مسيرة النضال النسوي بتونس: من انتزاع الحريات إلى حماية المكاسب القانونية

تستعرض الجمهورية التونسية محطات تاريخية بالغة الأهمية في مسار النضال النسوي المستمر، حيث بدأت الحكايات بمواقف رمزية عميقة تعكس صراعاً طويلاً من أجل انتزاع الحريات الأساسية والمكتسبات القانونية التي تحققت عبر عقود من التضحيات المتراكمة.
جذور النضال النسوي وانطلاقة مسيرة السروال
تشير السجلات والشهادات التاريخية إلى حادثة مفصلية وقعت في ولاية سوسة الساحلية قبيل الاستقلال وقبل صدور مجلة الأحوال الشخصية، تمثلت في احتراق حافلة تقل ركاباً بينهم امرأة عجزت عن النجاة بسبب ارتدائها الفستان التقليدي بينما فرّ البقية من النوافذ. أطلقت تلك المأساة شرارة انتفاضة نسائية عارمة رفعت شعارات تطالب بحق النساء في ارتداء السروال لتسهيل الحركة والنجاة، مما جسد حقيقة أن الحقوق لم تُمنح قط على طبق من فضة بل انتزعت عبر مسارات تنظيمية سرية وعلنية خاضتها إرادة نسائية صلبة رفضت الانكسار طوال تاريخ البلاد.
تطور التشريعات وحماية المكاسب القانونية الكبرى
انتقلت المطالب النسوية بمرور الزمن من سياق الدفاع عن الحق البسيط في الحركة واللباس إلى قلب معركة التشريع وصياغة القوانين داخل أروقة البرلمان والمحاكم الرسمية. فرضت التونسيات وجودهن كقوة ضاغطة ومؤثرة أسفرت عن إقرار تشريعات رائدة جعلت البلاد مختبراً حقوقياً فريداً في محيطها العربي. يبرز في هذا السياق صدور القانون رقم 58 لسنة 2017 المخصص لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة، إلى جانب القوانين الموجهة لحماية العاملات في القطاع الفلاحي والمنازل وإخراجهن من دائرة التهميش المجتمعي نحو فضاء الأمان الوظيفي والقانوني الشامل.
تحديات الحفاظ على البناء الدستوري والمجتمعي
تخوض المرأة في الجمهورية التونسية في المرحلة الراهنة معركة ضارية من نوع آخر ترتكز على الحفاظ وبناء المكتسبات وسط ظرفيات اقتصادية واجتماعية خانقة تفرض أقصى درجات اليقظة. أدركت المنظمات والنسوة أن المكاسب التاريخية ليست محصنة تماماً ضد تقلبات الزمن، وهو ما ظهر جلياً خلال العقد الماضي حين تصدين لمحاولات ممنهجة قادتها تيارات سياسية للانقضاض على المشروع التحديثي وفرض خطابات رجعية تستهدف الكرامة الإنسانية ودور النساء في المجتمع. تواصل التونسيات اليوم التمسك بهويتهن كمواطنات كاملات الحقوق، رافضات أي تراجع يهدد استقرار وضعهن المعيشي والاجتماعي في مختلف الجهات والمحافظات.







