شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: «الهجرة» من إدارة الحدود إلى صناعة الأمل . مصر الممكنة 2030 (58) مصر ومحيطها الإقليمي… (3 من 10)


لم أنس ذلك السؤال الذي وُجه إليّ قبل سنوات في إحدى الندوات الأوروبية: «لماذا يصر شبابكم على القدوم إلى أوروبا؟». كان السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه حمل في داخله قدراً كبيراً من سوء الفهم. لأن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الهجرة من نهاية الطريق لا من بدايته. يرون القارب ولا يرون القرية التي خرج منها. يرون الحدود ولا يرون المدرسة. يرون المهاجر ولا يرون الظروف التي دفعت به إلى الرحيل.

وخلال السنوات التي عشت فيها جزءاً من حياتي بين العمل السياسي في مصر والتحرك في فضاءات دولية مختلفة، اكتشفت أن واحدة من أكبر مشكلات النقاش العالمي حول الهجرة هي أن أطرافه كثيراً ما يتحدثون عن الظاهرة نفسها لكنهم يقصدون أشياء مختلفة تماماً. الأوروبي يتحدث عن الأمن والحدود والاندماج والهوية. أما الشاب الذي يفكر في الهجرة فيتحدث عن العمل والدخل والفرصة والكرامة والأمل. وبين الروايتين تضيع الحقيقة.

لهذا فإن أي محاولة جادة لفهم ملف الهجرة يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن الهجرة ليست أزمة حدود في المقام الأول، بل أزمة تنمية. وليست قضية أمنية فقط، بل قضية اقتصادية واجتماعية وتعليمية وسياسية أيضاً. وحين نفهم ذلك يصبح السؤال الصحيح ليس كيف نمنع الناس من الهجرة، بل لماذا يريدون الهجرة أصلاً؟

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكبر حركة انتقال بشرية في تاريخه الحديث. الملايين انتقلوا من الجنوب إلى الشمال، ومن المناطق الفقيرة إلى المناطق الأكثر ثراءً، ومن الدول المضطربة إلى الدول الأكثر استقراراً. ولم تكن المنطقة العربية استثناءً من هذه القاعدة، بل كانت إحدى ساحاتها الرئيسية.

وفي الحالة المصرية تحديداً، لم تكن الهجرة دائماً ظاهرة سلبية. فقد لعبت الهجرة المنظمة دوراً مهماً في دعم الاقتصاد المصري عبر التحويلات المالية والخبرات والعلاقات الدولية. كما ساهم ملايين المصريين الذين عملوا في الخارج في بناء جسور إنسانية وثقافية واقتصادية مهمة بين مصر والعالم.

لكن ما يثير القلق ليس الهجرة المنظمة، بل الهجرة التي تتحول إلى هروب جماعي من المستقبل. حين يشعر الشباب أن أحلامهم أصبحت قابلة للتحقق خارج أوطانهم أكثر من داخلها، تصبح المشكلة أعمق من مجرد حركة انتقال طبيعية للسكان.

ولهذا فإن قراءة ملف الهجرة من منظور أمني فقط تمثل خطأً استراتيجياً كبيراً. فالأسلاك الشائكة لا تصنع أملاً، والدوريات البحرية لا تخلق وظائف، والإجراءات العقابية لا تعالج أسباب الإحباط. قد تؤخر النتائج لبعض الوقت، لكنها لا تمس جذور المشكلة.

أوروبا نفسها بدأت تدرك هذه الحقيقة تدريجياً. فبعد سنوات طويلة من التركيز على حماية الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، بدأت مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومراكز الفكر والجامعات والصحافة الأوروبية تتحدث بصورة متزايدة عن العلاقة المباشرة بين الهجرة والتنمية. وأصبح السؤال المطروح داخل كثير من الدوائر الأوروبية ليس كيف نوقف الهجرة فقط، بل كيف نساعد على معالجة الظروف التي تدفع إليها.

ومن هنا جاءت أهمية التحولات الجديدة في السياسة الأوروبية تجاه جنوب المتوسط. فالميثاق المتوسطي الجديد، ومشروعات الشراكة الاستراتيجية، وبرامج الاستثمار والتدريب والتعليم، كلها تعكس إدراكاً متنامياً بأن الاستقرار لا يمكن استيراده من الخارج، بل يجب أن يُبنى داخل المجتمعات نفسها.

غير أن هذا الإدراك الأوروبي لا يعفي دول الجنوب من مسؤولياتها. فالتنمية ليست مشروعاً أوروبياً يُطبق في المنطقة، بل مشروع وطني يجب أن تقوده الدول نفسها. والمساعدات الخارجية مهما بلغت قيمتها لا تستطيع أن تعوض غياب السياسات الرشيدة أو الإصلاحات الضرورية أو الإدارة الكفؤة.

ولهذا فإن السؤال المصري في ملف الهجرة يجب أن يكون مختلفاً. لا ينبغي أن ينحصر في كيفية إرضاء الشركاء الأوروبيين أو الاستجابة لمخاوفهم، بل يجب أن ينطلق من احتياجات المجتمع المصري نفسه. كيف نخلق فرص عمل كافية؟ كيف نطور التعليم؟ كيف نربط المهارات بسوق العمل؟ كيف نحول الاقتصاد إلى اقتصاد أكثر قدرة على استيعاب الطاقات الشابة؟

هذه الأسئلة ليست منفصلة عن الهجرة، بل هي جوهر الهجرة نفسها.

ولعل أخطر ما في الظاهرة أن كثيراً من الشباب لم يعودوا يهاجرون بسبب الفقر فقط، بل بسبب الإحساس بانسداد الأفق. بعضهم يمتلك تعليماً جيداً، وبعضهم ينتمي إلى الطبقة الوسطى، وبعضهم يمتلك مهارات مطلوبة في الأسواق الدولية. لكنهم جميعاً يشتركون في شعور واحد: أن المستقبل في مكان آخر.

وهنا تصبح القضية أكثر تعقيداً. لأن علاجها لا يقتصر على النمو الاقتصادي وحده، بل يرتبط أيضاً بالعدالة والشفافية وسيادة القانون وجودة الحياة والقدرة على المشاركة في صنع المستقبل.

لقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن الناس لا يهاجرون من الدول الفقيرة فقط، بل يهاجرون أيضاً من الدول التي يشعرون فيها أن جهودهم لن تكافأ، وأن فرصهم محدودة، وأن الحراك الاجتماعي أصبح أكثر صعوبة. ولهذا فإن الهجرة ليست مؤشراً اقتصادياً فقط، بل مؤشر على مستوى الثقة في المستقبل.

وفي هذا السياق تصبح العلاقة بين الهجرة والديمقراطية أكثر وضوحاً مما يظن البعض. فالمجتمعات التي تسمح بالتعبير والمشاركة وتكافؤ الفرص تملك قدرة أكبر على الاحتفاظ بطاقاتها البشرية. أما المجتمعات التي تغلق الأبواب السياسية والاقتصادية معاً فإنها تدفع جزءاً من شبابها إلى البحث عن أبواب أخرى خارج حدودها.

ومن هنا لا تبدو الحريات وحقوق الإنسان ترفاً سياسياً كما يحاول البعض تصويرها، بل جزءاً من البيئة العامة التي تجعل الأوطان أكثر قدرة على الاحتفاظ بأبنائها. فالأمل لا يولد من الراتب وحده، كما أن الانتماء لا يصنعه الاقتصاد وحده.

وفي مصر، تكتسب القضية أبعاداً إضافية بحكم الموقع الجغرافي والدور الإقليمي. فمصر ليست فقط دولة مصدرة للهجرة أو مستقبلة لبعض موجاتها، بل هي أيضاً دولة عبور ومركز استقرار لملايين من الأشقاء واللاجئين والوافدين من مناطق أزمات مختلفة. وهذا يفرض عليها أعباء كبيرة، لكنه يمنحها أيضاً موقعاً مهماً في أي نقاش دولي حول مستقبل الهجرة في المتوسط.

وقد كان من اللافت خلال النقاشات التي شهدتها باريس في إطار مبادرة «المصير المشترك 2035» أن ملف الهجرة لم يعد يُطرح بوصفه ملفاً أمنياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من رؤية أوسع تشمل التعليم والطاقة والمناخ والتنمية والاقتصاد. وهذا تطور مهم، لأن الهجرة ليست قضية قائمة بذاتها، بل نتيجة لتفاعل عشرات العوامل الأخرى.

ومن هنا فإن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من المبادرة هو أن معالجة الهجرة تتطلب بناء شراكة متوسطية جديدة لا تقوم على الخوف المتبادل، بل على المصالح المتبادلة. أوروبا تحتاج إلى الاستقرار والتنمية في الجنوب. والجنوب يحتاج إلى الاستثمار ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق ومسارات الحركة القانونية والآمنة.

غير أن نجاح هذه الشراكة يتوقف على شرط أساسي: أن تنتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. فإدارة الأزمة تعني التعامل مع القوارب عندما تبحر. أما صناعة المستقبل فتعني بناء الظروف التي تجعل كثيراً من هذه القوارب غير ضرورية أصلاً.

ولهذا فإن مصر الممكنة لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها مشكلة يجب التخلص منها، بل باعتبارها مؤشراً يجب فهمه. فإذا كانت الهجرة تعكس نقص الفرص، فلنعالج الفرص. وإذا كانت تعكس خللاً في التعليم، فلنصلح التعليم. وإذا كانت تعكس ضعف الاقتصاد، فلنطور الاقتصاد. وإذا كانت تعكس أزمة ثقة، فلنبنِ الثقة.

ومن هنا أيضاً يجب أن يتغير الخطاب العام حول الهجرة. فالمهاجر ليس خائناً لوطنه، كما أنه ليس بطلاً بالضرورة. إنه إنسان يتخذ قراراً معقداً تحت تأثير ظروف معقدة. وما تحتاجه الدول الناجحة ليس إدانة من يغادرونها، بل بناء الأسباب التي تدفعهم إلى البقاء أو العودة.

وحين نصل إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً. لا يعود السؤال: كيف نمنع الهجرة؟

بل يصبح:

كيف نجعل البقاء خياراً يستحق أن يُختار؟

تلك هي القضية التي ينبغي أن تشغل مصر خلال السنوات القادمة. لأن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات أو مشروعات أو طرق أو مبانٍ، بل أيضاً بقدرتها على إقناع أبنائها بأن أحلامهم يمكن أن تتحقق فيها لا بعيداً عنها.

والهجرة في نهاية المطاف ليست رحلة بحث عن مكان جديد فقط.

إنها في جوهرها بحث عن أمل.

والأمم التي تنجح في صناعة الأمل…

لا تخشى كثيراً من رحيل أبنائها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى