مصر

د. عصام عبد الشافي يرسم دوائر الصراع في الشرق الأوسط ويحدد خرائط الرابحين والخاسرين

قدم أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عصام عبد الشافي قراءة تحليلية لدوائر الصراع المتسعة في الشرق الأوسط، معتبرًا أن المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد تقتصر على طرفين أو ساحة واحدة، بل تحولت إلى شبكة مترابطة من الصراعات العسكرية والاقتصادية والأمنية، تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط ودول المشرق العربي ومصر والسودان

وأوضح عبد الشافي أن فهم التحولات الراهنة يتطلب الابتعاد عن القراءات الشعبوية والرغائبية، والاعتماد على أدوات واضحة للتحليل السياسي والاستراتيجي، تنطلق من تحديد الأطراف المتورطة، وطبيعة المصالح المستهدفة، وحجم الاستنزاف الذي تتعرض له الدول والشعوب، والجهات التي تستفيد من إضعاف القدرات العربية والإقليمية.

تحولات متسارعة في المنطقة

وأشار عبد الشافي إلى أن منطقة الشرق الأوسط شهدت خلال يوليو/ تموز 2026 سلسلة من التحولات المهمة، في مقدمتها الإعلان عن اتفاق نووي بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة لإنشاء برنامج سعودي للطاقة النووية السلمية، إلى جانب قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها تركيا يومي 8 و9 يوليو.

وتزامنت هذه التطورات مع حراك سياسي وشعبي في تونس على خلفية الأزمة الاقتصادية وتراجع مؤشرات الحياة المعيشية والاجتماعية، إلى جانب احتجاجات شهدتها العاصمة الليبية طرابلس ضد الحكومة بسبب الأوضاع الاقتصادية والانقطاعات المتكررة للكهرباء.

كما شهدت المنطقة اتساعًا في نطاق العمليات العسكرية، مع تنفيذ السعودية عمليات في العراق واليمن، ردًا على هجمات قالت الرياض إن جماعات مسلحة مرتبطة بإيران نفذتها ضد منشآت نفطية ومطارات ومصالح استراتيجية داخل المملكة.

وتصاعدت كذلك التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى حادث استهداف سفن ومنشآت مرتبطة بالغاز في ميناء دمياط المصري يوم 29 يوليو 2026، وهو ما اعتبره عبد الشافي مؤشرًا على انتقال الصراع إلى ساحات جديدة ودخول أطراف متعددة بأدوات ومستويات مختلفة.

من حرب غزة إلى المواجهة مع إيران

وربط عبد الشافي التصعيد الحالي بالتطورات التي أعقبت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، موضحًا أن إسرائيل وسعت عملياتها العسكرية بعد ذلك لتشمل قطاع غزة ولبنان وسوريا.

وأضاف أن العمليات الإسرائيلية استهدفت البنية العسكرية والتنظيمية لحزب الله في لبنان، وقاداته في الصفوف الأولى والثانية والثالثة، قبل أن تمتد إلى البنية التحتية العسكرية في سوريا والوجود الإيراني داخل الأراضي السورية، تحت مبرر قطع خطوط الإمداد عن حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية.

وتابع أن دائرة المواجهة اتسعت لاحقًا لتشمل استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، ثم استهداف الداخل الإيراني بصورة مباشرة، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في يونيو/ حزيران 2025 واستمرت 12 يومًا بمشاركة إسرائيلية وأمريكية ضد إيران.

وأشار إلى أن التوتر لم يتوقف بعد تلك الحرب، بل تطور إلى مواجهة مفتوحة بدأت، وفق طرحه، في 28 فبراير/ شباط 2026، واستمرت على مدار خمسة أشهر حتى نهاية يوليو.

استهداف البنية التحتية

بحسب عبد الشافي، بدأت المرحلة الجديدة من الصراع بعمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية ضد إيران، ردت عليها طهران باستهداف مواقع عسكرية ومنشآت للطاقة داخل إسرائيل.

وقال إن إيران وسعت بعد ذلك نطاق عملياتها لتشمل المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب منشآت للطاقة والمياه والكهرباء والاتصالات والبنية المعلوماتية في عدد من دول المنطقة.

وأضاف أن المفاوضات التي جرت في سلطنة عمان وجنيف وباكستان لم تنجح في وقف العمليات العسكرية بصورة كاملة، حتى بعد التوصل إلى تفاهمات سياسية، إذ استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران باستخدام القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

وانتقلت المواجهة، وفق التحليل، إلى الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر والبحر العربي، ما أدى إلى تهديد حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية.

انتقال الصراع إلى مواجهات عربية

رأى عبد الشافي أن إسرائيل تراجعت نسبيًا عن واجهة الاستهداف المباشر خلال المرحلة الأخيرة، بعدما كانت منشآتها الحيوية والعسكرية عرضة للهجمات في فبراير ومارس 2026.

وفي المقابل، بدأت المواجهات تنتقل إلى دول عربية، من خلال عمليات متبادلة بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن، وجماعات مسلحة في العراق، ما ينذر بتحويل الصراع من مواجهة أمريكية إيرانية أو إسرائيلية إيرانية إلى مواجهات بين أطراف عربية.

واعتبر أن استهداف ميناء دمياط يأتي ضمن هذا المسار المتسع، مؤكدًا أن السؤال التحليلي الأساسي في مثل هذه العمليات لا يقتصر على تحديد الجهة المنفذة، بل يمتد إلى تحديد الأطراف المستفيدة من إدخال مصر في دائرة المواجهة.

وطرح عبد الشافي عدة أطراف يمكن أن تستفيد سياسيًا أو عسكريًا من توسيع نطاق الحرب، من بينها إسرائيل وإيران وجماعة الحوثي وأطراف إقليمية ودولية أخرى، مؤكدًا أن ذكر هذه الأطراف يأتي في إطار تحليل المصالح والسيناريوهات، وليس توجيه اتهامات مباشرة دون أدلة.

وأوضح أن بعض الأطراف قد ترى أن توسيع الحرب وتوزيع أعبائها على عدد أكبر من الدول يمكن أن يدفع الجميع إلى السعي نحو وقفها، وهو منطق معروف في إدارة الصراعات العسكرية الممتدة.

الاتفاق النووي السعودي والتحالف البحري

توقف عبد الشافي عند إعلان السعودية توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة لإنشاء برنامج نووي للأغراض السلمية، معتبرًا أن الاتفاق لا يمكن فصله عن التحولات الأمنية والعسكرية المتسارعة في المنطقة.

كما أشار إلى التحركات السعودية الرامية إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، متسائلًا عن مدى قدرة أي تحالف جديد على تحقيق نتائج تختلف عن المبادرات الدولية السابقة.

وأوضح أن قوة أوروبية ودولية مشتركة، شاركت فيها 19 دولة وقادتها اليونان، تشكلت خلال عامي 2024 و2025 لحماية البحر الأحمر، لكنها لم تتمكن، وفق تقييمه، من إنهاء التهديدات أو تأمين حركة الملاحة بصورة كاملة.

وتساءل كذلك عن نتائج الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة، رغم وجود الأسطول الخامس في الخليج العربي والأسطول السادس في البحر المتوسط، معتبرًا أن هذا الوجود لم يمنع تعطيل الملاحة أو استهداف البنية التحتية، بل ساهم في تشديد السيطرة على الممرات البحرية واستمرار الضغط على إيران.

الممرات البديلة لمضيق هرمز

قال عبد الشافي إنه حذر منذ عام 2012 من تحول مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز وتوظيف سياسي وعسكري في أي مواجهة إقليمية، داعيًا إلى إنشاء مسارات بديلة لنقل النفط والغاز.

وأشار إلى عدد من المشروعات والمسارات المطروحة، من بينها نقل النفط السعودي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وخطوط تمتد من العراق عبر تركيا إلى أوروبا، وأخرى تمر من العراق عبر سوريا إلى البحر المتوسط.

وتشمل البدائل المقترحة نقل الطاقة من دول الخليج عبر الموانئ السورية والتركية، أو عبر موانئ سلطنة عمان، إلى جانب الخط الواصل بين أبوظبي والفجيرة، الذي يسمح بتجاوز مضيق هرمز والوصول إلى أسواق آسيا.

لكنه أكد أن قيمة هذه الخطوط تظل محدودة في غياب الاستقرار السياسي والأمني، لأن أي مسار بديل يحتاج إلى دول مستقرة وموانئ آمنة وقدرة مستمرة على الإنتاج والنقل والتصدير.

وأوضح أن نقل النفط العراقي عبر تركيا أو سوريا يتطلب استقرارًا داخل العراق وسوريا ولبنان والأردن، بينما يهدد عدم الاستقرار في البحر الأحمر قيمة الخطوط التي تنتهي عند موانئه.

كما أن الاستثمارات الضخمة التي جرى توجيهها إلى الموانئ المصرية منذ عام 2013، واتفاقات الغاز التي قُدرت بمبالغ تراوحت بين نحو 15 و30 مليار دولار، يمكن أن تتعرض للخطر في حال استمرار عدم الاستقرار الأمني في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

الدائرة الأولى: الخليج وإيران واليمن

حدد عبد الشافي الدائرة الأولى للصراع في منطقة الخليج، التي تشمل إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، مع ضرورة إضافة اليمن باعتباره عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لشبه الجزيرة العربية.

وقال إن هذه الدائرة تتعرض لأكبر معدلات الاستنزاف، سواء في البنية التحتية الإيرانية أو القدرات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية لطهران، أو في البنية الأمنية والاقتصادية لدول الخليج والعراق واليمن.

وتضم هذه الدائرة منشآت النفط والغاز والموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه، إلى جانب القواعد العسكرية والممرات البحرية، ما يجعل استمرار الحرب تهديدًا مباشرًا لجميع دول الخليج دون استثناء.

وأشار إلى أن المواجهات المتبادلة قد تؤدي إلى إضعاف قدرة دول المنطقة على تمويل مشروعاتها التنموية، وتراجع الإيرادات النفطية، وارتفاع الديون والعجز في الموازنات العامة.

الدائرة الثانية: المشرق العربي وتركيا

تضم الدائرة الثانية، وفق عبد الشافي، دول المشرق العربي، وهي العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، إلى جانب تركيا، بسبب ارتباطها الاستراتيجي والأمني المباشر بالعراق وسوريا.

وأوضح أن العراق من أكثر الدول تضررًا، إذ يعتمد بنحو 95% من صادراته النفطية على المرور عبر مضيق هرمز، بينما تحتاج أي خطوط بديلة إلى سنوات من العمل وإلى استقرار أمني وسياسي غير متوافر في الوقت الراهن.

وأضاف أن سوريا لا تزال تواجه تحديات أمنية وسياسية وألغامًا تهدد استقرار الدولة، في حين يستمر الاستنزاف في لبنان من خلال سقوط قتلى وجرحى وتدمير منشآت وبنية تحتية بصورة متكررة.

ورأى أن الاتفاقات أو التسويات السياسية لا تكفي وحدها لضمان استقرار لبنان في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية، معتبرًا أن الطبيعة التوسعية للمشروع الإسرائيلي تمثل عاملًا دائمًا لعدم الاستقرار.

كما أشار إلى استمرار الحرب في الأراضي الفلسطينية، وعدم استقرار الأوضاع في العراق والأردن، واستهداف قواعد ومنشآت داخل عدد من دول المشرق، ما يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وبشري يومي.

الدائرة الثالثة: مصر وقناة السويس

اعتبر عبد الشافي أن مصر لم تبدأ في تحمل خسائر الصراع مع استهداف ميناء دمياط فقط، وإنما تضررت منذ اليوم الأول للتصعيد، نتيجة الارتباط المباشر بين أمنها القومي واستقرار الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز.

وحدد ثلاثة ملفات أساسية تكشف حجم التأثير على مصر، أولها الاستثمارات والمساعدات الخليجية، إذ تعد السعودية والإمارات وقطر من أبرز الدول المستثمرة في الاقتصاد المصري.

وأضاف أن تعرض اقتصادات الخليج للاستنزاف وتراجع الإيرادات وارتفاع الديون سيؤثران في حجم الاستثمارات الجديدة والتدفقات المالية الموجهة إلى مصر.

ويتمثل الملف الثاني في تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج، إذ يقدر عددهم، وفق الأرقام التي عرضها، بما يتراوح بين 3.5 و5 ملايين مصري.

وأشار إلى أن السعودية تستضيف العدد الأكبر، الذي يتراوح بين مليون ومليوني مصري وقد يصل في بعض التقديرات إلى 2.5 مليون، إلى جانب نحو 350 إلى 400 ألف في الكويت، وما بين 250 و300 ألف في قطر، فضلًا عن أعداد كبيرة في الإمارات ودول خليجية أخرى.

وقال إن تحويلات المصريين في الخارج وصلت في بعض الفترات إلى نحو 35 مليار دولار سنويًا، وإن تراجع الأوضاع الاقتصادية في دول الخليج سيؤثر مباشرة في هذه التحويلات، التي تعد أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر.

أما الملف الثالث فهو قناة السويس، التي تراوحت إيراداتها، وفق ما طرحه، بين 8 و12 مليار دولار سنويًا في بعض الفترات.

وأوضح أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب والبحر الأحمر يؤدي إلى تراجع حركة السفن العابرة للقناة، خاصة مع تعرض الموانئ والمنشآت السعودية واليمنية وممرات نقل الطاقة للتهديد.

السودان والقرن الأفريقي

ربط عبد الشافي الدائرة المصرية بالسودان ودول حوض النيل والقرن الأفريقي، موضحًا أن الحرب السودانية المستمرة منذ 15 أبريل/ نيسان 2023 تراجعت على جدول الاهتمام الإقليمي والدولي بسبب التركيز على المواجهة مع إيران والأوضاع في اليمن والعراق والخليج.

وأكد أن هذا التراجع في الاهتمام لا يعني توقف عمليات تدمير البنية التحتية والثروات السودانية، بل يسمح باستمرارها بعيدًا عن المتابعة والضغط السياسي الكافي.

كما أشار إلى أن الصومال ودولًا أفريقية وعربية أخرى ستتأثر بتراجع المساعدات والاستثمارات الخليجية، بما في ذلك تونس والمغرب والجزائر وسوريا ولبنان، التي ترتبط اقتصاداتها بدرجات متفاوتة بدول مجلس التعاون الخليجي.

إسرائيل في مقدمة المستفيدين

وضع عبد الشافي إسرائيل في مقدمة الأطراف المستفيدة من اتساع الصراع، معتبرًا أن استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية والبشرية للدول العربية والإقليمية يصب في مصلحة المشروع الإسرائيلي.

وقال إن إسرائيل تستفيد من إضعاف لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية والكويت وتركيا، لأنها تسعى، وفق رؤيته، إلى فرض ترتيبات إقليمية جديدة تسمح لها بتوسيع نفوذها السياسي والأمني.

وأوضح أن تدمير البنية التحتية والقدرات الاقتصادية للدول المحيطة بإسرائيل يقلل قدرتها على الاعتراض أو الردع، ويمنح تل أبيب مساحة أوسع للتحرك.

كما اعتبر أن الفصل بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ونظيرتها الأمريكية أصبح أمرًا غير واقعي، مشيرًا إلى إقرار مجلس النواب الأمريكي في 22 يوليو 2026 مشروع موازنة دفاعية بقيمة تقارب 1.15 تريليون دولار.

وتحدث عن بنود تتعلق بتوسيع التكامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات التسليح والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذا التكامل يجعل إسرائيل جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة.

الولايات المتحدة وإدارة الاستنزاف

وضع عبد الشافي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية ضمن قائمة المستفيدين، مؤكدًا أنها توظف وجودها العسكري وقواعدها المنتشرة وتحالفاتها الإقليمية لإدارة موازين القوة والسيطرة على ممرات الطاقة والملاحة.

وأضاف أن استمرار التهديدات يدفع دول المنطقة إلى زيادة الإنفاق العسكري وشراء المزيد من الأسلحة وأنظمة الحماية الأمريكية، فضلًا عن تعزيز اعتمادها على واشنطن أمنيًا وسياسيًا.

كما يسمح الصراع للولايات المتحدة بالضغط على إيران واستنزافها، وفي الوقت نفسه إبقاء الدول العربية في حاجة دائمة إلى الحماية والتحالفات الخارجية.

إيران والدول العربية في دائرة الخسارة

في المقابل، أكد عبد الشافي أن إيران تتعرض لخسائر كبيرة في بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية والاقتصادية، بينما تتحمل الدول العربية خسائر مماثلة من خلال استهداف منشآتها ومطاراتها وموانئها ومصادر دخلها.

وحذر من الدعوات التي تدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران ودول الخليج، معتبرًا أن مثل هذه المواجهة لن تؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني أو تحقيق انتصار عربي حاسم.

واستشهد بالحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، وانتهت بوصول الطرفين إلى مرحلة الإنهاك واستنزاف قدراتهما العسكرية والاقتصادية دون تحقيق نصر كامل لأي منهما.

وأضاف أن المنطقة دخلت بعد الحرب في سلسلة جديدة من الأزمات، بدأت بالغزو العراقي للكويت، ثم فرض العقوبات والتعويضات والحصار على العراق، وإقامة مناطق حظر الطيران، وصولًا إلى الغزو الأمريكي عام 2003 وتسريح الجيش العراقي وحل حزب البعث وتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة.

معايير تحديد الرابحين والخاسرين

طرح عبد الشافي عددًا من المعايير التي يمكن من خلالها تقييم نتائج الصراع بعيدًا عن الدعاية والانحيازات السياسية.

ويأتي في مقدمتها حجم الخسائر البشرية التي يتحملها كل طرف، ومدى تعرض البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمياه والموانئ والمطارات للتدمير.

ويشمل التقييم كذلك قدرة الدولة على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، واستمرار صادراتها ومواردها المالية، وحماية خطوط التجارة والطاقة، ومنع انتقال الحرب إلى أراضيها.

كما يقاس الربح بقدرة الطرف على تحقيق أهدافه الاستراتيجية دون استنزاف طويل، بينما تقاس الخسارة بتراجع القدرات الاقتصادية والعسكرية، وزيادة الاعتماد على القوى الخارجية، وتعرض المجتمع للفقر والبطالة والهجرة وعدم الاستقرار.

ورأى أن الأنظمة السياسية، مهما طال بقاؤها، تظل مؤقتة، بينما تتحمل الشعوب أعباء تدمير الثروات والبنية التحتية لعقود طويلة.

قراءة بعيدة عن الشعبوية

خلص عبد الشافي إلى أن التعامل مع الصراع باعتباره مواجهة بين أنظمة يجب تأييد أحدها بصورة مطلقة يمثل قراءة ناقصة، لأن النتائج الحقيقية تقع على الشعوب والدول ومقدراتها.

وأكد أن الخلاف مع النظام الإيراني أو السعودي أو العراقي أو المصري لا ينبغي أن يتحول إلى قبول بتدمير قدرات هذه الدول أو جر شعوبها إلى حروب مفتوحة.

وحذر من أن أي مواجهة مباشرة واسعة بين السعودية وإيران قد تعيد إنتاج تجربة الحرب العراقية الإيرانية، لكن على نطاق أكثر تدميرًا، بسبب اتساع دائرة المصالح والمنشآت النفطية والممرات البحرية والقواعد العسكرية الموجودة في الخليج.

وشدد على أن القراءة الاستراتيجية تقتضي وقف مسارات الاستنزاف، والعمل على بناء منظومة أمن إقليمي تحمي استقلال الدول ومصالح الشعوب، بدلًا من ترك المنطقة ساحة مفتوحة للصراع الأمريكي الإيراني والتوسع الإسرائيلي.

وبحسب هذه القراءة، فإن الدول العربية وإيران وتركيا وشعوب المنطقة تقف في دوائر متفاوتة من الخسارة، بينما تتقدم إسرائيل والولايات المتحدة خريطة المستفيدين من استمرار الحرب وإضعاف القوى الإقليمية وتدمير بنيتها التحتية وقدراتها الاقتصادية والعسكرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى