شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الدبلوماسية الشعبية.. الجناح الثاني للدولة. صر الممكنة 2030 (60) مصر ومحيطها الإقليمي… (5 من 10)

م

قبل أسابيع قليلة، وبينما كنت أشارك في عدد من اللقاءات السياسية والفكرية المرتبطة بمبادرة «المصير المشترك 2035» في باريس، استوقفتني ملاحظة سمعتها أكثر من مرة من شخصيات أوروبية مختلفة. لم يكن الحديث هذه المرة عن الحكومات أو الاتفاقيات أو الأزمات الإقليمية، بل عن دور الأشخاص والمؤسسات غير الرسمية في بناء الجسور بين الشعوب. أحد الحاضرين وصف الأمر بعبارة لافتة: «الدبلوماسية الرسمية تفتح الأبواب، لكن الدبلوماسية الشعبية تجعل الناس يعبرون من خلالها».

أعادتني هذه العبارة إلى سنوات طويلة مضت. إلى عشرات اللقاءات التي جمات اللقاءات التي جمعتني برؤساء دول سابقين ووزراء وبرلمانيين ومفكرين وناشطين من قارات مختلفة. وإلى تجارب تعلمت منها أن العلاقات الدولية لا تُصنع كلها داخل وزارات الخارجية، ولا تُختزل في البيانات الرسمية، ولا تتوقف عند حدود البروتوكول. ففي كثير من الأحيان كانت كلمة في مؤتمر، أو حوار في ندوة، أو لقاء فكري عابر، يفتح من النوافذ ما تعجز عنه أحياناً الأبواب الرسمية الثقيلة.

لسنوات طويلة ظل مفهوم الدبلوماسية في وعينا العربي مرتبطاً بالدولة وحدها. السفير، والوزارة، والوفد الرسمي، والقمة الثنائية، والبيان المشترك. وهي كلها أدوات ضرورية لا غنى عنها. لكن العالم تغير. والعلاقات الدولية لم تعد حكراً على الحكومات. ومع اتساع الثورة الرقمية، وتطور وسائل الاتصال، وصعود المجتمع المدني، وتزايد دور الجامعات ومراكز الفكر والبرلمانات والأحزاب، ظهر ما يمكن وصفه بالجناح الثاني للدبلوماسية: الدبلوماسية الشعبية.

لا تعني الدبلوماسية الشعبية منافسة الدبلوماسية الرسمية، ولا الالتفاف عليها، ولا الحلول محلها. بل تعني توسيع المجال الذي تتحرك فيه الدولة، وإضافة أدوات جديدة إلى قوتها الناعمة، وخلق قنوات تواصل قد تكون أحياناً أكثر مرونة وأقل حساسية من القنوات الرسمية.

حين نتأمل تجارب الدول الكبرى، نجد أن كثيراً من نفوذها لا يرتبط فقط بما تملكه من جيوش أو اقتصادات أو مؤسسات رسمية، بل أيضاً بما تملكه من جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة قادرة على بناء شبكات ممتدة من العلاقات والتأثير.

الولايات المتحدة لم تبنِ نفوذها العالمي عبر البيت الأبيض ووزارة الخارجية وحدهما. وفرنسا لم تصنع مكانتها الثقافية من خلال قصر الإليزيه فقط. وبريطانيا لم تعتمد على وزارة خارجيتها وحدها في الحفاظ على حضورها الدولي. في كل هذه الحالات كانت هناك منظومة أوسع بكثير تعمل في المجال العام، وتسهم في تشكيل الصورة والانطباعات والعلاقات طويلة المدى.

أما في منطقتنا العربية، فقد ظلت الدولة لفترة طويلة تنظر بحذر إلى كل ما هو خارج الإطار الرسمي. ومع الوقت خسرنا جزءاً مهماً من القدرة على الحركة في العالم. فالدبلوماسية الرسمية مهما بلغت كفاءتها تظل محدودة بعدد السفارات والبعثات والموارد المتاحة. أما الدبلوماسية الشعبية فتمتلك القدرة على الوصول إلى فضاءات أوسع وأكثر تنوعاً.

ومن تجربتي الشخصية، أستطيع القول إن كثيراً من القضايا المصرية والعربية وجدت آذاناً صاغية في الخارج عبر قنوات شعبية ومدنية وأكاديمية أكثر مما وجدته أحياناً عبر القنوات الحكومية التقليدية. وقد شهدت بنفسي كيف لعبت شخصيات سياسية وبرلمانية وفكرية من دول مختلفة أدواراً مهمة في الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر، وفي دعم حق المصريين في حياة سياسية أكثر انفتاحاً وعدالة.

لا أتحدث هنا عن تدخل في الشؤون الداخلية، بل عن تضامن إنساني وسياسي مشروع. فالعالم لم يعد يعيش في جزر منفصلة. والحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية لم تعد شأناً محلياً خالصاً في عصر الاتفاقيات الدولية والمواثيق الأممية والتواصل العالمي المفتوح.

ولهذا فإن إحدى المشكلات التي واجهت الخطاب السياسي في منطقتنا كانت الخلط المتعمد أحياناً بين الدبلوماسية الشعبية والتدخل الخارجي. بينما الفارق بينهما واضح. فالتدخل يسعى إلى فرض الإرادة على الآخرين. أما الدبلوماسية الشعبية فتعتمد على الحوار والإقناع والتعاون وبناء الثقة.

ومن هنا تكتسب مبادرة «المصير المشترك 2035» أهمية خاصة. فهي ليست مشروعاً حكومياً، وليست بديلاً عن الدول أو المؤسسات الرسمية. إنها محاولة لفتح مساحة إضافية للحوار بين شخصيات وأحزاب ومراكز فكر ومجتمعات مدنية من ضفتي المتوسط، حول قضايا أصبحت مشتركة بحكم الواقع لا بحكم الشعارات.

فالهجرة قضية مشتركة.

والطاقة قضية مشتركة.

والمناخ قضية مشتركة.

والتعليم قضية مشتركة.

والأمن الغذائي قضية مشتركة.

بل إن كثيراً من الأزمات التي تبدو محلية في بدايتها تتحول سريعاً إلى تحديات إقليمية أو دولية.

ولهذا فإن الاقتصار على الحوار الحكومي لم يعد كافياً. فالحكومات تتغير. والانتخابات تتغير. والتحالفات تتغير. أما العلاقات الإنسانية والفكرية والثقافية فتمتلك قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير على المدى الطويل.

ولعل أوروبا نفسها تقدم نموذجاً مهماً في هذا المجال. فجزء كبير من نجاح المشروع الأوروبي لم يُبنَ فقط على الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية، بل على شبكات واسعة من الجامعات والبلديات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحث والتبادل الثقافي. لقد سبقت المجتمعات أحياناً الحكومات في بناء الثقة والتقارب.

وإذا كانت أوروبا قد نجحت في تحويل قرون من الحروب والصراعات إلى مساحة تعاون وشراكة، فإن أحد أسباب ذلك أنها لم تعتمد على الدبلوماسية الرسمية وحدها. بل استثمرت في الإنسان والمعرفة والثقافة والعلاقات العابرة للحدود.

وهنا يبرز سؤال مصري مهم: أين نحن من كل ذلك؟

تملك مصر رصيداً هائلاً يمكن أن يجعلها إحدى القوى الكبرى في مجال الدبلوماسية الشعبية. فلدينا تاريخ ثقافي عريق. وجامعات عريقة. وجاليات واسعة الانتشار. ومثقفون وفنانون وأكاديميون وشخصيات عامة تحظى باحترام في دوائر مختلفة حول العالم. ولدينا أيضاً تجربة سياسية وفكرية غنية يمكن أن تشكل أساساً لحوار جاد مع الآخرين.

لكن هذا الرصيد يحتاج إلى رؤية. يحتاج إلى مؤسسات تدعمه. يحتاج إلى مساحة من الحرية تسمح له بالحركة. ويحتاج قبل ذلك كله إلى قناعة بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات رسمية، بل أيضاً بما تتيحه لمجتمعها من فرص للتفاعل والإبداع والحضور.

ومن هنا فإن مصر الممكنة لا ترى في الدبلوماسية الشعبية ترفاً أو نشاطاً جانبياً، بل تعتبرها جزءاً من مشروع الدولة الحديثة. فالدولة التي تثق في نفسها لا تخشى المجتمع، بل تستفيد من طاقاته. والدولة التي تدرك قيمة قوتها الناعمة لا تحصر نفسها في القنوات التقليدية وحدها.

بل إن كثيراً من الملفات التي ناقشناها في الحلقات السابقة والحالية ترتبط مباشرة بهذا المفهوم. فملف الهجرة يحتاج إلى جسور إنسانية وثقافية. وملف الطاقة يحتاج إلى شراكات أكاديمية وبحثية. والعلاقة مع أوروبا تحتاج إلى حوار يتجاوز الحكومات إلى المجتمعات. وحتى فكرة «المصير المشترك» نفسها لا يمكن أن تنجح إذا بقيت حبيسة النخب السياسية أو المكاتب الدبلوماسية.

ولهذا فإن أحد أهم الدروس التي تعلمتها عبر سنوات العمل العام هو أن العلاقات التي تُبنى على المعرفة والاحترام والثقة تدوم أكثر من العلاقات التي تُبنى على المصالح المؤقتة وحدها. فالمصالح قد تتغير، أما الثقة فتظل أصعب في البناء وأطول في البقاء.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من الترابط، تصبح الدبلوماسية الشعبية أحد أهم الاستثمارات التي يمكن لأي دولة أن تقوم بها. فهي استثمار في الإنسان، وفي الصورة، وفي المعرفة، وفي المستقبل.

وربما لهذا السبب لا أرى في مبادرات الحوار والتواصل والتعاون العابر للحدود ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية. لأن الدول التي تتحدث إلى العالم عبر صوت واحد فقط، تخسر كثيراً من قدرتها على التأثير. أما الدول التي تسمح لمجتمعها بأن يكون شريكاً في الحضور الدولي، فإنها تضاعف قوتها وتوسع مجال حركتها.

وهكذا تصبح الدبلوماسية الشعبية أكثر من مجرد نشاط موازٍ للدبلوماسية الرسمية.

تصبح جناحها الثاني.

وتصبح إحدى الأدوات التي تسمح للدول بأن تكون أكثر حضوراً وتأثيراً وإنسانية.

ومصر التي نريدها في 2030 ليست دولة تنغلق على نفسها، ولا دولة تذوب في الآخرين.

إنها دولة تعرف كيف تحاور العالم…

وكيف تجعل العالم أكثر استعداداً للإصغاء إليها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى