شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وزراء وسجناء وظرفاء. صفحة في حياتي (1)


خلف كل جدارٍ صامتٍ في السجن، هناك حكايةٌ كانت، وربما ما زالت، تتنفس في ذاكرتي. كنت أظنّ أن الجدران تُغلق على الجسد، لكني اكتشفت أنها تفتح أبوابًا كثيرة على النفس، وعلى الذاكرة، وعلى ما نظنّ أننا نسيناه. في الزنزانة، لا أحد يعيش في الخارج؛ الجميع يعيش في داخله، في أفكاره التي تصير وطنًا حين يُصادَر الوطن.

ليس صحيحًا أن ما وراء الجدران كان فراغًا رماديًا، بل كان عالمًا من الملامح المتناقضة، لوحة سريالية تجمع بين وزراء وسجناء، وبين من حملوا نياشين الدولة ومن حملوا جراحها. هناك تذوب الرتب وتتكشف الطبائع؛ فالحديد لا يعرف الألقاب، والجدران لا تسأل عن الانتماء، بل عن الصبر.

رأيت في تلك الزنازين وجوهًا لن أنساها أبدًا. كان بيننا الوزير توفيق عبده إسماعيل، وزير السياحة وشؤون البرلمان، وأحد الضباط الأحرار، وصديق والدي، وهو من ميت فارس بمحافظة الدقهلية، بلديات صديقي وزميلي أيام الجامعة طارق عبد العزيز المحامي، وهو حاليًا رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بالشيوخ.

توفيق بك، أيضًا، كان زميلي في البرلمان ورئيس لجنة الخطة والموازنة. وكان رجلًا كبير القيمة والخبرة والوطنية، ظلموه في نهاية حياته في قضية نواب القروض.

وكان معي أيضًا النائب خالد حامد محمود، نائب البحيرة ووزير الحكم المحلي السابق، رجلٌ صلب الشكيمة إلى حدٍّ كان يُوجع نفسه به. لسنواتٍ رفض الزيارة من أسرته كي لا ترى زوجته وبناته جدران السجن. كنت أشفق عليه من ذلك الكبرياء القاسي، وأحترمه أكثر لأنه ظلّ واقفًا في وجه الانكسار.

ومرّ عليّ كذلك ماهر الجندي، النائب العام السابق ومحافظ الجيزة والغربية، الذي جمع بين الضعف وإثارة الجدل. فكان على النقيض من كل هؤلاء في كل شيء، لكنه ظلّ إنسانًا منكسر الطموح، ولكنه شديد الرغبة في الحفاظ على صورته المتصدعة. رحم الله روحه.

في فترةٍ أخرى، شاركني السجن محمد الوكيل، رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري، وكذلك وزير المالية الأسبق محيي الدين الغريب، وهو رجلٌ دمث الخلق، هادئ الصوت، نقيّ السريرة. أُقحم اسمه في قضية الأسواق الحرة بسبب خلافه مع مجموعة الدكتور عاطف عبيد، فدفع ثمنًا في زمنٍ لا يحتمل الصادقين.

مرّ عليّ في السجون أيضًا معتقلون سياسيون من كل الاتجاهات. كان أبرزهم معتقلو جماعة الإخوان. قبل دخولي البرلمان وبعده، زاملتُ في السجن الدكتور محمد مرسي، ثم المهندس خيرت الشاطر، وزوج ابنته الراحل المهندس أيمن عبد الغني، والنائب محمد عماد صابر، والدكتور عصام العريان رحمه الله، والمهندس علي عبد الفتاح، والمهندس مدحت الحداد، وغيرهم كثير ممن صاروا اليوم بين القضبان أو في القبور أو المنافي.

ومن الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد مرّ عليّ عشرات المعتقلين، أذكر منهم الدكتور عمرو عبد المنعم، الكاتب والباحث حاليًا، والذي كان يعمل معي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي صحفيًا في مكتب جريدة المدينة. وكنت قد أرسلته يومًا لمتابعة أخبار وزارة التموين، ولم يعد. ثم التقينا بعد خمسة عشر عامًا في سجن مزرعة طرة، في أول يومٍ لي هناك، وكأن الزمن أراد أن يعتذر عن غيابه الطويل.

ورغم كل تلك الوجوه المحفورة في ذاكرتي وقلبي، فإن بعض الأسماء الصغيرة المجهولة كانت أعمق أثرًا من الكبار. فحين صدر لي حكمٌ قضائيّ بألا أُحبس انفراديًا، نقلتني السلطات، تنفيذًا له، إلى ما يُسمّى «مستشفى السجن»، وهي زنزانة واسعة لا تحمل من اسمها إلا الاسم، وهي ذات المكان الذي نُقل إليه الرئيس السابق محمد حسني مبارك، قبل نقله إلى مستشفى المعادي العسكري.

المهم هنا أنه، تنفيذًا للحكم الصادر لصالحي بعدم جواز حبسي انفراديًا، كانت السلطات تُرسل إليّ شركاء زنزانةٍ بعنايةٍ غريبة. حتى بدا لي وقتها أن الهدف ليس تطبيق الحكم، بل معاقبتي به، لعلّي أندم على طلبي. لكن الله كان معي، يُرسل لي في كل اختبارٍ درسًا أتعلم منه.

أرسلوا لي ذات يوم شابين منقولين من سجن بورسعيد، وبعد أيامٍ اكتشفت أنهما مصابان بمرض الإيدز. أبلغت النيابة فورًا، فتم نقلهما خلال ساعة. ثم أرسلوا إليّ رجلًا تجاوز التسعين من عمره، لا يتجاوز وزنه الأربعين كيلوجرامًا، اسمه المتداول «عم زيزو»، وكان محكومًا عليه ظلمًا في قضية بشير المحجوب، شقيق الدكتور رفعت المحجوب.

كان «العم زيزو» ترزيًا بسيطًا، اختبأ عنده المحجوب للحظات في محله القديم بوسط البلد وقت القبض عليه، فقبضوا على زيزو ظنًّا أنه شريكه. وهو من لا يعرف شيئًا عن الدنيا إلا الإبرة والخيط!

في إحدى الليالي سألني: «صحيح يا دكتور، أنت اللي دخلت الانتخابات ضد عبد الناصر؟». قلت له مبتسمًا: «عبد الناصر مات يا عم زيزو». فبكى وقال بعنادٍ طفوليٍّ: «عبد الناصر ما ماتش».

كان يطلب مني كل يوم شيئًا واحدًا من الكانتين: كيس شيبسي. كنت أضحك، وأطلب من العسكري جمعة أن يأتي له بكيسٍ على نفقتي كل صباح. ويوم وفاته، ناداني وقال بصوتٍ خافت: «لك في ذمتي ٢٢ جنيهًا». ثم أخرج من كيس المخدة أرباع جنيهاتٍ فضية كان يجمعها من أكياس الشيبسي التي كانت تضعها وقتها كجوائز.

وقال: «كنت بجمع ثمن التاكسي اللي هرجع بيه البيت، بس دلوقتي هرجع على نفقة السجن، لأني هموت النهاردة».

ومات بين يديّ العم زيزو، كما يموت طفلٌ نام على حضن الأمان الأخير. ظللت أقرأ عليه سورة يس عشر ساعات، حتى جاؤوا في الصباح لنقله. لم أودّع أحدًا كما ودّعت عم زيزو، لأنه علّمني أن البساطة هي نوعٌ من البطولة قد لا تطلبه، لكنك تكتشفه حين تجده.

وفي خضم هذه التناقضات، لم تخلُ الأيام من ضوءٍ إنسانيٍّ طريف. كان بين من التقيت بهم في السجون الطيّار الكفيف صلاح جمعة، أحد أكثر من قابلت ظرفًا وذكاءً، قبل أن ألتقي في المنفى بصلاح آخر، هو الشاعر الدكتور صلاح عبد الله. كلاهما كان كفيفًا، لكنه مبدع في أن يحوّل المأساة إلى طرفة ببراعةٍ نادرة، وكنت أقول دائمًا: «لو كانت الحريّة تُقاس بخفّة الظل، لكان الطيار صلاح جمعة أول من يُفرج عنه».

تلك الأسماء، رغم تباينها، كانت كألوان الطيف الإنسانيّ: من الوزير إلى المراهق، ومن القاضي إلى السارق، ومن المؤمن إلى الحائر. جمعتنا جدرانٌ واحدة، وأحلامٌ متباينة، وذاكرةٌ واحدة من الصبر.

هناك، ما وراء الجدران، أدركت أن السجن لا يُفرّق بين من جاء بملفّ سياسيٍّ أو جنائيّ أو قَدَريّ. الكلّ يجلس في صفٍّ واحد أمام امتحانٍ واحد اسمه «صبر الإنسان».

ومع مرور الوقت، لم تعد الجدران عدوًا، بل مرايا. رأيت فيها نفسي، ووطني، وأحلامي، وضعفي، وقلة حيلتي، وقوتي التي كتبت بها على حوائطها الصغيرة أسماء من مرّوا، لأقول لنفسي: هؤلاء هم الوجوه الحقيقية لمصر التي لا تموت.

فما

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى