
في عام ١٩٦٢ ، كان طن حديد التسليح في مصر يباع بنحو ٤٠ جنيهاً، وكان طن الأسمنت البورتلاندي بنحو ٧ جنيهات. وبعد أربعة وستين عاماً، و اليوم وفي ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ ، يدور سعر طن الحديد بين نحو ٣٨،٦٠٠ و٣٨،٨٤٧ ألف جنيهاً، بينما يبلغ متوسط سعر طن الأسمنت نحو ٤،١٢٦ الاف جنيهاً عند المصنع، ويصل إلى نحو ٤،٢٠٠ جنيه في مواقع البناء وفق الشركة والمنطقة وظروف التوزيع.
الأرقام وحدها تستفز السؤال: ماذا حدث؟ فهل المشكلة في مواد البناء أم في قيمة النقود؟
كيف انتقل طن الحديد من ٤٠ جنيهاً إلى قرابة ٣٩ ألفاً، وطن الأسمنت من ٧ جنيهات إلى أكثر من أربعة آلاف؟ وكيف حدث ذلك بينما أصبحت مصر تمتلك صناعة حديد وأسمنت أكبر بعشرات المرات مما كانت تمتلكه في الستينيات؟
والأهم: لماذا أصبح بناء المسكن وامتلاكه أكثر كلفة رغم هذا التوسع الصناعي الهائل؟
١٩٦٢…حين كان الجنيه يشتري أكثركانت مصر تؤسس صناعاتها الثقيلة، وكان مجمع الحديد والصلب في حلوان أحد أبرز رموز تلك المرحلة، بينما بلغ إنتاج الأسمنت في ١٩٦٢/ ١٩٦٣ نحو ٢،٣٨ مليون طن سنوياً.
كانت المصانع أقل، والمدن أصغر، وعدد السكان أقل، وحجم الإنشاءات محدوداً مقارنة بما نراه اليوم.
وكان طن الحديد بنحو ٤٠ جنيهاً، والأسمنت البورتلاندي بنحو ٧ جنيهات للطن.
لكن المقارنة بين جنيه ١٩٦٢ وجنيه ٢٠٢٦ لا يمكن أن تكون حسابية فقط. فالجنيه بقي يحمل الاسم نفسه، لكن قوته الشرائية تغيرت جذرياً.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية لتضخم تكلفة البناء عندما اختلف السعر الرسمي عن سعر السوق بعد حرب ١٩٦٧ وسنوات الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر ١٩٧٣ ، كان الاقتصاد المصري يواجه ضغوطاً استثنائية.
وصل السعر الرسمي لطن حديد التسليح إلى نحو ١٠٠ جنيه مقابل ٤٠ جنيهاً عام ١٩٦٢ ، لكن سعره الفعلي في السوق تراوح بين ١٧٠ و ٢٠٠ جنيه للطن.
والأسمنت الذي كان بنحو ٧ جنيهات للطن عام ١٩٦٢ أصبح سعره الرسمي في ١٩٧٣ نحو ١١ جنيهاً، بينما وصل في السوق إلى ١٨-٢٥ جنيهاً للطن.
إنها صورة مبكرة لظاهرة اقتصادية نعرفها جيداً: السعر الرسمي لا يلغي السعر الذي تفرضه تكلفة الإنتاج والعرض والطلب.
وكانت صناعة الأسمنت آنذاك تضم أربع شركات رئيسية بطاقة تقارب ٣،٨٥ مليون طن سنوياً وإنتاج فعلي يقارب ٣،٦٢مليون طن.
يوليو ٢٠٢٦ … الحديد يقترب من ٣٩ ألفاً والأسمنت يتجاوز أربعة آلاف ونرى اليوم تغير حجم الصناعة، لكن الأسعار تغيرت بصورة أكبر.
ففي ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ يتراوح سعر طن حديد التسليح حول ٣٨،٦٠٠ إلى ٣٨،٨٤٧ جنيهاً. والحديد ليس بنداً هامشياً؛ ففي الأبراج والمصانع والمباني التجارية قد يمثل نحو ١٥٪ إلى ٢٠٪ من إجمالي تكلفة الإنشاء، بحسب النظام الإنشائي وطبيعة المشروع وكثافة التسليح.
أما الأسمنت، فقد انتقل من ٧ جنيهات للطن عام ١٩٦٢ إلى متوسط يقارب ٤،١٢٦ جنيهاً للطن عند المصنع في ٢٠٢٦ ، وقد يصل إلى نحو ٤،٢٠٠ جنيه عند موقع البناء. وتختلف الأسعار بالطبع حسب المنتج؛ فهناك مستويات تقارب٣،٦٥٠ جنيهاً لطن أسمنت السويدي، ونحو ٣،٤٦٠ جنيهاً لأسمنت السويس وحلوان، بينما تبدأ بعض الأنواع الاقتصادية، مثل الفهد والمعلم، من نحو ٣،٣٤٠ جنيهاً للطن. وعند الشراء من تجار التجزئة، قد تضيف تكاليف النقل والتداول وهامش التاجر ما يتراوح إجمالاً بين ٥٠٠ الي ١٠٠٠ جنيه للطنوفق المنطقة والمسافة والكمية.
وهذا يذكرنا بحقيقة هندسية واقتصادية بسيطة: المبنى لا يُشيّد عند بوابة المصنع. فسعر المصنع شيء، وتكلفة وصول المادة إلى موقع العمل شيء آخر.
و لكن رغم المصانع زادت… فلماذا لم يصبح البناء أرخص؟ وهنا تكمن المفارقة.
صناعة الأسمنت في مصر أصبحت تضم نحو ١٩ منتجاً بطاقة مركبة تقترب من ٩١ مليون طن سنوياً، وبلغ الإنتاج الفعلي خلال ٢٠٢٥ نحو ٦٥ مليون طن. كما أصبحت الطاقة الإنتاجية لحديد التسليح في حدود ١٥ مليون طن سنوياً.
إذن، مصر اليوم أقوى صناعياً بعشرات المرات من مصر ١٩٦٢ .
لكن السؤال ليس فقط: كم تنتج جمهورية مصر العربية ؟ بل: بأي تكلفة تنتج، وبأي قيمة نقدية يتم الشراء للمواد الخام و الكهرباء ؟
فالحديد يحتاج إلى خامات وخردة أو بليت وطاقة وكهرباء و معدات ونقل وصيانة وتمويل. والأسمنت صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتتأثر تكلفة الطن بالوقود و الكهرباء والنقل والتشغيل والتمويل.
ثم يأتي التضخم عالميا وسعر الصرف ولذلك فإن ارتفاع الحديد من ٤٠ جنيهاً إلى قرابة ٣٩ ألفاً، والأسمنت من ٧ جنيهات إلى أكثر من أربعة آلاف، لا يعني أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للمواد تضاعفت بالنسبة نفسها. فالزيادة الاسمية تعكس أيضاً عقوداً من التضخم وتغير القوة الشرائية للعملة وتكاليف الإنتاج.
المواطن لا يشتري الحديد والأسمنت… بل يشتري المتر وهذا يعني في النهاية لا يشتري طن حديد أو طن أسمنت؛ هو يشتري متراً مربعاً من السكن ، وفي هذا المتر تتجمع أسعار الحديد والأسمنت والرمل والزلط والعمالة والمعدات والنقل والطاقة والمرافق والتراخيص والضرائب والتمويل والإدارة والأرض وهامش المخاطر وربح المطور.
لذلك لا يعني ارتفاع الحديد ٢٠٪ أن سعر الشقة يجب أن يرتفع ٢٠٪ ، لكنه يؤثر مباشرة في تكلفة الهيكل، خصوصاً عندما يمثل الحديد وحده نحو ١٥% إلى ٢٠% من تكلفة بعض المنشآت.
ثم تأتي الأرض والتمويل، وقد يصبح تأثيرهما في بعض المشروعات أكبر من تأثير مواد البناء ذاتها.
وهناك أيضاً بند غير مكتوب في جداول الكميات: عدم اليقين. فالمقاول الذي لا يعرف سعر المواد بعد ستة أشهر يضيف مخاطره إلى سعر اليوم، والمطور الذي يتوقع التضخم يعيد تسعير وحداته، والممول الذي يرى مخاطر أعلى يرفع تكلفة المال. وهكذا لا يدفع المواطن تكلفة البناء فقط، بل قد يدفع جزءاً من تكلفة الخوف من المستقبل.
عندما تتحول الشقة إلى مخزن للقيمة في أوقات التضخم، يتغير دور العقار.
فمن يخشى تراجع القوة الشرائية لمدخراته يبحث عن الذهب، أو العملات أو الأراضي أو العقارات. وهكذا تتحول الشقة من مجرد مسكن إلى وسيلة لحفظ القيمة.
وهنا يدخل الشاب الباحث عن بيت في منافسة مع المستثمر الباحث عن أصل يحمي أمواله من التضخم فتزداد الأسعار، ويزداد الاعتقاد بأنها سترتفع، فيزداد الطلب مرة أخرى.
ولذلك قد تبني مصر أكثر، وتنتج حديداً وأسمنتاً أكثر، بينما لا تتحسن القدرة على امتلاك المسكن بالسرعة نفسها.
انها ليست أزمة مصر وحدها وما حدث في مصر ليس استثناءً عربياً أوعالمياً.
فقطاع الإنشاءات في كثير من الدول العربية واجه خلال العقود الماضية ارتفاعات في أسعار الحديد والأسمنت والطاقة والنقل والعمالة والأراضي والتمويل، وإن اختلف حجم التأثير من دولة إلى أخرى.
وفي عدد من الاقتصادات العربية، أدى التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية أو ارتفاع تكلفة الواردات إلى زيادة تكلفة الإنشاء والسكن. أما الدول ذات العملات الأكثر استقراراً، فقد انتقلت إليها الضغوط عبر أسعار الطاقة والمواد المستوردة وسلاسل الإمداد والأجور والأراضي وأسعار الفائدة مرورا بالحرب الإيرانية الامريكية وارتفاع أسعار الغاز و النفط .
فالمشكلة ليست عربية فقط. العالم كله شهد خلال السنوات الأخيرة اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاعاً في الطاقة والفائدة وتكاليف الشحن والمواد الخام، وانعكس ذلك على صناعة البناء.
لكن القضية في منطقتنا أكثر حساسية، لأن السكن ليس سلعة عادية؛ إنه استقرار اجتماعي وأسري واقتصادي.
وهنا يجب أن تتجاوز السياسات العربية فكرة دعم مادة بعينها إلى معالجة تكلفة البناء كمنظومة: استقرار اقتصادي ونقدي، وتشجيع الإنتاج المحلي، وكفاءة الطاقة والنقل، وتطوير مواد وتقنيات البناء، وتوفير الأراضي المخدومة، وتمويل عقاري طويل الأجل يتناسب مع الدخول الحقيقية.
فالسؤال الحقيقي في مصر، كما في بقية العالم العربي، ليس كم أصبح سعر طن الحديد أو الأسمنت، وإنما : كم سنة من دخل المواطن أصبحت مطلوبة ليشتري بيتاً؟
لقد تغيرت أسعار المواد، وتغيرت العملات، وتغيرت المدن، وتضاعفت المصانع والإنتاج، لكن الحاجة الإنسانية لم تتغير: بيت يستطيع الإنسان أن يدفع ثمنه ويعيش فيه بأمان وكرامة. ومن هنا، فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا يقاس فقط بعدد المصانع وملايين أطنان الإنتاج، ولا نجاح التنمية العمرانية بعدد الأبراج والمدن الجديدة بل يقاس بالسؤال الأصعب: لمن نبني… ومن يستطيع أن يسكن؟
فإذا كانت مدننا العربية ترتفع إلى السماء بينما يبتعد المسكن عن قدرة أبنائها، فإن المشكلة لم تعد في الحديد والأسمنت وحدهما، بل في المعادلة الاقتصادية التي تربط الإنتاج والدخل والتضخم وقيمة العملة وسعر الأرض وتكلفة السكن.
وهذه هي المعادلة التي يجب إصلاحها؛ في مصر، وفي عالم عربي يريد لعمرانه أن يكون دليلاً على التنمية، لا شاهداً على اتساع المسافة بين المبنى ومن يستطيع امتلاكه؟







