
كنت أظن أن مشهد الرفض سأجده فقط في أوروبا.
في هولندا حيث أعيش، أو في ألمانيا والسويد.
لكنني وجدت نفس الجملة، بنفس التعب، في مكان لم أتوقعه في القاهرة.
صديق لي في مكالمة هاتفية قال لي في : “يا دكتور إحنا بنحب السوريين، دول أهلنا، بس البلد ما بقتش مستحملة حد كل حاجة غليت بسبب الزحمة”.
هذه الجملة تلخص اليوم مزاجاً عاماً بدأ يتشكل في الشارع المصري، وعلينا كصحفيين أن نواجهه بدلاً من تجاهله.
مصر.. الحالة الخاصة
مصر ليست لبنان أو الأردن مصر لم تستقبل السوريين في مخيمات استقبلتهم في البيوت والشوارع والمدارس.
السوري في مصر لم يكن لاجئاً في خيمة، بل كان جاراً فتح مطعماً في 6 أكتوبر، وصاحب محل في وسط البلد، وطالباً في الجامعة.
وهذا ما جعل التجربة المصرية في البداية هي الأجمل عربياً.
لكن اليوم، مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها المصري، بدأت نبرة الشكوى ترتفع، وأصبح السوري في نظر البعض هو السبب المباشر والسهل لكل شيء.
أستمع يومياً لهذه الشكاوى من أصدقاء وأقارب في مصر، ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
الإيجارات.. المعركة اليومية
هذا هو الملف الأكثر انفجاراً في مناطق مثل 6 أكتوبر، الرحاب، مدينة نصر، المنصورة والإسكندرية وكل مدينه وقرين في مصر يشتكي المصريون أن وصول أعداد كبيرة من السوريين ومعهم السودانيين واليمنيين، وبقدرتهم على دفع إيجار أعلى – خاصة القادمين منهم برأس مال – رفع أسعار الإيجارات بشكل جنوني.
شقة كانت بـ 4000 جنيه أصبحت بـ 10 آلاف المالك بطبيعته يبحث عن الربح الأعلى، والمواطن المصري متوسط الدخل هو من يدفع الثمن ويُطرد من منطقته.
غلاء الأسعار والمزاحمة في السوق
هناك شعور واسع بأن السوريين زاحموا المصريين في قطاعات معينة وسيطروا عليها، خاصة المطاعم، وصناعة الملابس، والمفروشات.
المواطن المصري الذي يرى محلات السوريين ناجحة ومزدحمة، بينما محله يعاني، يخلص لنتيجة سريعة: “هم السبب في الغلاء والزحمة”.
وهي نتيجة عاطفية أكثر منها اقتصادية، لكنها حقيقية في الشارع.
الضغط على الخدمات
رغم أن السوري في مصر لا يحصل على دعم الدولة كالمواطن، إلا أن مجرد وجود ما يقارب 1.5 مليون سوري مسجل وغير مسجل يمثل ضغطاً إضافياً على منظومة متآكلة أصلاً من كهرباء ومياه ومدارس وطرق ومواصلات في بلد تعداده 115 مليون نسمة.
وهنا يجب أن نتوقف كصحفيين ونقول الحقيقة كاملة بلا تجميل:
الاقتصاد المصري لا ينهار بسبب السوريين هذه حقيقة اقتصادية لا جدال فيها.
أسباب انهيار الجنيه، والتضخم الذي وصل لأكثر من 35%، وأزمة الديون الخارجية، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء عالمياً، هي أسباب بنيوية مرتبطة بسياسات اقتصادية وقرارات تعويم وديون متراكمة، وليست بسبب وجود جالية مهما كان حجمها.
بل إن دراسات البنك الدولي نفسها تشير إلى أن اللاجئين في مصر يساهمون في الاستهلاك وتحريك السوق.
لكن، وهذا هو جوهر المقال، الحقيقة الاقتصادية شيء، وما يشعر به الناس في الشارع شيء آخر.
المواطن المصري البسيط الذي راتبه 6000 جنيه ولا يكفيه لأسبوعين، لا يقرأ تقارير صندوق النقد الدولي هو يرى زحاماً في الشارع، وطابوراً في الفرن، وصاحب بيت يطلب ضعف الإيجار ويقول له “السوريين بيدفعوا”.
من الطبيعي أن يربط بين الأمرين الخطر ليس في الشكوى، الخطر في ترك هذه الشكوى بلا إجابة من الدولة.
عندما لا تضع الدولة سقفاً للإيجارات، ولا تنظم سوق العمل، ولا تصارح الناس بحجم الأزمة وأسبابها الحقيقية، فإن الناس سيبحثون عن كبش فداء، وسيكون دائماً هو “الأجنبي” الأقرب.
مصر التي فتحت قلبها للسوريين عندما أغلق الجميع أبوابهم، من حق شعبها اليوم أن يسأل: إلى متى؟
وما هي الخطة؟
ومن حق السوري الذي استثمر كل ما يملك في مصر أن يشعر بالأمان وأنه ليس ضيفاً غير مرغوب فيه سيتم طرده مع أول أزمة.
ما يحدث في مصر هو نفس ما حدث في لبنان وتركيا وألمانيا، لكن بنكهة مصرية إرهاق الضيافة.
الكرم المصري أصيل، لكنه ليس بلا حدود عندما يكون صاحب البيت نفسه جائعاً.
الحل في مصر، كما في باقي الدول، ليس في حملات الكراهية على فيسبوك، ولا في شعارات “مصر للسوريين” أو “اطردوا السوريين”.
الحل في تنظيم حقيقي حصر دقيق للأعداد، تنظيم لسوق الإسكان،توزيع عادل للاستثمارات السورية بحيث لا تتركز في منطقة واحدة ترفع أسعارها، وخطاب سياسي صادق يقول للمصريين: مشكلتكم ليست مع السوري، مشكلتكم مع سياسات اقتصادية تحتاج إلى إصلاح جذري.
السوري لم يأتِ ليحتل بيتك يا ابن النيل، هو هرب من برميل متفجر ليحافظ على أطفاله. وأنت لم تصبح قاسياً فجأة، أنت فقط تعبت من حمل هم بيتك وبيت جارك في نفس الوقت .





