
رحل سي الباجي في 25 جويلية 2019، في ذكرى قيام الجمهورية، رئيسًا لها، كما تمنّى ربما. وكانت جنازته، التي شيّعه فيها مئات الآلاف من التونسيين، غير مسبوقة في التاريخ الوطني، فيما أعلم؛ إذ لم يسبق لأي زعيم وطني، بما في ذلك الحبيب بورقيبة، لأسباب متعددة، أن حظي بمثل هذه الجنازة المهيبة. ولعلّ التفسير الأقرب إلى نفسي أن التونسيين شيّعوا معه، بصورة رمزية، جميع أولئك القادة الذين لم يتمكنوا، لظروف سياسية في الغالب، من أداء واجبهم الأخير تجاههم، ولم يرافقوهم إلى مثواهم الأخير بالطريقة التي تليق بمكانتهم.
وكان في تشييع الباجي قائد السبسي على هذا النحو الجماهيري نوعٌ من الاعتذار لهم؛ فالتونسيون، كسائر الشعوب الشرقية، عاطفيون، ولديهم استعداد لتجاوز كثير من الخلافات والصراعات في لحظات الوداع الأخيرة.
كان سي الباجي، في وجدان التونسيين، أكثر من رئيس للجمهورية؛ فقد كان يرمز، في نظرهم، إلى مختلف العهود التي مرّت بها البلاد منذ الاستقلال وقيام الدولة الوطنية. وبعد الثورة، وما رافقها من لحظات تيه وضياع أعقبت سقوط النظام السابق، احتلّ في مخيالهم مكانة “أب الأمة” ومرجعها عند اختلال التوازنات والحاجة إلى سند سياسي ومعنوي.
ولهذا تحوّل إلى شخصية وطنية جامعة لمختلف مكوّنات المشهد السياسي، بأحزابه وتياراته ومنظماته ونقاباته. وكان يتقن أداء هذا الدور بامتياز، من خلال قدرته على بعث رسائل الطمأنة في أحلك الأزمات، مهما بلغت درجة تعقيدها. وكان اعتداله وتوسّطه، في الخطاب كما في الممارسة، أداته الأساسية في صناعة التوافقات وإيجاد الحلول للمشكلات الطارئة. لذلك شكّل فقدانه، في الوجدان الجمعي، خسارةً لهذا السند، وضربةً لخط الاعتدال الذي يحتاج إليه كل مشروع ديمقراطي، ولا سيما في مراحله الأولى، حين يكون هشًّا تتقاذفه أعاصير الداخل والخارج معًا.
سار التونسيون في جنازة سي الباجي، المناضل الشاب من أجل الاستقلال، وأحد كبار تلامذة الزعيم الحبيب بورقيبة، وأحد المساهمين في بناء الجمهورية، ثم أحد أبرز مهندسي مسار الانتقال الديمقراطي، وهم يستحضرون، كما قلت، أرواح زعماء آخرين. استحضروا المنصف باي، “ملك الشعب”، الذي خلعه الاستعمار عن عرشه ودفعه إلى المنفى ليموت بعيدًا عن وطنه، واستحضروا الحبيب بورقيبة، الذي رحل عن الدنيا بعد أن أُبعد عن السلطة في انقلاب أبيض، وقضى أكثر من عقد في إقامة جبرية بمسقط رأسه في المنستير، ولم ينل الجنازة التي تليق بتاريخه، إذ كان نظام بن علي يخشى أي تحرّك جماهيري، حتى وإن تعلّق الأمر بتشييع ميّت. كما استحضروا قادة آخرين رحلوا في سياقات صعبة ومعقّدة، وربما طواهم النسيان قبل أن يُردّ إليهم الاعتبار.
وكان ذلك قدر كثير ممن ضحّوا من أجل تونس الحرّة والمستقلة والديمقراطية، فلم يعرف التونسيون أقدارهم إلا بعد رحيلهم. أمّا سي الباجي، فلم يكن ذلك قدره.
ولطالما رأيت أن أحداثًا كثيرة يعجز العقل المجرد عن تقديم تفسير شافٍ لها، فلا يجد المؤمن بالله، مثلي، ملجأً إلا ردّها إلى الأقدار والألطاف الإلهية. وقد عدّ بعض خصومي في السياسة ذلك مثلبة، إذ يرون أن رجل السياسة ينبغي ألا يكون “غيبياً” أو “روحانياً”. غير أنني، كلما لاحظت عجز الأدوات العقلية عن تفسير بعض الوقائع، وجدت نفسي أميل إلى هذا الأفق الإيماني. وكانت جنازة سي الباجي، في تقديري، إشارة إضافية تعزّز هذا الاعتقاد، وتؤكد أن الإنسان قد يعجز أحيانًا عن تقديم تفسير مقنع لوقائع محيّرة أو مثيرة للتساؤل.
ولذلك اخترت، عندما أبّنت سي الباجي في مقال نشرته عقب مشاركتي في جنازته والصلاة عليه، عنوانًا أثار حفيظة بعضهم، هو: “الباجي بين زاويتين”. ولم أقصد بالزاوية معناها الهندسي، وإنما معناها الصوفي؛ فالزاوية، في المعجم المغاربي، هي الطريقة الصوفية أو التكية. وقد تصادف أن سي الباجي وُلد في “زاوية سيدي أبي سعيد الباجي”، الولي الصالح الذي حمل اسمه، ودُفن في “زاوية سيدي أبي الحسن الشاذلي”، صاحب الطريقة الشاذلية الشهيرة. وتمثّل الزاويتان معلمين بارزين في جغرافيا العاصمة التونسية؛ فالأولى تقع على الضفة الشمالية لبحيرة تونس، والثانية على ضفتها الجنوبية، وتبدو كل واحدة منهما كأنها تشرف على الأخرى، وكأنهما معًا بوابتا الحراسة الروحية لهذه المدينة العريقة، بما تختزنه من تراث روحي خالد.
لقد خيّم على التونسيين، لحظة الإعلان عن وفاة رئيسهم الشيخ، الذي عاد إلى السياسة بعد الثورة ليلعب دورًا محوريًا في رسم مصير البلاد وهو يناهز السادسة والثمانين من عمره، شعورٌ عارم بأنهم يطوون صفحةً كاملة من تاريخهم، وأن تونس بعده لن تكون كما كانت قبله. وربما كانوا، في الوقت ذاته، يستشعرون أنهم يفتحون صفحة جديدة، ستكون في بداياتها مختلفة الملامح عن تلك التي جسّدها الرجل، الذي بدا وكأنه خليط من كل شيء فيهم: من الملكية التي خدمها آباؤه وأجداده، والجمهورية التي خدمها هو؛ ومن الاستبداد السياسي الذي عاشه منذ الاستقلال، والديمقراطية التي ناضل من أجلها قبل الثورة وبعدها؛ ومن تناقضات أخرى كثيرة، صاغت شخصيته كما صاغت شخصية شعبه.
ولعلّ هذا البناء الذاتي والوطني ما كان ليكتسب معناه لولا ذلك الميل، العقلي والعاطفي في آنٍ واحد، إلى الوسطية. فقد كان سي الباجي يكثر، في خطاباته، من ترديد قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وكأن هذه الآية كانت، في جانب منها، تلخّص رؤيته للدولة والسياسة، كما تلخّص كثيرًا من ملامح شخصيته.







