مصرملفات وتقارير

فجوة البعثات العلمية: 30% لثلاث جامعات وتهميش شبه تام للجامعات الحديثة

انفجرت أزمة تمويل البعثات العلمية داخل أروقة البرلمان خلال شهر يوليو من عام 2026، حيث وجه أعضاء البرلمان انتقادات حادة بسبب ضعف المخصصات المالية الموجهة لإرسال الكوادر الأكاديمية إلى الخارج. تشير البيانات الرسمية المسجلة خلال الفترة بين عامي 2014 و2025 إلى استحواذ جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية وحدها على نسبة بلغت 30.3% من إجمالي أعداد الموفدين العلميين إلى الخارج. يسلط هذا التقرير الضوء على أزمة تمويل البعثات العلمية وتوزيع المبتعثين بين المؤسسات الأكاديمية المختلفة لبيان حجم الفجوة القائمة بين الصروح التعليمية العريقة والكيانات الحديثة.

سيطرة الجامعات الكبرى وتراجع التمويل: أزمة تفاوت البعثات العلمية في مصر

تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال الفترة بين عامي 2014 و2025 استحواذ عدد محدود من المؤسسات الكبرى على النصيب الأكبر من المنح والبعثات الخارجية. وبلغ إجمالي عدد المبتعثين من الجامعات الحكومية 6041 مبتعثاً، تصدرتها جامعة القاهرة بإجمالي 727 مبعوثاً بنسبة بلغت 12.0%. وحلت جامعة عين شمس في المركز الثاني بـ 600 مبعوث بنسبة 9.9%، تلتها جامعة الإسكندرية بـ 504 مبعوثين بنسبة 8.3%. وتُظهر هذه الأرقام استحواذ الجامعات الثلاث الكبرى وحدها على 30.3% من إجمالي المبتعثين. وفي المقابل، عانت الجامعات الحدودية والحديثة من تهميش شبه كامل في حركة الابتعاث، حيث سجلت جامعة مطروح أدنى رقم بمبعوث واحد طوال فترة الدراسة، تلتها الجامعة التكنولوجية بالقاهرة الجديدة وجامعة الأقصر بمبعوثين اثنين فقط لكل منهما. وتكشف موازنة العام المالي 2026/2025 عن هذا التفاوت الجذري، إذ بلغت موارد جامعة القاهرة 4.8 مليار جنيه، بينما لم تتجاوز موارد جامعة مطروح 17.9 مليون جنيه، في انعكاس مباشر على الفجوة الكبيرة في البنية البحثية والقدرة على تمويل الكوادر الأكاديمية بالشكل الأمثل.

مؤشرات التعافي القياسية وعقبات السفر الأكاديمي

سجلت أعداد الموفدين إلى الخارج تحسناً ملحوظاً خلال عام 2025 لتصل إلى 612 مبعوثاً مقارنة بـ 372 مبعوثاً في عام 2024، بنسبة نمو بلغت 64.5% لتقترب تدريجياً من مستويات ما قبل جاهحة كورونا التي تراوحت بين 560 و1094 موفداً. ورغم هذا التعافي النسبي، تواجه منظومة الابتعاث حزمة من العراقيل البيروقراطية والمالية التي وثقتها تقارير سابقة؛ أبرزها تعديلات اللوائح المالية الناتجة عن سياسات ترشيد الإنفاق، وخفض فترة إيفاد عضو بعثة الإشراف المشترك لتقتصر على عام واحد فقط. وتضمنت المعوقات إحجام إدارات البعثات عن تحمل أي مصاريف بحثية لأعضاء المهمات العلمية، فضلاً عن التشديدات القانونية المرتبطة بالقانون رقم 149 لعام 2020 والتي فرضت غرامات مالية مضاعفة إلى جانب استرداد النفقات المصروفة في حال الإخفاق، وهو ما عزز حالة العزوف النسبي بين الكوادر الشابة رغم مساعي المعالجة القائمة.

تظهر البيانات الرقمية عجزا واضحا لدى الجامعات التي أُنشئت حديثًا بين عامي 2018 و2019، حيث عجزت هذه الكيانات المستحدثة عن إرسال سوى مبتعث واحد أو اثنين فقط طوال السنوات الماضية. تعاني هذه الجامعات الجديدة من ضعف شديد في القدرات المالية والمخصصات المرصودة لأعضاء هيئة التدريس، مما يجعل أزمة تمويل البعثات العلمية عائقًا رئيسيًا يمنع باحثيها من مواكبة أحدث التطورات الأكاديمية والبحثية على المستوى الدولي.

واقع البحث العلمي في الجامعات وخريطة توزيع المبتعثين بالخارج

تستمر إشكاليات تمويل البحث العلمي والبعثات في تصدر المشهد الأكاديمي، وسط تساؤلات حول كفاءة المؤسسات التعليمية في دعم كوادرها للمنافسة العالمية. وشهد شهر يوليو الجاري تحركات برلمانية متمثلة في تقدم نائبين بطلبي إحاطة للحكومة؛ جاء الأول عبر النائب حسين غيتة بانتقاد حاد لضعف مخصصات قطاع المعرفة وعجز المؤسسات عن تغطية تكاليف مشاركة الباحثين في المحافل الدولية. بينما تمثل التحرك الثاني في اعتراض النائبة فاطمة عادل على تداعيات قرارات ترشيد النفقات الحكومية الصادرة في شهر مارس الماضي عقب الأحداث العسكرية الإقليمية، والتي أسفرت عن تقليص مساهمة الجامعات في نفقات سفر الدارسين. ولا تتوقف هذه الأزمات عند شح الموارد المالية المتاحة فحسب، بل تمتد لتشمل تفاوتاً صارخاً في القدرات والبنية التحتية بين المؤسسات الأكاديمية المختلفة.

طرح نواب البرلمان تساؤلات ملحة خلال جلسات شهر يوليو من عام 2026 حول أسباب استمرار تراجع الدعم الحكومي المخصص لبرامج التبادل العلمي والابتعاد عن تطوير قدرات الباحثين الشباب. تواجه خطط التنمية التعليمية تحديات جسيمة مرتبطة بغياب العدالة في توزيع الفرص الخارجية، الأمر الذي يضع مستقبل أزمة تمويل البعثات العلمية على محك الاختبار أمام الحكومة للبحث عن آليات تمويل عادلة تضمن صعود الجامعات الناشئة.

تهدد الفجوة الحالية بين الجامعات الكبرى والناشئة استقرار منظومة البحث الأكاديمي، وتتطلب تدخلات تشريعية وتنفيذية عاجلة لإعادة صياغة استراتيجيات الابتعاث الخارجي. تؤكد المؤشرات الرقمية ضرورة تبني سياسات مالية تدعم الجامعات الحديثة وتزيل العراقيل البيروقراطية والمالية التي تعرقل طموحات الباحثين، لضمان توزيع متوازن يسهم في الارتقاء بمستوى البحث العلمي في مختلف مؤسسات التعليم العالي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى