
منذ زمن بعيد يُعرف عن مصر أن بها فجوة كبيرة بين الناس. كثيرا من النظم الحاكمة سعت إلى الحد من تلك الفجوات، على الأقل من خلال تقرير بعض الأمور أتت بها الدساتير المختلفة، لكن ما لبثت أن توحلت الأقدام وانغرست بشكل أكبر من قبل في فجوة أكبر مما سبقتها. سياسات السلطة وافعالها أفضت في الكثير من الأحيان إلى عديد من أشكال الظلم الاجتماعي، والإيغال بشكل أكبر في الأحقاد الاجتماعية والغِلْ الطبقي، حتى أن العدالة الاجتماعية باتت اليوم أثرا من بعد عين، بعد أن مرد الناس ومردت السلطات الحاكمة في اتخاذ سياسات من شأنها التفرقة بين المصريين، وقهر الطبقتين المتوسطة والدنيا لصالح الطبقة العليا، إلى الحد الذي بات فيه خط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة بدولارين يوميا للفرد يتسع يوما بعد يوم، حتى أن بعض الشواهد تتحدث عن وجود 37% من المواطنين تحت خط الفقر، بينما ينتظر فوق الحد الفاصل بين يسار ويمين هذا الخط نسبة كبيرة أخرى، ما يجعل أصحاب الدخول المرتفعة في هامش ضيق، ويجعل عشرات الملايين من المصريين يتضورون جوعا وربما عطشا، وانخفاضا في مستويات الصحة، وانحسارا في مستويات التعليم، واكتواء بنار أسعار السلع والخدمات، ورِثّة في أماكن السكن والمبيت.
حال الناس في ظل غياب العدالة
لكن ربما كل ما سبق على شدته وقسوته يهون، مقابل رؤية المغبون والمظلوم في حقه، من هم يتسيدون عليه، لمجرد تميزهم المادي. الحقيقة أنه لا فارق بين هؤلاء لا في النوع ولا في الدين ولا في السن، كل ما اقترفه هؤلاء المغبونون هو وضعهم الطبقي الذي غالبا لا يكون لهم شأن فيه.
معلوم أن المولى عز وجل خلق الناس شعوبا وقبائل، وغير متساويين في الأرزاق، لكن لا شك أيضا أنه من زاوية العدل الاجتماعي الذي حث الخالق عليه، سيُحاسب الجميع حكاما ومحكومين على الظلم الواقع بين الناس بسبب شراهة فجوة المال، وعدم المساواة بينهم في الدخول والخدمات. يا ترى ماذا يمكن أن يحدث لإنسان يرى غيره في رغد العيش وهو لا يستطيع أن يوفر لبيته ولأبناؤه قوت يومه؟ وماذا عليه لو دخل مستشفى وعومل بشكل مهين أو رفض القائمين عليها منحه حقه الذي كفله له الدستور بدعوى عدم توافر.
الامكانات؟ وماذا عليه وهو يرى نفسه قد تدنت وكُسرت وهو يبحث عن كسرة خبز في صندوق قمامة أو عند محلات الخضروات والفاكهة التي تبيع الرث في جانب والسمين في جانب آخر، وأولاده يشاهدونه وهو يقف هنا وليس هناك؟ يا ترى ماذا عليه أن يفعل وصغاره يرون إعلانات التليفزيون الاستهلاكية بشكل مستفز؟ وماذا عليه أن ترى زوجته برامج إعداد الطعام بالتليفزيون وعليها أشهى وأثمن الأطعمة المُعدة وهى لا تقدر بمصروف المنزل الشهري أن تشترى سوى بضعة لقيمات تتخطفهم من عروض بعض المحلات من هنا وهناك؟.
سياسات السلطة تدعم عدم المساواة
والناظر لسياسات السلطة في مصر سيجد الكثير مما يدعم عدم المساواة، صحيح أن هناك بعض الأمور التي سبق وأن جرت عقب سياسة الانفتاح الاقتصادي، إبان عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، والذي بدأت معه الإطاحة بالعدالة الاجتماعية بالتدريج، تلاها الإطاحة بمؤسسات القطاع العام الخاسرة والرابحة في آن إبان عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن السلطة في ذلك الوقت أبقت على الدعم السلعي، وحافظت على أسعار المحروقات وموارد الطاقة، ما شكل حدا أدنى للحفاظ على الاستقرار الإجتماعي. لكن بعد 25 يناير 2011 و30 يونيو2013 ورغم بعض سياسات التمكين الاجتماعي ممثلة تحديدا في “حياة كريمة” و “تكافل وكرامة”، إلا أن السلطة رفعت أسعار المحروقات والطاقة أكثر من مرة، وبدأت في رفع الدعم بشكل تدريجي، بداية من رفع أسعار رغيف الخبز، وخضعت السلطة منذ العام 2016 لسياسات صندوق النقد الدولي طمعا في القروض التي أفضت عمليا إلى إغراق البلاد في ديون تجاوزت الـ160 مليار دولار بعد أن كانت عشية 2013 مجرد 74 مليار دولار فقط، ما ساهم في ارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، وإفراغ كل سياسات التمكين الاقتصادي من مضمونها، بسبب الخفض المتسارع لقيمة العملة الوطنية. كل ما سبق من سياسات أفضى إلى ارتفاع غير مسبوق لمعدلات الفقر والفقر المدقع، وساهم في تعاظم سياسة عدم المساواة.
سياسات ممنهجة لتقرير الفجوة بين الناس
واحد من أبرز الأمور التي لجأت لها الحكومة المصرية بعد أن وقعت البلاد في شرنقة الديون، هي بيع أصول مصرية لمستثمرين عرب، أملا في اللحاق بموعد سداد خدمة الدين. بيع رأس الحكمة وغيرها من الشواطئ، كان هو الأمر الأكثر حساسية بعد تسليم إدارة عديد الموانئ للإمارات العربية المتحدة، وبيع عديد شركات التصنيع لذات البلد وبعض بلدان الخليج.
ما تشهده مصر اليوم من صراع حتى بين المستثمرين في منطقة الساحل الشمالي وبين مشترين من الطبقة العليا في البلاد لم يكن سوى مظهر واحد من مئات المظاهر التي أظهرت عدم المساواة بين الناس. إذ تبين من عقود بيع تلك الوحدات من قبل المستثمر الأجنبي حرمان المصريين من استغلال شواطئ بلادهم بحرية، وسط صمت مطبق من قبل السلطة، وعدم اتخاذ أي إجراء قِبَل هؤلاء الذين حرموا المصريين المقتدرين من استغلال شواطئ بلادهم، فما بالنا بغير المقتدرين الذين لا يطمع بعضهم سوى رؤية تلك الشواطئ وليس الاستفادة منها.
في مناطق أخرى أفلحت الحكومة في تقرير المساواة نسبيا. خذ مثلا أحد أهم شواطئ شرم الشيخ، حيث يوجد شاطئ عام وسط شواطئ القرى السياحية في واحدة من أهم شواطئ البلدة السياحية، وهي خليج نعمة. بعبارة أخرى، ألم يكن على الحكومة والمحافظات الساحلية ألا تقرر مسافة بضعة أمتار بين كل قرية وأخرى في الساحل الشمالي كي تُستغل كمصيف من قبل الناس العاديين من مختلف طبقات الشعب؟ أليس في هذا الإجراء البسيط ما يدعم المساواة بين الناس في الاستمتاع المتكافئ بشواطئ وبحار بلادهم؟ لماذا تترك الحكومة الناس نهشا للمطورين العقاريين المصريين والأجانب وتبيع خيرات البلاد للطبقة العليا من المطورين أو المشترين المقدرين؟ ألا تخلق كل هذه الأعمال عدم انتماء الناس لبلادها؟
خرافة حدي الأجور
مما لا شك فيه أن مثال الساحل الشمالي هو مثال واحد وسط عشرات الأمثلة التي تجعل الأحقاد بين الناس تتزايد بسبب الفوارق الفجة بين الناس، والتي ضخمها المصريين بشكل مستفز ومُستهجن.
واحد من أكثر الأمثلة فجاجة على الفوارق الطبقية المُقررة من قبل السلطة، رغم تقنين عكسها تماما، هي حدا الأجور الأدنى والأعلى، والتي تجعل هناك من يحصل على راتب لا يتجاوز ال4000جنيه شهريا، وشخص أخر يحصل على 300 ألف جنيه، ولربما يكون من يحصل على الأخير أقل علما أو ذكاءا أو خبرة. الكثيرون في مصر يرون الملايين من الناس يعولون وهم في حالة عوز رهيب غذاءا وسكنا وعلاجا وصحة، في حين أن قلة في حالة رغد وبزخ ورغد عيش غير طبيعي. والغريب أن هناك حجج كثيرة تبرر فجوة الدخول، كوجود كادر خاص أو وجود قطاع خاص أو وجود بدلات مقررة أو أن الموازنة العامة لا تتحمل تلك الفوارق…إلخ. المهم أن كل تلك الحجج أفضت إلى أن القاعدة هي فجوة الدخول والاستثناء هو الحدان الأدنى والأقصى للأجور.
بطاقات الدعم وكارتات الطرق وبدل العدوى
إجراء آخر اتخذته الحكومة، فبعد أن أعياها دعم الطبقتين المتوسطة والفقيرة عبر بطاقات التموين، وبعد أن تسببت سياساتها في عجز الموازنة بسبب المديونية الخارجية المستفحلة للإنفاق على بعض ما هو من غير الأولويات، قامت وزارة التموين والتجارة الخارجية خلال يونيو الماضي بإلغاء مئات الآلاف من بطاقات التموين بحجة الإنفاق على من لا يستحق. الحجة تبدو وجيهة وتبيع إعلاميا وشعبيا، لكن ما لا يبدو وجيها هو أن الكثير من معايير الإلغاء اكتشف أنها لا تنطبق على أصحاب البطاقات الملغاة.
كارتات الطرق هي الأخرى واحد من معايير عدم المساواة، فتلك الكارتات تُدفع نظير المرور في الطرق، وبها يمُر البعض لمجرد إبراز ما يثبت أنه من العاملين السابقين بالقوات المسلحة أو الشرطة، وهو سند لا يبرر التمايز بين الناس، خاصة أن المار بالمجان لا يذهب لعمله، كما أن عمله -لو كان لا يزال في الخدمة- لا علاقة له بأي مهام عسكرية تخوضها البلاد، وانتهت منذ العام 1973.
بدل العدوى الممنوح لبعض العاملين في سلك القضاء والبنوك، يبلغ مئات الجنيهات، بينما العاملين في مجال الطب الأكثر تعرضا بعشرات المرات للعدوى لا يتقاضون ما لا يزيد عن 25 جنيها شهريا!!!ّ
ما العمل
هكذا نُصبح أمام حالات عديدة من مظاهر عدم المساواة، وهي على أي حال أمور ليس من الصعب علاجها، فالنظر إلى تجارب الأخرين ممن هم قريبين من وضعنا كمنتمين للعالم الثالث، كتركيا مثلا، يتبين أن الأمور الخاصة بالعدل الاجتماعي يمكن تحقيقها بأقل الإجراءات. كافة الأمور المقررة للعدل ومنع الظلم مهمة من زاوية تقليل الفجوة بين الطبقات، ودعم السلم الاجتماعي، ودعم الانتماء بين الناس، وتقرير المودة والتراحم بينهم.







