مقالات وآراء

خالد شوكات يكتب: كيف عطّل حكم قيس سعيّد و”فوضويّوه” الآلية الوحيدة الممكنة لتسويق تونس دولياً؟

دولة في حجم تونس، لا تملك موارد طبيعية كافية تجعلها رقماً مؤثراً في سوق الطاقة العالمية، كما هو حال كثير من الدول العربية، ولا موارد بشرية هائلة، كالصين أو الهند أو حتى نيجيريا وإثيوبيا، تجعل منها سوقاً ضخمة تتنافس عليها القوى الاقتصادية الكبرى، لا تملك، بمنطق المصالح وحده (ودعونا جانباً القيم الإنسانية التي تثير لدى بعضنا حساسية خاصة)، خيارات كثيرة لتسويق نفسها إقليمياً ودولياً في القرن الحادي والعشرين، سوى أن تكون دولة ديمقراطية وقاعدةً للحرية، بما يوفّر مناخاً مطمئناً للاستثمار الدولي، ويجعلها أكثر جاذبية لمن يريد الاستفادة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها البشرية.

استغل الحبيب بورقيبة سياق الحرب الباردة بين القطبين، فجعل تونس جزءاً من “العالم الحر”، وسوّقها، طوال ما يقارب ثلاثة عقود، بوصفها قاعدة إقليمية في مواجهة المعسكر الشيوعي، تستحق دعم العالم الغربي. أمّا زين العابدين بن علي فقد وظّف الحرب على الإرهاب ليمنح تونس دوراً في الإقليم والعالم. وحين استنفدت الآليتان صلاحيتهما، لم يعد أمام البلاد سوى فرصة جديدة تضمن بها مصالحها ضمن خارطة العلاقات الدولية الجديدة، فكان أن أتاح لها الربيع العربي إمكانية أن تصبح رائدة في محيطها، وقادرة على الاضطلاع بوظيفة متميزة داخل المجتمع الدولي، بما يمنحها حزاماً من الأصدقاء وشبكةً من المصالح القابلة للتطوير والنماء.

غير أن سوء التقدير جاء بهذا الرجل من هامش الحياة السياسية، حاملاً أفكاراً شعبوية وفوضوية تتناقض، في بنيتها، مع طبيعة الدولة التونسية كما أرساها مؤسسها الحبيب بورقيبة، صاحب النزعة العقلانية والدولة المؤسساتية. فعطّل هذه الآلية، وجعل تونس، للمرة الأولى منذ الاستقلال، دولةً بلا دور واضح ولا وظيفة إقليمية أو دولية.

ومع هذا الارتداد نحو النظام الفردي التسلطي، تراجعت صورة تونس في المحافل الدولية، ولأنها لا تملك من الموارد الطبيعية ما يتيح لها هامشاً واسعاً من المناورة أو الاستغناء عن شركائها، فقد وجدت نفسها في عزلة إقليمية ودولية انعكست سلباً على فرصها في جذب الاستثمارات الخارجية. وإذا استمر هذا المسار، فإن البلاد مرشحة لمزيد من التآكل الداخلي، لأن الدول الفقيرة والمعزولة غالباً ما تدفع ثمناً باهظاً لعزلتها، وهو ما بدأ يلوح جليّاً في الأزمات المحتدمة التي تشهدها المرافق العمومية، من كهرباء وماء وسواهما من الخدمات الضرورية.

لم تكن الديمقراطية، في الحالة التونسية، مجرد خيار سياسي أو ترف فكري، بل كانت ضرورة تمليها المصالح العليا للدولة. وهو ما لم تدركه بعض المؤسسات التي انقادت وراء مشروع عبثي، تحت ذريعة “الخطر الداهم” الذي يهدد الدولة، في حين أن الخطر الحقيقي والأكبر كان، وما يزال، تجريد تونس من أهم فرصة امتلكتها لتسويق نفسها، وتعزيز موقعها، وتحقيق مصالحها في عالم يزداد تنافساً وتعقيداً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى