
هناك بلدان نزورها بأعيننا، وهناك بلدان نسكنها في قلوبنا قبل أن تطأها أقدامنا. وكانت البوسنة والهرسك بالنسبة إليّ من الصنف الثاني. لم تبدأ علاقتي بالبوسنة في مطار سراييفو، ولا عند جسر موستار، ولا أمام نفق الأمل، بل بدأت قبل أكثر من ثلاثين عاما، عندما كنت طالبا في جامعة القاهرة خلال سنوات حرب البوسنة والهرسك.
يومها لم تكن البوسنة بالنسبة لنا خبرا عابرا في نشرات الأخبار، بل كانت قضية إنسانية وأخلاقية. شاركت مع زملائي في حملات التوعية، وعرض الأفلام الوثائقية، وجمع التبرعات، ومتابعة أخبار الحصار والمجازر، حتى أصبحت أسماء سراييفو وموستار وسربرنيتسا جزءا من وعينا ووجداننا.
ثم مضت الأعوام
وبعد واحد وثلاثين عاما تقريبا، شاء الله أن أزور هذه الأرض للمرة الأولى، وكأن القدر أراد أن تتحول الصفحات التي قرأتها إلى طرق أمشي عليها، وأن تصبح الصور التي حفظتها أماكن ألمسها بيدي.
زرت سراييفو، وموستار، وبلاغاي، ونفق الأمل، ووقفت في المواقع التي شهدت واحدة من أقسى الحروب الأوروبية في العصر الحديث.
لكن أكثر ما كنت أبحث عنه لم يكن حجرا ولا متحفا، وإنما كان سؤالا.
الخطاب القومي الصربي لم يولد من فراغ، وإنما غذته قرون من استحضار الهزائم التاريخية، وعلى رأسها معركة كوسوفو عام 1389، التي بقيت حاضرة في الأدب والأساطير والخطاب القومي حتى استُدعيت بعد ستة قرون تقريبا لتبرير سياسات الانتقام والتطهير العرقي ضد البوشناق
كنت أبحث عن الرواية التي تقدمها الدولة البوسنية للأجيال وللعالم: كيف بدأت الحرب؟ ولماذا وقعت؟ وكيف تجاوزها المجتمع؟ وما الدروس التي ينبغي أن تتعلمها الإنسانية منها؟ وللأسف، لم أجد متحفا وطنيا شاملا يقدم هذه السردية بصورة متكاملة.
وجدت متاحف صغيرة رائعة في جهود أصحابها، لكنها في معظمها مبادرات شخصية، تعرض مقتنيات وشهادات جزئية، ولا تقدم بانوراما تاريخية وفكرية متكاملة للحرب، ولا رؤية وطنية موحدة تتجاوز الحدث إلى معناه.
ولفت انتباهي أيضا أن الخطاب السياحي والثقافي ما زال يركز بصورة كبيرة على الألم: كيف قُتل الناس، وكيف حوصرت المدن، وكيف انتهكت الحرمات، وكيف ارتُكبت المجازر.
ولا شك أن هذا كله جزء من الحقيقة، ولا يجوز إنكاره أو التقليل من فظاعته، فالعدالة تبدأ من الاعتراف بالضحايا، ومن حفظ الذاكرة، ومن توثيق الجريمة حتى لا تتكرر.
لكن السؤال الأهم هو: هل يكفي أن نحفظ ذاكرة الألم؟
أخشى أن يكون الاكتفاء بهذا المدخل الضيق سببا في صناعة ذاكرة مثقلة بالغضب أكثر من كونها ذاكرة تبني المستقبل. لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الذاكرة، إذا لم تُصاحبها حكمة، فقد تتحول إلى وقود لصراع جديد.
وهذا ما حدث، بدرجة كبيرة، في البلقان نفسها. فالخطاب القومي الصربي لم يولد من فراغ، وإنما غذته قرون من استحضار الهزائم التاريخية، وعلى رأسها معركة كوسوفو عام 1389، التي بقيت حاضرة في الأدب والأساطير والخطاب القومي حتى استُدعيت بعد ستة قرون تقريبا لتبرير سياسات الانتقام والتطهير العرقي ضد البوشناق وغيرهم بعد تفكك يوغسلافيا.
سيكون هذا المتحف رسالة للبوسنيين قبل أن يكون رسالة للعالم، وسيصبح مقصدا للباحثين وصناع السلام، كما أصبحت جنوب أفريقيا مقصدا لكل من يريد أن يتعلم كيف تتحول المأساة إلى مدرسة إنسانية
لقد انتصرت الذاكرة الانتقامية على الحكمة السياسية، فكانت النتيجة واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
ولهذا فإن أعظم انتصار يمكن أن تحققه البوسنة اليوم ليس فقط أن تحفظ ذاكرة الضحايا، وإنما أن تمنع ولادة ضحايا جدد في المستقبل. لقد كان نفق الأمل شريان الحياة الذي أنقذ سراييفو أثناء الحصار.
واليوم تحتاج البوسنة إلى نفق آخر: نفق يعبر من ذاكرة الألم إلى صناعة الأمل. إن العالم لا يحتاج فقط إلى أن يسمع كيف وقعت المأساة، بل يحتاج أيضا إلى أن يتعلم كيف استطاع شعب أن ينهض بعدها.
كيف أعاد بناء دولته؟ وكيف استعاد الثقة؟ وكيف أعاد ترميم العلاقات الاجتماعية؟ كيف منع الكراهية من أن تصبح قدرا دائما؟ وما هي التحديات التي تهدد مستقبله الآن؟ وما هي جوانب الضعف التي تحتاج تقوية؟
هذه هي الرسالة التي تنتظرها الإنسانية من البوسنة.
ولعل تجربة جنوب أفريقيا تقدم هنا مثالا بالغ الأهمية. فبعد عقود من نظام الفصل العنصري، لم تُبنِ الدولة الجديدة مشروعها الوطني على تمجيد الألم، وإنما على كشف الحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية. وقد لخّص رئيس لجنة الحقيقة والمصالحة المطران ديزموند توتو هذه الفلسفة بقوله: “لا مستقبل من دون مسامحة”، بينما بقي الشعار العملي للتجربة: “نسامح، لكننا لا ننسى”. فالمسامحة لا تعني إنكار الجريمة، كما أن التذكر لا يعني البقاء أسرى لها.
إن البوسنة تملك من الرصيد الأخلاقي والإنساني ما يؤهلها لأن تقود هذا الخطاب العالمي. فقد دفعت ثمن الحرب باهظا، لكنها تستطيع أن تجعل هذا الثمن استثمارا في مستقبل الإنسانية
إن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في الحروب، وإنما بقدرتها على الانتصار على الكراهية بعد انتهاء الحروب. ومن هنا، فإنني أتمنى أن أرى يوما في سراييفو متحفا وطنيا عالميا، لا يروي فقط كيف مات الناس، بل كيف اختاروا الحياة؛ متحفا يشرح أسباب الحرب، وآليات صناعة الكراهية، وأخطاء السياسة، وخطورة القومية المتطرفة، ودروس العدالة الانتقالية، وتجارب المصالحة، وكيف يمكن للدول أن تحمي نفسها من الانزلاق مرة أخرى إلى الحرب الأهلية.
سيكون هذا المتحف رسالة للبوسنيين قبل أن يكون رسالة للعالم، وسيصبح مقصدا للباحثين وصناع السلام، كما أصبحت جنوب أفريقيا مقصدا لكل من يريد أن يتعلم كيف تتحول المأساة إلى مدرسة إنسانية.
إن البوسنة تملك من الرصيد الأخلاقي والإنساني ما يؤهلها لأن تقود هذا الخطاب العالمي. فقد دفعت ثمن الحرب باهظا، لكنها تستطيع أن تجعل هذا الثمن استثمارا في مستقبل الإنسانية.
إنها رسالة محب، لا رسالة ناقد. ورسالة زائر عاد من البوسنة وهو أكثر حبا لها مما كان قبل أن يزورها. وأمنيتي الصادقة أن تصبح هذه البلاد، التي علّمت العالم معنى الصبر، قادرة أيضا على أن تعلّمه معنى التجاوز، وأن تتحول من رمزٍ للمأساة إلى منارةٍ عالمية لبناء السلام. فأعظم انتصار ليس أن نتذكر كيف تألمنا، بل أن نعلّم العالم كيف لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
المصدر: الجزيرة







