حرارة الصيف والاكتظاظ المفرط يفاقمان أزمة السجون التونسية وتصاعد المطالبات بالعقوبات البديلة

تتصاعد التحذيرات الحقوقية في تونس بشأن تدهور خطير في الأوضاع داخل المؤسسات السجنية، بالتزامن مع موجة حر شديدة كشفت هشاشة البنية التحتية لهذه المؤسسات وفاقمت معاناة النزلاء من نقص التهوية والمياه وتكرار انقطاع التيار الكهربائي. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الأزمة ليست وليدة الصيف الحالي فقط، بل امتداد لخلل هيكلي تراكم عبر سنوات من التوسع في الإيقاف التحفظي وتشديد السياسات العقابية.
اكتظاظ يتجاوز 300% من الطاقة الاستيعابية
تكشف تقارير المنظمات الحقوقية أن إجمالي عدد المحتجزين في تونس بلغ نحو 33 ألف شخص خلال عام 2025، وهو رقم دفع نسب الإشغال في عدد من السجون إلى تجاوز 200%، بل وصلت في بعضها إلى 300% من الطاقة الاستيعابية الأصلية. ومع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة هذا الصيف، تحولت العنابر وغرف التوقيف إلى فضاءات خانقة فقدت فيها الأسرّة الحديدية قدرتها على استيعاب الأعداد، ما اضطر النزلاء والنزيلات إلى ابتكار حلول بدائية للتكيف، من بينها تبليل الملابس بالمياه والتناوب على النوم أرضاً بسبب ضيق المساحة.
وفي هذا السياق، يوضح الحقوقي محيي الدين لاغة أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة يضاعفان العقوبة الفعلية التي يتحملها النزلاء وأسرهم، خصوصاً أن نحو 60% من نزلاء السجون التونسية موجودون في وضع إيقاف تحفظي، أي لم تصدر بحقهم بعد أحكام قضائية نهائية، وكان من الممكن متابعتهم قضائياً وهم في حالة سراح بدلاً من احتجازهم. هذه النسبة المرتفعة تضع علامات استفهام حول جدوى التوسع في الإيقاف التحفظي كأداة أولى في التعامل مع القضايا الجنائية.
تفشي الأمراض الجلدية يفاقم المأساة الإنسانية
أدت ظروف الاكتظاظ الحاد، مقترنة بنقص شديد في مستلزمات النظافة، إلى تفشي أمراض معدية متعددة بين المحتجزين، يتصدرها داء الجرب الذي ينتشر بوتيرة أسرع خلال أشهر الصيف الحارة داخل الغرف الضيقة المكتظة بالنزلاء. ويرى مراقبون أن غياب التهوية الكافية وارتفاع الرطوبة داخل هذه الفضاءات يشكلان بيئة مثالية لانتشار العدوى بين نزلاء يفتقرون أصلاً لأبسط مقومات الرعاية الصحية.
مطالبات حقوقية بإصلاح تشريعي عاجل
أمام هذا الواقع، ترتفع أصوات الهيئات والمنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين، للمطالبة بسرعة إصلاح السياسة الجزائية في البلاد. وتشدد هذه الجهات على ضرورة تعديل مجلة الإجراءات الجزائية التونسية، الصادرة أصلاً منذ عام 1913، والتي باتت في نظرها عاجزة تماماً عن مواكبة التطورات الراهنة ومواجهة التحديات التي تفرضها أزمة الاكتظاظ الحالية.
وتدعو المنظمات الحقوقية إلى تفعيل منظومة العقوبات البديلة وتوسيع نطاق تطبيقها بشكل جدي، عبر آليات مثل العمل لفائدة المصلحة العامة، والسوار الإلكتروني، والإفراج المشروط، خصوصاً بالنسبة للجرائم البسيطة والفئات التي لا تمثل خطراً حقيقياً على المجتمع. وتهدف هذه المقترحات إلى تخفيف الضغط الهائل الواقع على المؤسسات السجنية التونسية، والتي يبلغ عددها الإجمالي 30 مؤسسة سجنية موزعة على 22 ولاية، تحت الإشراف المباشر لوزارة العدل التونسية.
وتبقى الأزمة، بحسب المراقبين، اختباراً حقيقياً لجدية الإصلاح القضائي والعقابي في تونس، في ظل تنامي الضغط الحقوقي المحلي والدولي على السلطات للتعامل مع ملف الاكتظاظ باعتباره أولوية إنسانية وليس مجرد تفصيل إداري.







