في الذكرى الثانية لاغتياله.. إسماعيل هنية من مخيم الشاطئ إلى قيادة حماس وتفاصيل عملية طهران

تحل في 31 يوليو الذكرى الثانية لاغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي قُتل مع مرافقه الشخصي وسيم أبو شعبان داخل مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران، بعد ساعات من مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
ورغم أن إسرائيل التزمت الصمت عقب العملية، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أقر في ديسمبر 2024 بأن بلاده اغتالت هنية في طهران، في أول اعتراف إسرائيلي رسمي بالمسؤولية عن العملية.
ومع ذلك، لم تكشف إسرائيل التفاصيل التنفيذية الكاملة أو الوسيلة المستخدمة في الاغتيال، في ظل استمرار التعارض بين الرواية الإيرانية التي تحدثت عن استخدام مقذوف قصير المدى، ورواية أخرى رجحت زرع عبوة ناسفة داخل مقر الإقامة وتفجيرها عن بُعد.
من هو إسماعيل هنية؟
وُلد إسماعيل عبد السلام أحمد هنية، المعروف بكنية «أبو العبد»، عام 1962 أو 1963، وفق اختلاف السير المنشورة، في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، لعائلة فلسطينية هُجرت خلال نكبة عام 1948 من قرية الجورة الواقعة قرب مدينة عسقلان.
نشأ هنية داخل بيئة المخيم، وتلقى تعليمه الأساسي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، قبل أن يحصل على الثانوية من معهد الأزهر الديني في غزة، ثم يلتحق بالجامعة الإسلامية ويدرس الأدب العربي ويحصل على درجة البكالوريوس.
وتزوج هنية من آمال هنية، وأنجب ثمانية أبناء وخمس بنات، وظلت عائلته تقيم في قطاع غزة، رغم انتقاله خلال سنواته الأخيرة بين قطر وتركيا ودول أخرى بحكم موقعه على رأس المكتب السياسي لحماس.
بدأ نشاطه السياسي خلال سنوات الدراسة الجامعية، عندما انضم إلى الكتلة الإسلامية المرتبطة بالتيار الإسلامي الفلسطيني، وتولى رئاسة مجلس طلبة الجامعة الإسلامية خلال عامي 1985 و1986، في فترة شهدت تنافسًا حادًا بين الكتلة الإسلامية وحركة الشبيبة التابعة لحركة فتح.
ومع تأسيس حركة حماس في أواخر عام 1987، بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، انضم هنية إلى الحركة، واعتقلته السلطات الإسرائيلية عدة مرات.
وأمضى هنية في الاعتقال فترات متفاوتة، كان أطولها ثلاث سنوات بعد اعتقاله عام 1989 على خلفية انتمائه إلى حركة حماس.
الإبعاد إلى مرج الزهور والعودة إلى غزة
في ديسمبر 1992، أبعدت إسرائيل إسماعيل هنية مع أكثر من 400 من قيادات ونشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان.
استمر الإبعاد نحو عام، وشكلت تجربة مرج الزهور محطة مهمة في تاريخ قيادات حماس، بعدما تحولت قضية المبعدين إلى ملف سياسي وإعلامي واسع، وأتاحت لعدد من قادة الحركة بناء علاقات واتصالات خارج الأراضي الفلسطينية.
وبعد عودته إلى قطاع غزة، عمل هنية في الجامعة الإسلامية، وتولى مسؤوليات إدارية وأكاديمية، قبل أن يصبح عضوًا في مجلس أمنائها.
وجاء التحول الأكبر في مسيرته عندما عُين مديرًا لمكتب الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، عقب الإفراج عن الأخير عام 1997.
ومن خلال عمله إلى جانب ياسين، اقترب هنية من دائرة صنع القرار داخل الحركة، وبرز باعتباره أحد الوجوه السياسية والتنظيمية الصاعدة.
محاولات اغتيال سابقة
لم تكن عملية طهران أول محاولة تستهدف إسماعيل هنية، إذ تعرض في سبتمبر 2003 لغارة إسرائيلية استهدفت اجتماعًا لعدد من قيادات حركة حماس، كان من بينهم الشيخ أحمد ياسين.
ونجا هنية من الغارة، بينما واصلت إسرائيل خلال السنوات التالية استهداف عدد من قادة الحركة، وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين الذي اغتيل في مارس 2004، ثم خلفه في قيادة حماس عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتيل بعد أقل من شهر.
كما تعرض موكب هنية لإطلاق نار خلال الصراع الداخلي الفلسطيني عام 2006، ونجا من محاولة أخرى في ديسمبر من العام نفسه، قُتل خلالها أحد مرافقيه.
انتخابات 2006 والوصول إلى رئاسة الحكومة
دخل إسماعيل هنية مرحلة جديدة من مسيرته عندما قررت حركة حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، بعد سنوات من مقاطعة الانتخابات المرتبطة باتفاق أوسلو.
ترأس هنية قائمة «التغيير والإصلاح» التابعة للحركة، وتمكنت القائمة من الفوز بـ74 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا في المجلس التشريعي الفلسطيني، مقابل 45 مقعدًا لحركة فتح، في نتيجة أحدثت تحولًا كبيرًا في النظام السياسي الفلسطيني.
وعقب إعلان النتائج، كلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس هنية بتشكيل الحكومة، وأدى اليمين رئيسًا للوزراء في مارس 2006.
واجهت حكومته منذ بدايتها حصارًا سياسيًا وماليًا دوليًا، بعدما اشترطت اللجنة الرباعية الدولية على حكومة حماس الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف، والالتزام بالاتفاقيات السابقة الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
رفضت حماس الاستجابة الكاملة لهذه الشروط، وتوقفت مساعدات وتحويلات مالية مهمة إلى الحكومة الفلسطينية، ما أدى إلى أزمة مالية حادة وعجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين بصورة منتظمة.
وفي الوقت نفسه، تصاعد الخلاف بين مؤسستي الرئاسة والحكومة، وتحول التنافس بين حركتي فتح وحماس إلى مواجهات مسلحة في قطاع غزة.
حكومة الوحدة والانقسام الفلسطيني
في فبراير 2007، توصلت حركتا فتح وحماس إلى اتفاق مكة برعاية سعودية، ونص الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة إسماعيل هنية.
تشكلت الحكومة في مارس 2007 وضمت ممثلين عن حماس وفتح وفصائل فلسطينية أخرى، لكنها لم تستمر سوى نحو ثلاثة أشهر، بسبب استمرار الخلافات السياسية والأمنية وتجدد الاشتباكات في قطاع غزة.
وفي يونيو 2007، سيطرت حركة حماس على قطاع غزة بعد مواجهات دامية مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وحركة فتح.
وأصدر الرئيس محمود عباس قرارًا بإقالة حكومة هنية وتشكيل حكومة طوارئ برئاسة سلام فياض في الضفة الغربية.
رفضت حماس قرار الإقالة، واستمر هنية في إدارة حكومة الأمر الواقع في قطاع غزة، لتبدأ مرحلة الانقسام السياسي والجغرافي بين حكومة تدير غزة بقيادة حماس، وسلطة فلسطينية تدير أجزاء من الضفة الغربية.
وظل هنية رئيسًا لحكومة حماس في غزة حتى عام 2014، عندما جرى التوصل إلى اتفاق جديد للمصالحة وتشكيل حكومة توافق وطني برئاسة رامي الحمد الله.
وأعلن هنية آنذاك تسليم مهام الحكومة دعمًا للمصالحة، لكنه احتفظ بمكانته القيادية داخل حركة حماس، واستمر في لعب دور أساسي في الملفات السياسية والتنظيمية.
ما هي حركة حماس؟
تأسست حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في ديسمبر 1987، مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، على يد الشيخ أحمد ياسين وعدد من قيادات التيار الإسلامي الفلسطيني.
تعود الجذور التنظيمية والفكرية للحركة إلى جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، لكنها تطورت إلى حركة فلسطينية مستقلة تجمع بين العمل السياسي والاجتماعي والعسكري.
تتكون حماس من مؤسسات سياسية وتنظيمية، في مقدمتها مجلس الشورى والمكتب السياسي، إلى جانب جناح عسكري هو كتائب عز الدين القسام.
كما أنشأت الحركة، خصوصًا خلال سنواتها الأولى، شبكات اجتماعية وخيرية وتعليمية وصحية، ساهمت في توسيع قاعدتها الشعبية داخل قطاع غزة.
وتبنت الحركة منذ تأسيسها خيار المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ونفذت كتائب القسام عمليات عسكرية وهجمات داخل إسرائيل، بينها عمليات تفجير خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، إضافة إلى إطلاق الصواريخ وعمليات الأسر والاشتباك المسلح.
وتصنف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وعدد من الدول حركة حماس منظمة إرهابية، بينما لا تعتمد دول أخرى التصنيف نفسه، وتتعامل معها باعتبارها حركة سياسية ومقاومة فلسطينية.
وفي عام 2017، أصدرت حماس وثيقة سياسية جديدة أعلنت فيها قبول إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، باعتبار ذلك صيغة توافق وطني، مع تمسكها بحق عودة اللاجئين وعدم اعترافها بشرعية إسرائيل.
وأكدت الوثيقة أن صراع الحركة مع المشروع الصهيوني وليس مع اليهود بسبب ديانتهم، لكنها أبقت على المقاومة، بما فيها المقاومة المسلحة، باعتبارها وسيلة لإنهاء الاحتلال.
رئاسة المكتب السياسي لحماس
في مايو 2017، انتخب مجلس شورى حماس إسماعيل هنية رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا لخالد مشعل، بينما تولى يحيى السنوار قيادة الحركة داخل قطاع غزة.
ومع انتقاله إلى رئاسة المكتب السياسي، غادر هنية قطاع غزة، وأقام بصورة أساسية في العاصمة القطرية الدوحة، مع تنقله بين قطر وتركيا وإيران وعدد من الدول.
وأتاح وجوده خارج غزة له قيادة علاقات الحركة الخارجية، وإجراء اتصالات مع الحكومات والوسطاء والفصائل الفلسطينية، إلى جانب إدارة العلاقات مع إيران التي تعد أحد أبرز الداعمين السياسيين والعسكريين لحماس.
وأعيد انتخاب هنية رئيسًا للمكتب السياسي لولاية ثانية في أغسطس 2021.
هنية بين الخطاب السياسي والعمل الدبلوماسي
نظر عدد من الدبلوماسيين والمتابعين إلى هنية باعتباره أكثر براغماتية من بعض القيادات العسكرية والأمنية داخل قطاع غزة، رغم تمسكه العلني بخيار المقاومة المسلحة ورفض الاعتراف بإسرائيل.
كان هنية يمثل الوجه السياسي والدبلوماسي للحركة، ويتولى التواصل مع قطر ومصر وتركيا وإيران ودول أخرى، بينما كانت قيادة غزة وكتائب القسام تدير الملفات العسكرية والأمنية الميدانية.
كما شارك في جهود المصالحة الفلسطينية، وعقد لقاءات متكررة مع قيادات حركة فتح والفصائل الأخرى، لكنه لم يتمكن من إنهاء الانقسام الذي بدأ عام 2007.
وتولى خلال الحرب على غزة التي بدأت عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 دورًا رئيسيًا في الاتصالات المتعلقة بمفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، بالتعاون مع الوسطاء في قطر ومصر.
هنية وعملية 7 أكتوبر
في 7 أكتوبر 2023، شنت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى هجومًا واسعًا على بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية في محيط قطاع غزة.
وأسفر الهجوم، وفق الأرقام الإسرائيلية، عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 آخرين ونقلهم إلى قطاع غزة.
وردت إسرائيل بإعلان الحرب وشن حملة عسكرية واسعة على القطاع.
أعلن هنية تأييده للعملية وقدمها باعتبارها ردًا على الاحتلال والحصار والانتهاكات الإسرائيلية، وأصبح منذ ذلك الوقت أحد أبرز المسؤولين السياسيين الذين حملتهم إسرائيل المسؤولية عن سياسات حماس.
لكن حجم علمه المسبق بالتفاصيل التنفيذية للعملية ظل غير محسوم علنًا، في ظل ترجيحات بأن خطة الهجوم أُعدت بسرية داخل المجلس العسكري لحماس وقيادتها في قطاع غزة، وأن عددًا محدودًا للغاية من القيادات كان مطلعًا على توقيتها ونطاقها.
وفي مايو 2024، تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بطلب لإصدار مذكرة اعتقال بحق هنية، إلى جانب يحيى السنوار ومحمد الضيف، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال هجوم 7 أكتوبر.
وكان الطلب لا يزال قيد نظر المحكمة عندما اغتيل هنية، ولم تصدر بحقه مذكرة اعتقال نهائية، قبل إنهاء الإجراءات المتعلقة به بعد التأكد من وفاته.
مقتل أبنائه وأحفاده في غزة
في 10 أبريل 2024، قُتل ثلاثة من أبناء إسماعيل هنية، هم حازم وأمير ومحمد، إلى جانب أربعة من أحفاده، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كانوا يستقلونها داخل قطاع غزة.
وقالت إسرائيل إن أبناء هنية كانوا مرتبطين بالنشاط العسكري لحماس، بينما نفى هنية تلك الرواية، وأكد أن مقتل أفراد من عائلته لن يدفع الحركة إلى تغيير شروطها في مفاوضات وقف إطلاق النار.
وجاء اغتياله بعد أقل من أربعة أشهر من مقتل أبنائه وأحفاده، وفي وقت كانت فيه المفاوضات غير المباشرة بين حماس وإسرائيل تمر بمرحلة شديدة الحساسية.
الساعات الأخيرة في طهران
وصل إسماعيل هنية إلى إيران للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي أقيمت في 30 يوليو 2024.
وخلال زيارته، التقى المرشد الإيراني علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين، كما شارك في لقاءات مع ممثلي حركات وفصائل متحالفة مع إيران.
وبعد انتهاء مراسم التنصيب، توجه هنية إلى مقر إقامته في مجمع مخصص للضيوف الرسميين وتحت إشراف الحرس الثوري الإيراني في شمال طهران.
وفي الساعات الأولى من صباح 31 يوليو، وقع انفجار داخل الجزء الذي كان يقيم فيه هنية، ما أدى إلى مقتله ومقتل مرافقه وسيم أبو شعبان.
وأعلنت حركة حماس والحرس الثوري الإيراني نبأ اغتياله، وحملا إسرائيل المسؤولية، بينما رفضت الحكومة الإسرائيلية في البداية التعليق على العملية.
كيف اغتيل إسماعيل هنية؟
لا تزال الطريقة الدقيقة التي نُفذت بها عملية الاغتيال محل خلاف، وتوجد روايتان رئيسيتان بشأن ما حدث داخل مقر إقامة هنية.
الرواية الإيرانية: مقذوف قصير المدى
أعلن الحرس الثوري الإيراني، بعد أيام من العملية، أن هنية قُتل بواسطة مقذوف قصير المدى أُطلق من خارج مقر إقامته، وكان يحمل رأسًا متفجرًا يزن نحو 7 كيلوجرامات.
وقالت الرواية الإيرانية إن المقذوف أصاب مكان إقامة هنية مباشرة، وتسبب في انفجار قوي أدى إلى مقتله ومقتل مرافقه.
وحمّلت إيران إسرائيل المسؤولية الكاملة عن الهجوم، واتهمت الولايات المتحدة بدعمه، لكنها لم تعلن هوية المنفذين أو المكان الذي أُطلق منه المقذوف، كما لم تنشر نتائج تحقيق جنائي مفصلة يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية.
الرواية الثانية: عبوة ناسفة زُرعت مسبقًا
رجحت رواية أخرى أن اغتيال هنية نُفذ بواسطة عبوة ناسفة زُرعت داخل الغرفة التي كان يقيم فيها بمجمع الضيافة قبل وصوله إلى طهران.
ووفق هذه الرواية، تمكن منفذو العملية من تحديد الغرفة التي اعتاد هنية استخدامها خلال زياراته لإيران، ووضعوا عبوة شديدة الدقة داخلها قبل نحو شهرين من الاغتيال.
وبعد وصول هنية والتأكد من وجوده في الغرفة، جرى تفجير العبوة عن بُعد، ما أدى إلى تدمير جزء محدود من المبنى ومقتله، دون إحداث دمار واسع في بقية المجمع.
وتشير هذه الرواية إلى أن العملية الاستخباراتية استغرقت فترة طويلة، وتضمنت اختراق الدوائر المسؤولة عن تأمين المجمع، ومراقبة تحركات هنية، والتأكد من مكان وجوده قبل تنفيذ التفجير.
وزاد من الجدل تصريح صدر عقب العملية عن متحدث عسكري إسرائيلي، قال فيه إن إسرائيل لم تنفذ في تلك الليلة غارات جوية أو هجمات صاروخية في المنطقة، باستثناء عملية منفصلة في بيروت.
واعتبر مراقبون أن هذا التصريح يدعم فرضية العبوة المزروعة، من دون أن يشكل دليلًا نهائيًا عليها.
وبذلك، بقيت وسيلة الاغتيال غير محسومة بصورة قاطعة، إذ تمسكت إيران برواية المقذوف قصير المدى، بينما رجحت الرواية الأخرى استخدام عبوة ناسفة زُرعت داخل مقر الإقامة وفُجرت عن بُعد.
ثغرة أمنية داخل إيران
بصرف النظر عن وسيلة التنفيذ، كشفت العملية عن اختراق أمني كبير داخل العاصمة الإيرانية.
كان هنية يقيم في منشأة تخضع لإجراءات أمنية مشددة وتستضيف شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، ما يعني أن تنفيذ العملية تطلب معلومات دقيقة عن تحركاته ومواعيد وصوله ومكان إقامته والغرفة المخصصة له.
وإذا صحت رواية العبوة المزروعة، فإن العملية تعني وصول المنفذين أو المتعاونين معهم إلى داخل المجمع قبل الاغتيال بمدة طويلة.
أما إذا صحت الرواية الإيرانية بشأن المقذوف، فإن ذلك يعني تمكن الجهة المنفذة من الاقتراب إلى مسافة تسمح بإطلاقه بدقة في منطقة أمنية حساسة داخل طهران، ثم الانسحاب دون الإعلان عن ضبط المنفذين.
وفي الحالتين، شكل اغتيال ضيف سياسي بارز تحت حماية الحرس الثوري ضربة لصورة الأجهزة الأمنية الإيرانية، ورسالة بأن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أهداف رفيعة المستوى داخل الأراضي الإيرانية.
من اتخذ قرار الاغتيال؟
لم تنشر إسرائيل ملفًا رسميًا يوضح تسلسل اتخاذ القرار أو الجهات التي شاركت في التخطيط والتنفيذ.
ورجحت روايات أن العملية نُفذت بواسطة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي «الموساد»، بعد الحصول على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية، وأنها احتاجت إلى إعداد استخباراتي استمر عدة أشهر.
كما ترددت معلومات عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على تنفيذ العملية، لكن إسرائيل لم تصدر بيانًا رسميًا يتضمن تفاصيل الاجتماع الذي اتُخذ فيه القرار أو أسماء المسؤولين عن الخطة.
وفي ديسمبر 2024، أنهى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس جانبًا من الغموض، عندما أقر بأن إسرائيل اغتالت هنية في طهران، لكنه لم يكشف طريقة التنفيذ أو الجهاز الذي تولى العملية.
لماذا اختارت إسرائيل طهران؟
حمل تنفيذ الاغتيال داخل طهران دلالات تتجاوز استهداف هنية شخصيًا.
كان هنية يتحرك خارج قطاع غزة ويتمتع بحماية سياسية وأمنية خلال وجوده في قطر وتركيا وإيران، ما جعل استهدافه يحتاج إلى عملية استخباراتية خارج ساحة الحرب المباشرة.
كما وجه تنفيذ العملية في قلب العاصمة الإيرانية رسالة إلى طهران بشأن قدرة إسرائيل على اختراق دوائرها الأمنية والوصول إلى حلفائها.
وجاء الاغتيال في توقيت بالغ الحساسية، بعد ساعات من تنصيب رئيس إيراني جديد، وفي ظل تصاعد المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران وحلفائها في لبنان والعراق وسوريا واليمن.
ورأت إيران أن الاغتيال يمثل اعتداءً على سيادتها، بينما اعتبرته إسرائيل لاحقًا جزءًا من حملتها لملاحقة قيادات حماس التي تحملها مسؤولية هجوم 7 أكتوبر.
التشييع والدفن
أقيمت مراسم تشييع رسمية وشعبية لإسماعيل هنية في طهران في الأول من أغسطس 2024، وأمّ المرشد الإيراني علي خامنئي صلاة الجنازة عليه.
وبعد انتهاء المراسم، نُقل جثمانه إلى قطر، حيث أقيمت صلاة الجنازة في مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدوحة، بحضور قيادات فلسطينية ومسؤولين وممثلين عن دول وحركات سياسية.
ودُفن هنية في مدينة لوسيل شمال الدوحة في 2 أغسطس 2024، إلى جانب مرافقه الذي قُتل معه في العملية.
تداعيات الاغتيال على المفاوضات
وقع اغتيال هنية بينما كانت قطر ومصر والولايات المتحدة تقود مفاوضات غير مباشرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة وصفقة لتبادل الأسرى.
وكان هنية أحد أبرز المسؤولين عن إدارة الجانب السياسي من المفاوضات، ونقل المقترحات بين الوسطاء وقيادة حماس في قطاع غزة.
لذلك أثار اغتياله مخاوف من تعطيل المحادثات، ومنح الرافضين للتوصل إلى تسوية داخل أطراف الصراع مبررات إضافية لتشديد مواقفهم.
كما وجه الاغتيال رسالة إلى قيادات حماس في الخارج بأن وجودهم خارج قطاع غزة لا يوفر لهم حماية كاملة، وأن إسرائيل تنظر إلى القيادة السياسية والعسكرية للحركة باعتبارها جزءًا من هدف واحد.
تأثير اغتياله على قيادة حماس
مثّل مقتل هنية ضربة قوية للقيادة السياسية لحماس، لأنه كان رئيس المكتب السياسي والمسؤول الأبرز عن شبكة العلاقات الخارجية والاتصالات مع الوسطاء والدول الداعمة للحركة.
وبعد اغتياله، اختارت حماس يحيى السنوار رئيسًا جديدًا للمكتب السياسي في أغسطس 2024، في خطوة عكست انتقال مركز الثقل بصورة أكبر إلى قيادة قطاع غزة.
لكن السنوار قُتل بدوره خلال اشتباك مع قوات إسرائيلية في جنوب قطاع غزة في أكتوبر 2024، ما أدخل الحركة في مرحلة جديدة من إعادة ترتيب بنيتها القيادية.
وعلى الرغم من أهمية هنية، فإن حركة حماس تعتمد على مؤسسات تنظيمية ومجالس شورى وقيادات موزعة بين غزة والضفة الغربية والخارج والسجون، وهو ما يسمح لها بتعيين بدلاء بعد اغتيال قادتها، وإن كانت خسارة الشخصيات الكبرى تؤثر في شبكة العلاقات والخبرة السياسية والتنظيمية المتراكمة.
إرث إسماعيل هنية
امتدت مسيرة إسماعيل هنية من مخيم الشاطئ إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية، ثم إلى قيادة المكتب السياسي لإحدى أكثر الحركات تأثيرًا وإثارة للجدل في الشرق الأوسط.
بالنسبة إلى أنصاره، مثّل هنية قائدًا فلسطينيًا خرج من بيئة اللجوء، وتمسك بالمقاومة ورفض الاعتراف بإسرائيل، وظل مرتبطًا بقطاع غزة رغم انتقاله إلى الخارج ومقتل عدد من أفراد عائلته خلال الحرب.
أما خصومه، فيحملونه، بصفته رئيس المكتب السياسي لحماس، مسؤولية سياسية عن استراتيجية الحركة وعملياتها المسلحة، وعن استمرار الانقسام الفلسطيني وسيطرة حماس على قطاع غزة.
وبين الروايتين، ظل هنية شخصية مركبة جمعت بين الخطاب الديني والسياسي، والتمسك بالمقاومة المسلحة، والمشاركة في الانتخابات والحكم، وإدارة العلاقات الدبلوماسية، والدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر الوسطاء.
وجاء اغتياله في طهران ليختصر طبيعة الصراع الذي عاشه طوال مسيرته؛ قائد فلسطيني بدأ حياته لاجئًا في غزة، ووصل إلى رئاسة الحكومة وقيادة حماس، ثم انتهت حياته في عملية استخباراتية داخل عاصمة أبرز حلفاء حركته، وسط حرب مفتوحة أعادت القضية الفلسطينية والصراع الإقليمي إلى مركز الاهتمام الدولي.







