بين ثغرات القانون والموروث الاجتماعي: أين تقف حماية المرأة في العراق؟

تواصل قضية أمان المرأة في بلاد الرافدين فرض نفسها على الساحة وسط صراع مستمر بين تصاعد الوعي الحقوقي واستمرار إشكاليات العنف الأسري والتحرش، بينما تتصاعد المطالبات الرسمية والشعبية بضرورة إقرار حماية قانونية ومجتمعية شاملة تكفل حقوق النساء وتضمن سلامتهن في مختلف الظروف والبيئات المعيشية خلال شهر ديسمبر.
تتجاوز معايير أمان المرأة في بلاد الرافدين حدود الاستقرار الأمني العام لتشمل مقومات حيوية أخرى، أبرزها حرية الحركة والقدرة على نيل العدالة الناجزة عند التعرض لأي أشكال من الإيذاء أو المضايقات اليومية. وتتضارب الرؤى بين مؤيد لوجود طفرة نوعية في حماية النساء خلال السنوات الأخيرة وبين محذر من وعورة الطريق، لتبرز الكلمة المفتاحية تقييم أمان المرأة في بلاد الرافدين كعنوان عريض يعكس تعقيدات الواقع الاجتماعي والقانوني الراهن.
تنامي الوعي القانوني وجرأة كسر الصمت
تؤكد الطبيبة إسراء الداوودي أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة ملحوظة في قدرة النساء على الدفاع عن أنفسهن والمطالبة بحقوقهن القانونية بالتوازي مع تحسن الأوضاع الأمنية وارتفاع الوعي العام. وتوضح أن النساء أصبحن أكثر شجاعة في الإبلاغ عن الانتهاكات وملاحقة المعتدين عبر قنوات قانونية راسخة وسرعة استجابة أمنية ملحوظة، مشيرة إلى دور منصات التواصل الافتراضي في كشف القضايا المستترة وتحويلها إلى قضايا رأي عام. وتشدد على أن تفعيل القانون يعزز الطمأنينة، داعية كافة المتضررات إلى عدم السكوت ضماناً لردع الجريمة وحماية النسيج المجتمعي بأكمله.
تستعرض الطبيبة غفران الداوودي جانباً آخر يعكس تباين الشعور بالطمأنينة وفقاً للبيئة الأسرية ومستوى الدعم الداخلي، مستذكرة مراحل سابقة اتسمت بالرعب والخوف والاضطرار لتغيير المظهر الخارجي تفادياً للمخاطر الجسيمة. وتكشف عن استقبال المؤسسات الصحية لضحايا عنف أسري وجسدي يتعرضن للإيذاء والضرب والإجهاض على يد الأزواج والأقارب دون القدرة على الشكوى لغياب المأوى الآمن والاستقلال المالي. وتؤكد أن التحرش ما زالت جذوره عميقة، مما يفرض ضرورة التمرد على الصمت واللجوء للعدالة كخطوة أولى وحاسمة للحد من تلك الممارسات المشينة.
إشكاليات التشريع وغياب بيئة الدعم المجتمعي
تلفت الدكتورة الجامعية لبنى ظاري إلى أن حماية النساء تتجاوز النصوص التشريعية المجردة لتتطلب منظومة اجتماعية حاضنة وثقافة تعترف بالحقوق الأساسية وتنبذ النظرة الدونية السائدة في بعض الأوساط العملية والمجتمعية. وتشير إلى وجود ثغرات تشريعية واضحة تستوجب المراجعة لتأمين مظلة حماية متكاملة، لافتة إلى تنوع أشكال التحرش بين اللفظي والنفسي والجسدي بمعزل عن العمر أو المظهر الخارجي. وتؤكد أن بطء إجراءات التقاضي وغياب الدعم الأسري يدفعان الكثيرات للتنازل عن حقوقهن، مما يكرس استمرار المعاناة وضياع العدالة المستحقة للضحايا.
تعبر الناشطة نسرين عن رفضها القاطع لوصف الأوضاع بالآمنة كلياً، مبينة أن الاستقرار الأمني الظاهري لا يعكس بالضرورة عدالة حقيقية في ظل تفاوت القيود المفروضة على الحريات بين مدينة وأخرى. وتنتقد المنظومة القانونية الحالية مقارنة بقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، معتبرة أن المدونة الجعفرية أثرت سلباً على الحقوق المالية والحضانة والنفقة، ومحذرة بشدة من مخاطر زواج القاصرات وغياب النضج الكافي للتعامل مع القرارات المصيرية. وتختتم التأكيدات بأن حماية النساء تظل مسؤولية تكاملية تبدأ من إصلاح القوانين ولا تنتهي بتوفير مراكز الإيواء والدعم النفسي الشامل.





