ذاكرة التاريخملفات وتقارير

حمزة الشبراويشي: رحلة عصامي صنع كولونيا الشهيرة وانتهت مسيرة نجاحه بالتأميم

تستعرض الصحافة تفاصيل قصة صانع كولونيا 555 التاريخية التي تحكي مسيرة كفاح ملهمة طبعت وجدان المواطنين لعقود طويلة عبر زجاجة عطر شهيرة تركت بصمات واضحة في المناسبات والأزمات والأعياد المختلفة داخل الساحة المحلية منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا، حيث يجهل الكثيرون الأسرار الكامنة خلف صعود وهبوط هذا الإمبراطور العطري الذي حقق شهرة طاغية وواسعة النطاق قبل أن تواجهه تحولات سياسية واقتصادية قاسية أدت في نهاية المطاف إلى تأميم ممتلكاته ومصانعه الشهيرة وسط ظروف دراماتيكية معقدة للغاية ومثيرة للجدل.

بدأت حكاية حمزة الشبراويشي في قرية شبراويش دون أن يمتلك سوى موهبة فريدة واستثنائية في ابتكار تركيبات وعطور مميزة دفعت خطواته نحو منطقة الحسين التاريخية ليفتتح هناك متجر متواضع يبيع من خلاله منتجاته المصنوعة يدويا بكل إتقان، ونجح بسرعة لافتة في توسيع تجارته ليفتتح فروع جديدة في الموسكي ومنطقة وسط البلد، قبل أن يتحول معمله البسيط إلى صرح صناعي ضخم بعد شرائه قطعة أرض صغيرة في ضاحية دار السلام ليزيد مساحتها بمرور الوقت عبر الأرباح المتلاحقة.

ازدهار الصناعة الوطنية وتفاصيل العلاقة الخاصة بالقيادة

تطورت أعمال الصانع العصامي لتشمل زراعة أشجار الليمون بنفسه لتغذية المصنع بمكونات أساسية، وحصل منزله الواقع في المعادي على جائزة الملك فاروق المخصصة لأفضل حديقة منزلية بمساحة تقدر بنحو فدان كامل، بينما واصل الابتكار عبر إقامة نافورة ضخمة في أرض المعارض بالجزيرة خلال احتفالات عيد الأم لضخ الكولونيا طوال اليوم، لتصبح منتجات الكولونيا وبودرة التلك ومستحضرات التجميل ركن أساسي في حياة الناس، وتحقق انتشار واسع داخل الأسواق الخارجية تحت أسماء مختلفة مثل منتج سعود في المملكة العربية السعودية.

كواليس قرارات التأميم وأسرار الوعكة الصحية والرحيل المفاجئ

حرص الرئيس جمال عبد الناصر على استبعاد اسم الشبراويشي في مرات عديدة من قوائم التأميم المتلاحقة إيمانا منه بأنه نموذج عصامي مشرف يمثل صناعة وطنية حقيقية، حيث تبرز تفاصيل قصة صانع كولونيا 555 التاريخية كيف كان الزعيم يحرص على اقتناء منتجاته بنفسه، لكن الرياح تغيرت مع نهاية عام 1965 حين تعرض لأزمة صحية تمثلت في الإصابة بجلطة استدعت سفره السريع إلى سويسرا لتلقي العلاج والاستشفاء.

قرر المستثمر الراحل الانتقال نحو بيروت بعد تعافيه لافتتاح مصنع صغير بعيد عن الأجواء المشحونة، وهنا استغل البعض الموقف لنشر وشايات كاذبة تفيد بهربه وتصفية أمواله، لتصدر القرارات الفورية بفرض الحراسة على ممتلكاته وعرضها للبيع بثمن زهيد لم يتجاوز 165 ألف جنيه لصالح شركة السكر، وهو ما وثقته قصة صانع كولونيا 555 التاريخية التي تنقل تفاصيل الأيام الأخيرة للرجل الذي واصل الإنتاج في الخارج حتى وفاته بنهاية الستينيات وعودته جثمان للدفن حسب وصيته وسط تشييع مهيب.

حافظ العمال الأمناء على العهد وأداروا التجربة بكل أمانة بعد رحيل مؤسسها، لتستمر المنتجات في تحقيق النجاح المتواصل رغم تحولات الزمن القاسية، وتشهد استراحة المعادي تحول جذري لتصبح مقر سفير إسرائيل منذ عام 1980 بينما تحول مصنع دار السلام إلى موقع مهجور ومغلق منذ أكثر من 15 عاما ومقلب للقمامة، وهو ما تؤكده دوما قصة صانع كولونيا 555 التاريخية التي تبقى شاهدة على صراع المجد والوجدان والسياسة في مسار الاقتصاد.

تنوعت استخدامات زجاجة العطر الشهيرة بين الأغراض العلاجية والمنزلية لتهدئة الجروح وتخفيف درجات الحرارة المرتفعة وإسعاف الحالات الطارئة وفقدان الوعي، مما جعلها تحتل مكانة راسخة لا تنمحى من ذاكرة ووجدان الأجيال المتعاقبة، ورغم أن البعض بات يراها مادة للسخرية أو المعايرة في العصر الحديث، إلا أن قيمتها التاريخية تظل حية وبارزة في وجدان كل من عاصر ألق الزمن الجميل، وفقا لما تكشفه تفاصيل قصة صانع كولونيا 555 التاريخية التي تسلط الضوء على تفاصيل تفوق العقل العصامي على الصعاب.

رفض رجل الأعمال الراحل قطعا كافة الإغراءات الضخمة والعروض المالية المغرية التي قدمها كبار رجال المال مثل عبود باشا لشراء المصنع وتنازلاته، متمسكا باستقلالية مشروعه وصناعته الوطنية التي نبتت من رحم المعاناة والاجتهاد الشخصي، وهو ما يعكس صلابة الشخصية العصامية في مواجهة الضغوط الرأسمالية والسياسية الكبرى التي كانت تعصف بالأسواق في تلك الحقبة الزمنية الحرجة المليئة بالتطورات والمتغيرات الجذرية المتسارعة.

تجلت القيمة الاقتصادية والاجتماعية لتلك الصناعة العريقة في كونها شكلت معلم بارز من معالم الإنتاج المحلي المستقل الذي استطاع غزو الأسواق العربية والإقليمية بجدارة فائقة وثبات استثنائي، قبل أن تتدخل الأقدار وتتضافر الوشايات المغرضة لإنهاء هذه الإمبراطورية العطرية الفريدة عبر قرارات حاسمة فرضت الحراسة القضائية وأنهت حقبة مضيئة من تاريخ الصانع العصامي الذي ترك خلفه إرث شعبي يرويه الكبار للصغار باعتزاز بالغ وتقدير متجدد.

تبقى سيرة هذا الصانع الملهم عنوان بارز وثابت لكفاح الإنسان الحقيقي في وجه المحن والصعاب، حيث تتناقل الأجيال المتعاقبة حكايات العطر الأصيل الذي لامس جروحهم وشاركهم أفراحهم وأتراحهم في كل المنازل والأزقة، مؤكدة أن الأرواح العظيمة تظل خالدة في ذاكرة الأوطان بغض النظر عن مآلات الأمور والتقلبات السياسية العنيفة التي غيرت معالم المكان وتركت أثر عميق في وجدان التاريخ الصناعي المحلي للأبد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى