
في أحد أيام شتاء باريس الباردة، جلس في مكتبي بباريس رجل هادئ النبرة، دقيق العبارة، من ذلك الطراز من المحامين الذين لا يرفعون أصواتهم لأنهم لا يحتاجون إلى ذلك. كان كريم أحمد خان حينها في ذروة مسار مهني نادر: محامٍ بريطاني من أصول باكستانية، عمل في محاكم يوغوسلافيا ورواندا وسيراليون، ترافع مدّعياً ومدافعاً على السواء – وهي ازدواجية قلّ من يجمعها بنزاهة – ثم عُهد إليه في ذلك العام برئاسة فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم تنظيم “داعش” في العراق. ما بقي في ذاكرتي من ذلك اللقاء ليس منصباً ولا لقباً، بل قناعة عبّر عنها بلا استعراض: إن العدالة الدولية إما أن تكون واحدة للجميع أو لا تكون.. بعد ثلاث سنوات انتخبته الدول الأطراف مدّعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية، فهاتفته وباركت له المنصب الجديد وكان لبقًا ومهذبًا كعادته.. وقبل يومين وفي الرابع والعشرين من يوليو 2026 صوّتت الدول نفسها على عزله.
ما الذي جرى بالضبط؟
في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أصدرت دائرة تمهيدية بمحكمة الجنايات الدولية مذكرتَي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة إلى جانب مذكرة بحق قيادي في حماس. كان طلب المذكّرات قد تقدّم به خان في مايو من العام نفسه وكانت تلك أول مرة في تاريخ المحكمة تصدر فيها المحكمة مذكرة توقيف بحق رئيس حكومة دولة حليفة كبرى لأمريكا والغرب.. والثمن جاء سريعاً: عقوبات أمريكية طالت المدعي العام نفسه ثم قضاة ومسؤولين فِي المحكمة وحملة دبلوماسية معلنة لتقويض المؤسسة بلغت ذروتها هذا الشهر بتصريح لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف فيه العاملين فِي المحكمة بأوصاف لا تليق بلغة الدبلوماسية.
وبالتوازي كانت هناك شبكة تُعد لاصطياد الرجل الأشرس في تاريخ المحكمة إذ تقدّمت موظفة بالمحكمة بشكوى سوء سلوك جنسي وسارع مكتب المدعي العام خان لنفى الاتهامات نفياً قاطعاً منذ اليوم الأول ولا يزال. المشكلة ليست فِي التحقيق بل فِي تجاهل نتيجته، وهنا يكمن جوهر القضية ومن هنا وحده ينبغي أن تُبنى الإدانة.. لا من التشكيك فِي امرأة تقدّمت بشكوى فهذا حق مصان لها بل من الطريقة التي أدارت بها الدول الأطراف الملف:
أولاً حقق مكتب خدمات الرقابة الداخلية فِي الأمم المتحدة (OIOS) فِي القضية ثلاثة عشر شهراً وسلّم تقريراً مرفقاً بآلاف الصفحات من الأدلة .
ثانياً: شكّل مكتب جمعية الدول الأطراف بنفسه لجنة قضائية مستقلة مكونة مِن ثلاثة قضاة بارزين: ليونا ثيرون مِن المحكمة الدستورية بجنوب أفريقيا، وبول ليمنس مِن بلجيكا، وسيمور بانتون مِن جامايكا لتقييم تلك الأدلة. أمضى القضاة نحو ثلاثة أشهر فِي دراستها وأصدروا تقريرًا بتاريخ 9 مارس 2026.
خلصوا فيه بالإجماع إلى أن الوقائع التي أوردها التحقيق لا تُثبت سوء سلوك ولا إخلالًا بالواجب بموجب الإطار القانوني المطبَّق بل إن أحد القضاة أضاف رأيًا منفردًا عبّر فيه عن شكوك جدّية بشأن الاتهامات .
ثالثًا: وهنا لب القصة الحقيقي حيث لم تتقبل هيئة المكتب هذه النتيجة، فبعد أسابيع صوّتت أغلبية أعضائه على تجاوز تقرير اللجنة التي عيّنها المكتب ذاته ثم أحالوا الملف بتاريخ 8 يونيو إلى الجمعية العامة للدول الأطراف للتصويت عليه مع تعليق فوري لعمل المدعي العام.
وفي 24 يوليو صوّتت 82 دولة مِن أصل 125 على قرار عزل كريم خان.. يقول فريق الدفاع إن خان لم يُواجَه أصلاً بالتهمة التي بُني عليها قرار العزل ولم تُتَح له فرصة الرد عليها، وإن طلباً رسمياً بعقد جلسة استماع شفوية تُختبر فيها الشهادات وتُقيَّم فيها المصداقية قُدّم منذ تموز/يوليو 2025 ولم يُستجَب له.
عملية تلفيق:
وصف بن سوانسون، النائب السابق لرئيس مكتب الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة، ما حدث بأنه عملية تلفيق إجرائي كبيرة. والأخطر من ذلك أن هيئة سياسية تنفيذية حلت محل قضاة مستقلين في تقدير أدلة متنازع عليها. وهذا بالضبط ما حذّر منه سير جيمس إيدي في رأي قانوني قدّمه أواخر 2025 عندما قال: إنه من غير المقبول مبدئياً أن يجمع المحقّق بين دوري المدّعي والقاضي، وإن الفصل في الوقائع لا يجوز أن يُترك لأجهزة سياسية.
لماذا يعد القرار أبعد من كريم خان؟
لا أحد يملك الجزم من خارج الملف بما جرى بين شخصين خلف الأبواب. لكن ما يملك كلّ حقوقي عادل أن يجزم به هو التالي: أن المؤسسة التي تأسست لتحاكم أعتى الجرائم وفق أعلى معايير الإنصاف طبّقت على مدّعيها العام معياراً أدنى مما تطبّقه على أي متهم يمثل أمامها. هذا ليس دفاعاً عن رجل. هو دفاع عن قاعدة. فالقاعدة التي تسقط اليوم في لاهاي هي ذاتها التي يُحتجّ بها غداً في وجه الضحايا: إذا جاز لهيئة سياسية أن تتجاوز حكم قضاة مستقلين حين لا يعجبها، فقد انتهت فكرة العدالة الدولية إلى أداة بيد موازين القوى. وتبقى المفارقة الأقسى: أن الرجل عُزل بينما مذكّرات التوقيف التي أصدرها لا تزال سارية، ولم يُنفَّذ منها شيء. للأسف سقط المدّعي، وبقي المتهمون طلقاء.
وأنا هنا لست في موقع من يبرئ أو يدين في مسألة لم تعرض على قضاء مكتمل الأركان.
أنا في موقع من يرفض أن يكون المسار الذي انتهى إلى العزل نموذجاً لما ستفعله العدالة الدولية بنفسها.
الرجل الذي جلس في مكتبي بباريس عام 2018 كان يؤمن بأن القانون أقوى من السياسة.
لعل ما جرى له هو الاختبار الأصعب لتلك القناعة. وأرجو رغم كل شيء ألا يكون قد أخطأ.







