مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: السعودية… ما لها وما عليها في لبنان


منذ أن كرس اتفاق الطائف موقعه في مقدمة الدستور اللبناني، تحولت المملكة العربية السعودية إلى أحد أبرز اللاعبين في الحياة السياسية اللبنانية، ليس فقط لأنها رعت الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية، بل لأنها أصبحت المرجعية العربية الأساسية للبيئة السنية، في مقابل تنامي نفوذ حزب الله الذي انتقل تدريجيًا من إطار المقاومة إلى لاعب داخلي وإقليمي يمتلك تأثيرًا حاسمًا في القرار اللبناني بعد تحرير الجنوب عام 2000، ثم بعد حرب تموز 2006.

وعلى مدى ثلاثة عقود، لم يكن الحضور السعودي مجرد دعم اقتصادي أو سياسي، بل شكّل ركيزة أساسية في إعادة إعمار لبنان، ومظلة عربية لحماية التوازنات التي أرساها اتفاق الطائف. إلا أن هذا الدور تعرض لتحديات كبيرة بفعل تبدل الأولويات الإقليمية، وتصاعد النفوذ الإيراني، وتراجع قدرة القوى اللبنانية الحليفة للرياض على المحافظة على موقعها السابق.

يبقى السؤال الأكثر إثارة للنقاش: لماذا لا تزال المملكة تتحفظ على عودة الرئيس سعد الحريري إلى المشهد السياسي، وهو الذي لا يزال، وفق الوقائع الشعبية والانتخابية، الزعيم السني الأكثر تمثيلًا؟ فالفراغ الذي خلفه غيابه لم يملأه أحد، بل أدى إلى تشظي الساحة السنية وتراجع قدرتها على التأثير في المعادلة الوطنية.

وفي المقابل، يبدو الرهان على شخصيات أو قوى أخرى لقيادة الشارع السني محدود الجدوى. ومن الخطأ السياسي الاعتقاد بأن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع قادر على استيعاب جمهور تيار المستقبل أو التحول إلى مرجعية سياسية للسنة في لبنان، حتى وإن حظي بعلاقات جيدة مع المملكة. فالزعامات في لبنان تنشأ من بيئاتها الاجتماعية والسياسية، ولا تُمنح بقرار خارجي أو بدعم إقليمي.

في هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت أهمية خاصة، إذ تشير المعطيات إلى أن المملكة تعيد ترتيب مقاربتها للملف اللبناني. فالاهتمام السعودي يبدو متجهًا نحو تثبيت الاستقرار الداخلي أكثر من الانخراط في مواجهة سياسية مباشرة مع حزب الله.

وتتوقع الأوساط السياسية أن تحمل الزيارة ثلاثة أهداف رئيسية: أولها منع أي فتنة سنية–شيعية، إدراكًا لما قد يترتب على أي صدام مذهبي من تداعيات خطيرة على لبنان والمنطقة. وثانيها تعزيز قنوات التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره أحد أبرز مفاتيح التوازن داخل البيئة الشيعية، بما يساهم في احتواء التوترات السياسية. أما الهدف الثالث، فيتمثل في دعم حكومة نواف سلام وتوفير الغطاء السياسي اللازم لاستمرارها في تنفيذ الاستحقاقات الداخلية والإصلاحات المطلوبة.

في المقابل، لا يمكن إغفال المؤشرات التي توحي بأن النفوذ السعودي لم يعد يحتكر التأثير في لبنان كما كان في العقود السابقة، مع دخول قوى إقليمية ودولية أخرى إلى ساحة التأثير. كما أن الخلافات المتصاعدة بين سمير جعجع وعدد من النواب السنة تكشف حدود الرهان على إعادة تشكيل المرجعية السياسية للسنة من خارج بيئتهم التقليدية.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز رئيس مجلس النواب نبيه بري باعتباره أحد أهم ركائز التوازن الداخلي، نظرًا إلى موقعه وقدرته على إدارة التقاطعات الإقليمية. فدوره، وفق القراءة السياسية، يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: عدم التشويش على أي تفاهمات إقليمية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انزلاق البلاد إلى فتنة سنية–شيعية، والحفاظ على تماسك الثنائية الشيعية باعتبارها ركنًا أساسيًا في استقرار البيئة الشيعية.

لكن التحدي الأكبر أمام المملكة لا يرتبط فقط بإدارة المرحلة الراهنة، بل بموقعها في لبنان بعد اكتمال صورة التسويات الإقليمية. فإذا اتجهت المنطقة نحو تفاهمات أميركية–إيرانية أوسع، فإن النفوذ في لبنان لن يُقاس بحجم الخطاب السياسي، بل بالقدرة على الاستثمار في الدولة ومؤسساتها وإعادة بناء الشراكات الوطنية. أما إذا تعثرت تلك التفاهمات، فسيبقى لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح والنفوذ، وستكون الرياض أمام خيار إعادة الانخراط السياسي بصورة أكثر فاعلية، أو الاكتفاء بلعب دور الضامن للاستقرار من دون السعي إلى الإمساك بتفاصيل المشهد الداخلي.

في المحصلة، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم أكثر واقعية وبراغماتية في مقاربتها للبنان، لكنها في المقابل تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في كيفية استعادة تأثيرها داخل الساحة السنية من دون الشخصية التي لا تزال، حتى الآن، تمثل الثقل الشعبي الأكبر فيها. فاستقرار لبنان لا يصنعه الدعم الخارجي وحده، بل يحتاج أيضًا إلى شريك لبناني يمتلك شرعية التمثيل وقادر على ترجمة أي دعم عربي إلى مشروع وطني جامع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى