العالم العربيالمغرب العربيتونس

غضب في الشارع التونسي ومعارضون يطرحون مرحلة ما بعد قيس سعيّد

تشهد تونس حالة متصاعدة من الغضب الشعبي، في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات الأساسية، وسط انتقادات متزايدة لأداء السلطة والرئيس قيس سعيّد، ومطالبات بالتحرك العاجل لمعالجة الأوضاع أو فتح الطريق أمام انتقال سياسي جديد.

وتزايدت حدة الانتقادات بعد انقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص بعض المواد الأساسية، في وقت يرى فيه سياسيون ونشطاء أن السلطة لم تتمكن من تقديم حلول مقنعة أو طمأنة الرأي العام بشأن حقيقة الأوضاع.

وبدأ عدد من المعارضين يتحدثون عن ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد قيس سعيّد، معتبرين أن مسار الحكم الذي بدأ بإجراءات 25 يوليو 2021 لم يحقق الوعود التي رُفعت بشأن تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة.

إفلاس المنظومة الحاكمة

قال القيادي في جبهة الخلاص الوطني عز الدين الحزقي إن السلطة فقدت صلاحيتها بعد سنوات من الحكم دون تقديم حلول للأزمات التي تعيشها البلاد، معتبرًا أن رحيل المنظومة الحالية أصبح، من وجهة نظره، واجبًا وطنيًا.

وأضاف الحزقي أن تراجع القدرة على تأمين الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية أثّر بصورة مباشرة في حياة التونسيين، وأسهم في تصاعد الغضب الشعبي، محذرًا من أن استمرار الأزمة ستكون له تداعيات على المواطنين والأجيال القادمة.

وأشار إلى أن المناخ السياسي أصبح أكثر توترًا بسبب خطابات التخوين والإقصاء والتفرقة، مؤكدًا أن تونس تضم شخصيات وكفاءات وشبابًا قادرين على قيادة مرحلة إصلاحية جديدة، خلافًا للخطاب الذي يروّج لعدم وجود بديل عن السلطة الحالية.

ورأى الحزقي أن الأجواء الراهنة تذكّر بالمناخ الذي سبق الثورة التونسية بين عامي 2010 و2011، موضحًا أن ما ينقص الحراك الحالي هو وجود قيادة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مسار سياسي منظم.

واعتبر أن الشعارات التي رُفعت خلال مسيرة 25 يوليو الجاري تعكس ارتفاع مستوى الاحتقان، مشيرًا إلى أن قوى المعارضة التي كانت متفرقة أصبحت أكثر قدرة على الاجتماع والتحرك في الشارع.

وأكد أن سجن عدد من الشخصيات السياسية لم يوقف الأفكار والمبادرات الداعية إلى توحيد المعارضة وإطلاق حوار وطني، معتبرًا أن هذه المبادرات تتجدد رغم استمرار القيود المفروضة على أصحابها.

تدهور الأوضاع وتغير المزاج العام

من جانبه، قال القيادي في الحزب الجمهوري المولدي الفاهم إن الأوضاع في تونس تتجه نحو مزيد من التدهور، وإن المزاج العام بدأ يتغير، حتى بين بعض الفئات التي كانت تؤيد السلطة أو تدافع عن سياساتها.

وأضاف أن هناك شبه إجماع، وفق تقديره، على فشل الرئيس قيس سعيّد في إدارة الأزمة، مشددًا على أن التمسك بالسلطة في ظل غياب الحلول قد يتحول إلى جزء رئيسي من المشكلة ويؤدي إلى مزيد من التعقيد.

ودعا الفاهم إلى عقد مؤتمر وطني جامع لمناقشة استحقاقات مرحلة ما بعد قيس سعيّد، ووضع تصور سياسي يعيد العمل بمكتسبات الثورة ويقود إلى إصلاح شامل يضمن التداول السلمي للسلطة.

وأشار إلى تجربة حركة 18 أكتوبر 2005، التي جمعت تيارات سياسية وفكرية مختلفة، وانطلقت بإضراب عن الطعام شارك فيه معارضون من توجهات متعددة، قبل أن تتطور إلى تحركات ساهمت في تشكيل المشهد السياسي الذي سبق الثورة التونسية.

وأوضح أن تلك التجربة أعقبتها احتجاجات الحوض المنجمي عام 2008، ثم انتفاضات مدن تونسية عدة وصولًا إلى ثورة يناير 2011، مؤكدًا أن البلاد قادرة على استيعاب الجميع ضمن صيغة سياسية لا تقوم على الإقصاء.

تململ في الشارع ومطالب بالرحيل

وقالت عضوة التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين زينب المرايحي إن الشارع التونسي يشهد حالة واضحة من التململ، مشيرة إلى أن المسيرة التي نُظمت السبت الماضي ضمت طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمدنية.

وأضافت أن المسيرة كانت من أكبر التحركات المعارضة من حيث عدد المشاركين وتنوع انتماءاتهم، معتبرة أن هناك شبه إجماع بين أطرافها على ضرورة رحيل قيس سعيّد، بعدما أصبح خطابه، وفق وصفها، عاملًا للانقسام بدلًا من توحيد التونسيين.

وأشارت المرايحي إلى أن المواطنين لم يلمسوا إنجازات ملموسة على المستويين المعيشي والاجتماعي، بينما رفعت الاحتجاجات شعارات تطالب بالعيش الكريم والحريات وتحسين الأوضاع البيئية والخدمية.

وأكدت أن انقطاع المياه والكهرباء يمس الأمن القومي والحياة اليومية للتونسيين، داعية السلطة التنفيذية إلى مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع والإقرار بحجم العجز وفتح باب الإنقاذ الوطني.

من جانبها، قالت النائبة السابقة وعضوة تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين منية إبراهيم إن فئة متزايدة من الشعب التونسي أصبحت تدرك أن الدولة تمر بأزمة خانقة وغير مسبوقة انعكست بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية.

وأضافت أن المعارضة وعددًا من القوى المدنية كانت قد حذرت منذ البداية من فشل مسار الحكم الحالي، بينما لا تزال فئة أخرى تساند السلطة رغم معاناتها من تراجع الخدمات والظروف الاجتماعية الصعبة، مدفوعة برفضها عودة قوى المعارضة إلى المشهد السياسي.

ورأت إبراهيم أن مؤسسات الدولة تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع نتيجة غياب الإصلاح وافتقار الجهاز التنفيذي إلى رؤية واضحة، معتبرة أن الأولويات انصرفت إلى تسويق الوعود بدلًا من معالجة المشكلات الحقيقية.

واستبعدت رحيل السلطة في الوقت الراهن، في ظل امتلاك الجهاز التنفيذي صلاحيات واسعة، لكنها أكدت أن سنوات الحكم الفردي لم تؤد إلى تحقيق المطالب الأساسية أو الحفاظ على بعض مكتسبات دولة الاستقلال.

وأشارت إلى أن المرافق العامة واصلت تقديم خدماتها حتى خلال أحداث الثورة التونسية، بينما تشهد البلاد حاليًا تراجعًا غير مسبوق في إمدادات المياه والكهرباء، وهو ما أرجعته إلى ضعف الكفاءة والتخبط وغياب التخطيط والاستشراف.

دعوات إلى تصحيح المسار

وقال منسق ائتلاف صمود والعضو المؤسس في «حراك نفس» حسام الحامي إن صفة المواطنة جمعت المشاركين في التحركات الأخيرة رغم الخلافات الأيديولوجية والسياسية بينهم.

وأضاف أن جزءًا مهمًا من التونسيين أصبح متفقًا على التقييم السلبي لمسار 25 يوليو 2021، سواء بسبب طريقة إدارة شؤون البلاد أو العجز عن الخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح أن المحتجين يرفضون الحكم الفردي وما يعتبرونه تراجعًا في الحريات وزجًا بالخصوم السياسيين في السجون وتضييقًا على الفضاء العام ومصادرة للرأي المخالف.

وأشار إلى أن الشارع أصبح الملاذ الأساسي للمطالبين بالتغيير والإصلاح، في ظل عدم استجابة السلطة لمطالب التونسيين أو تقديم حلول عملية للأزمات المتتالية.

ولفت الحامي إلى أن «حراك نفس» دعا إلى النزول إلى الشارع دون تفرقة أو إقصاء على أساس الانتماء السياسي أو الفكري أو العمر، مؤكدًا أن المشاركين رفعوا مطلب رحيل السلطة.

ورأى أن توحيد قطاعات واسعة من التونسيين يحتاج إلى أفق سياسي واضح يحول الشعارات إلى مطالب قابلة للتنفيذ، محذرًا من أن عدم استجابة السلطة سيقود إلى مزيد من الاحتجاجات والتحركات.

وقال إن التفويض الشعبي الذي تحدث عنه الرئيس قيس سعيّد لم يعد قائمًا على أرض الواقع، معتبرًا أن قطاعات واسعة من المواطنين منحت نفسها حق الاحتجاج والمطالبة بتحسين أوضاعها وإطلاق سراح السجناء السياسيين وإلغاء المرسوم رقم 54 الصادر عام 2022.

وأضاف أنه إذا كانت السلطة غير قادرة على الاستجابة للمطالب أو إيجاد الحلول، فعليها الاستقالة وفتح المجال أمام انتخابات شفافة، مؤكدًا أن التداول السلمي للسلطة يمثل ضمانة لاستقرار تونس.

انتقادات لمنطق المحاسبة

بدورها، قالت الناشطة ناجية العجيمي إن الأزمة طالت جميع المواطنين دون استثناء، في ظل انقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية واستمرار الاعتقالات والقيود السياسية.

وأضافت أن غياب خطاب رسمي يطمئن المواطنين أو يوضح لهم حقيقة ما يجري أسهم في زيادة الغضب، معتبرة أن الدولة لا تتفاعل بالشكل المطلوب مع الأزمات المتلاحقة.

وانتقدت دعوة الرئيس قيس سعيّد إلى محاسبة مسؤولين في شركة الكهرباء والغاز وفتح تحقيق في الانقطاعات، معتبرة أن تحميل المؤسسات وحدها المسؤولية لا يعفي السلطة التنفيذية من مسؤوليتها عن الاستعداد للأزمات ومعالجتها.

وأكدت أن الاحتجاجات ستتواصل، من وجهة نظرها، إلى حين رحيل المنظومة الحالية، في ظل غياب حلول واضحة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقالت المواطنة ثريا الماجري إن الأوضاع أصبحت شديدة الصعوبة، وإن السلطة عاجزة عن مصارحة الشعب وطمأنته، مؤكدة أن المواطنين لن يكتفوا بمشاهدة تراجع الدولة وانهيار المرافق الأساسية.

وأضافت أن مظاهر الفشل أصبحت واضحة في الحياة اليومية، معربة عن اعتقادها بأن التغيير بات قادمًا في ظل تصاعد الغضب واتساع دائرة المنتقدين للسلطة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى