات رئيس الوزراء”. بتلك الكلمات أجرت القيادات الأربع استعراضا للخطوط العامة لتقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، الذي تضمن 105 توصيات تتولى تنفيذها 10 جهات حكومية وهيئات إعلامية وصحفية ونقابية، وفق جدول زمني يمتد ما بين ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات.

لو عاد الزمن إلى الوراء بضعة أشهر، وربما بضعة سنوات، وتفحص المرء في توصيات الحوار الوطني، وكذلك وعود السلطة التنفيذية المتكررة حول الحريات، وعديد مؤتمرات نقابة الصحفيين منذ عهد مبارك، خاصة إبان الصراع على قانون 95 لسنة 1993، المعروف إعلاميا بقانون اغتيال الصحافة… إلخ، لوجد المرء نفسه أمام الخطاب نفسه، والشعارات ذاتها، والأزمة نفسها، لا جديد سوى اجترار المطالب، وتعنت الطرف الآخر في الاستجابة لها، أو على الأقل وعود يعقبها النكوث والحنث والنكص على العاقبة.

لعل أكبر شاهد على كل ما سبق، هو توصيات الحوار الوطني في الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي توصيات مدونة بدقة، وبُذل فيها الكثير من الوقت، ووعد رئيس الوزراء الحالي بتنفيذ 10 منها كل شهر، لكن كل شيء ذهب أدراج الرياح، لسبب بسيط هو، أن الأمر لم يكن بيده؛ لكي ينفذ ما جاء بها، بل كان بيد عديد الأجهزة الأخرى.

مهلة للمماطلة من 3 أشهر إلى 3 سنوات
في تنفيذ توصيات ما جاء في مؤتمر الإعلام المنعقدة جلساته خلال الفترة 14 أكتوبر- 29 ديسمبر 2025، وأشار إليه اجتماع رشوان/ المسلماني/ عبد العزيز الشوربجي المشار إليه سلفا، كان الكلام واضحا، بأن هناك مهلة من 3 أشهر حتى 3 سنوات لتنفيذ مخرجات مؤتمر الإعلام.

مفهوم، أن المهلة أو الحد الأقصى للمدى الزمني السابق يرتبط موعده بأمور من قبيل الأزمات المالية، التي تمر بها الصحافة والتلفزيون الرسمي (ماسبيرو). لكن ما هو غير مفهوم على الإطلاق المدة الطويلة لمسألة الإفراج عن الموقوفين على ذمة قضايا حرية الرأي والتعبير من الصحفيين وغير الصحفيين من البلوجرز ومُعدي المحتوى ورواد التواصل الاجتماعي، ممن لهم مواقف سياسية معارضة، ومنهم أيضا المتظاهرين السلميين (وعلى رأسهم المتظاهرين المناصرين لغزة).

الإفراج عن المحتجزين يحتاج ضغطة زر وليس أشهر
ورغم أن الموقوفين في مجال حرية الرأي والتعبير، يعدون بالمئات، إلا أن عددهم غير معروف بدقة. وكل ذلك يعد مخالفة دستورية صارخة بحق حرية الرأي والتعبير، التي كفلها الدستور في المادتين 67 و71 اللتين تكفلان حرية الكلمة، وتحظر فرض الرقابة على وسائل الإعلام، وتمنع توقيع أية عقوبة سالبة للحرية بشأنها، وتمنح تعويضا للمتضرر؛ بسبب النيل من تلك الحرية.

نقيب الصحفيين خالد البلشي، ذكر منذ عدة أيام أن عدد الموقوفين من الصحفيين أعضاء النقابة، بسبب قضايا النشر والرأي، هم 19 صحفيا. لا يحتاج الإفراج عن هؤلاء، وعن زملائهم من غير الصحفيين إلى شهور، بل إلى ضغطة زر، أي دقائق أو ساعات على أقصى تقدير.

غاية القول، أن قرار الإفراج أو العفو عن الموقوفين في قضايا الرأي وحرية الكلمة، مهما بلغ عددهم لا يأخذ سوى ساعات، لكونه يحتاج إلى قرار من النائب العام أو عفو من رئيس الجمهورية، حسب وضع الموقوف. ومن ثم يصبح الحديث عن شهور للإفراج عنهم تسويفا، كما أنه يعطي إشارة وملمحا لما يُمكن أن يكون عليه الحال بالنسبة لباقي التوصيات، التي يُخشى معها أن تركض لتسبق توصيات الحوار الوطني إلى ثلاجة السلطة التنفيذية.

جدير بالذكر، أن أوضاع الصحافة في مصر هي واحدة من أسوأ الأوضاع العالمية، حسب اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، التي اعتبرت مصر السابعة عالميا عام 2025، كأكثر دولة سجنا للصحفيين، فيما جاءت في المراكز الستة الأولى كل من الصين- ميانمار- إسرائيل (الصحفيين الفلسطينيين)- روسيا- بيلاروسيا– أذربيجان، وقد مثل العدد 19 نحو 6% من إجمالي أعداد الصحفيين المحبوسين حول العالم، البالغ عددهم نحو 300 صحفي. ويُسجن الصحفيون المصريون، حسب اللجنة بتهم تتعلق بترويج الإشاعات، أو نشر أخبار كاذبة، أو التعاون مع جماعة إرهابية، أو الانتماء إليها، ويُقصد بها هنا جماعة الإخوان المسلمين.

مخالفة الدستور بمنع صدور “تداول المعلومات”
ومرة أخرى، يأتي خرق السلطة للقانون، ضمن عدة أمور كثيرة، تخرق الدستور فيها. فبعد تأخيرها لقوانين المحليات والعدالة الانتقالية ومنع ندب القضاة… إلخ، تَخرق السلطة اليوم الدستور بتأخير قانون تداول المعلومات. قانون تداول المعلومات يمنح الناس المزيد من الحرية، ويُلزم السلطة بالإعلان عن المعلومة، وغير ذلك تسود الشائعات، ويُلاحق أصحاب الرأي، ويتم معاقبة المبلغين، وهي أمور تتم بانتظام بشكل شبة يومي، ما يجعل سجل مصر في مجال حرية الرأي والتعبير ضمن الدول غير الحرة وفقا لـ Freedom House، وهي وفقا لمراسلون بلا حدود (RSF) تأتي في المرتبة الـ169 ضمن 180 دولة في مؤشرها لحرية الصحافة الدولية.

عودة الحرية للفضائيات وللمواقع الإلكترونية المحجوبة
بالمثل تعتبر الفضائيات، التي انتقلت تبعية أغلبها منذ نحو عقد إلى الشركة المتحدة للإعلام، واحدة أخرى من أهم أسباب تأميم الإعلام الفضائي، ما يجعل هذا الإعلام غير حر، ومقيد، ومكبل بالتعليمات المرتبطة بالضيوف وموضوعات النقاش وعرض الصور والآراء المعارضة للسلطة، ومن ثم، فإن نأي الدولة بنفسها وأجهزتها عن التدخل في تلك الفضائيات، يعيد للإعلام الفضائي حريته.

أما المواقع الإلكترونية، فيُشكل عودتها للعمل والسماح لها بالظهور للكافة، برفع الحظر عن أكوادها، أمر مهم للغاية لتحرير الإعلام، خاصة وأن حظرها لم يُفضِ إلا إلى ذهاب الناس؛ للبحث عن المعلومة من مصادر مغمورة، والخوض في الشائعات.

وفي حين لا يوجد إحصاء دقيق لإجمالي المواقع الإلكترونية المحجوبة، منذ عام 2017 وحتى الآن، لكن مؤسسة حرية للفكر والتعبير، قدرت عام 2019 إجمالي المواقع النِتية المحجوبة بـ512 موقعا.

ما العمل؟
لا شك، أن هناك حاجة ماسة من السلطة لتفعيل وسرعة تنفيذ مقترحات الصحفيين. فالسلطة تعلم جيدا ما هو مطلوب منها، وهي تُدرك أن التأخير في ذلك هو مجرد كسب الوقت لبقاء الأوضاع على حالها لأطول فترة ممكنة. خلاصة القول، مصر لا تحتاج لمؤتمر جديد، بل إلى عمل واقعي على الأرض.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى