
لا أعتقد أن شعبًا فرّط في تاريخه وسمح بطمسه كما فعل المصريون. تاريخ يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، حافل بالملاحم والثورات والشخصيات التي غيّرت مجرى العالم، ومع ذلك تكاد الأعمال الفنية المصرية تخلو منه، بينما تُنفق الملايين على تقديم شخصيات هامشية أو شبه أسطورية لا تنتمي إلى هذه الأرض ولا تعبر عن تاريخها.
أكذوبة «الشعب الخانع»
من أكثر الاتهامات التي يُعاير بها المصريون الادعاء بأنهم شعب رضخ لكل محتل ولم يثر يومًا. غير أن التاريخ المكتوب، حتى بأقلام مؤرخين يونانيين ورومان، يقول عكس ذلك تمامًا.
في مواجهة الاحتلال الفارسي، قاد الأمير المصري إناروس بن بسماتيك ثورة كبرى في منطقة الدلتا نحو عام 460 قبل الميلاد، ضد الإمبراطورية الفارسية، وتمكن من هزيمة جيشها وقتل قائده أخمينيس، شقيق الملك أرتحشستا.
وظلت الثورة مشتعلة لسنوات قبل أن تتمكن القوات الفارسية من إخمادها. ثم جاء أميرتايوس عام 404 قبل الميلاد، فأنهى الحكم الفارسي وأسّس الأسرة الثامنة والعشرين، لتستعيد مصر استقلالها بأيدي أبنائها.
وفي عصر البطالمة، الذين يُصوّرون أحيانًا وكأن المصريين تقبلوا حكمهم دون مقاومة، اندلعت واحدة من أطول الثورات في التاريخ المصري القديم، وهي ثورة الصعيد بقيادة حور-ون-نفر، ثم خليفته عنخ-ون-نفر، المعروفين في المصادر اليونانية باسمَي حرونفريس وخاأونوفريس.
وأعلن القائدان نفسيهما فرعونين شرعيين، وحكما جنوب مصر بصورة مستقلة عن الإسكندرية قرابة عشرين عامًا، خلال الفترة من 205 إلى 186 قبل الميلاد، ولم يتمكن البطالمة من استعادة السيطرة على الصعيد إلا بعد مواجهات طويلة وشاقة.
المصريون والرومان.. ثورة وراء ثورة
أما في ظل الحكم الروماني، فإن سجل المقاومة المصرية كان أطول وأكثر دموية.
فمنذ السنوات الأولى لدخول الرومان مصر، اندلعت ثورة في الصعيد عام 29 قبل الميلاد، بعد نحو عام واحد من استيلاء أوكتافيوس على البلاد، ما اضطر أول والٍ روماني على مصر، كورنيليوس جالوس، إلى قيادة حملة عسكرية لإخماد الثورة في طيبة، وتسجيل انتصاره في نقش أقامه بجزيرة فيلة.
وفي عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس، اندلعت ثورة البوكولوي، أو ثورة الرعاة، عام 172 ميلادية في الدلتا، بقيادة الكاهن المصري إيسيدوروس.
ونجح الثوار في هزيمة عدد من الحاميات الرومانية، واقتربوا من السيطرة على الإسكندرية، حتى اضطرت روما إلى استدعاء أحد أبرز قادتها في الشرق، أفيديوس كاسيوس، على رأس قوات قادمة من سوريا لإخماد الثورة، بعدما عجزت القوات المحلية عن احتوائها.
وفي عام 215 ميلادية، واجه أهل الإسكندرية الإمبراطور كاراكلا بالسخرية والهجاء العلني، فكان رد الإمبراطور مذبحة واسعة أطلق خلالها جنوده يد القتل في شباب المدينة، عقابًا لأهلها على جرأتهم ورفضهم الانحناء.
ثم اندلعت الثورة الكبرى عام 297 ميلادية، عندما أعلن دوميتيوس دوميتيانوس، ومعه أوريليوس أخيليوس، التمرد على روما والسيطرة على مصر.
ولم يكتفِ الإمبراطور دقلديانوس بإرسال والٍ أو قائد عسكري، بل حضر بنفسه على رأس جيشه، وفرض حصارًا على الإسكندرية استمر نحو ثمانية أشهر، قبل أن تسقط المدينة عام 298 ميلادية.
وأعقب ذلك بطش شديد ارتبط باسم دقلديانوس في الذاكرة القبطية، حتى اتخذت الكنيسة القبطية بداية حكمه عام 284 ميلادية نقطة انطلاق لتقويم الشهداء، الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم.
المقاومة بالإيمان.. أثناسيوس ضد العالم
وعندما تحولت المواجهة من السيف إلى العقيدة، أنجبت مصر البابا أثناسيوس الرسولي، بطريرك الإسكندرية الذي عاش خلال الفترة من نحو 296 إلى 373 ميلادية، ووقف في مواجهة أباطرة روما وبيزنطة دفاعًا عن عقيدته.
تعرض أثناسيوس للنفي خمس مرات على يد أربعة أباطرة متعاقبين، هم قسطنطين وقسطنطيوس الثاني ويوليانوس وفالنس.
وفي كل مرة، كان المصريون ورهبان الصحراء يخفونه ويوفرون له الحماية ويرفضون تسليمه، حتى تحولت العبارة الشهيرة «أثناسيوس ضد العالم» إلى رمز تاريخي لصموده.
فأي شعب خانع هذا الذي يتحدى إمبراطورية كاملة لعقود دفاعًا عن رجل واحد وعن عقيدته؟
عظماء لم تصنع لهم السينما مشهدًا واحدًا
هذا جانب من تاريخ المقاومة وحدها، فماذا عن تاريخ المجد والبناء والحضارة؟
قاد أحمس الأول حرب تحرير مصر من الهكسوس نحو عام 1550 قبل الميلاد، مستكملًا معركة بدأت مع جده سقنن رع، الذي قُتل خلال المواجهات، ولا تزال مومياؤه تحمل آثار الضربات التي تلقاها في رأسه، ثم واصل شقيقه كامس القتال من بعده.
ثلاثة أجيال من أسرة واحدة خاضت معركة التحرير، وقدمت دماءها من أجل استعادة البلاد، في ملحمة درامية متكاملة لم تجد طريقها إلى شاشة السينما المصرية بالصورة التي تليق بها.
أما تحتمس الثالث، الذي حكم بين عامي 1479 و1425 قبل الميلاد، فيطلق عليه بعض المؤرخين لقب «نابليون الشرق»، وهي مقارنة قد تظلمه؛ فنابليون هُزم وانتهى منفيًا، بينما خاض تحتمس الثالث سبع عشرة حملة عسكرية، ولم يُهزم في واحدة منها.
وقاد معركة مجدو عام 1457 قبل الميلاد، التي تعد أول معركة موثقة بتفاصيلها في تاريخ البشرية، وأقام واحدة من أوسع الإمبراطوريات المصرية، امتدت من الفرات شمالًا إلى أعماق النوبة جنوبًا.
وحكمت الملكة حتشبسوت، بين عامي 1479 و1458 قبل الميلاد، واحدة من أقوى دول العالم القديم لأكثر من عشرين عامًا، شهدت خلالها مصر حالة من السلام والازدهار والعمارة والتجارة.
وأرسلت بعثتها الشهيرة إلى بلاد بونت، وشيدت معبد الدير البحري، الذي لا يزال شاهدًا على عبقرية المعمار المصري القديم.
أما رمسيس الثاني، فقاد معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد، قبل أن تشهد مصر والحيثيون إبرام واحدة من أقدم معاهدات السلام المكتوبة في التاريخ، وتوجد نسخة منها معروضة في مقر الأمم المتحدة.
ماذا صنعت السينما المصرية؟
في المقابل، أمضت السينما المصرية عقودًا في تقديم وتمجيد شخصيات لا تنتمي إلى هذا التاريخ، وأنتجت أفلامًا مثل «الشيماء» عام 1972، و«عنترة بن شداد» عام 1961، إلى جانب عشرات الأعمال التي تناولت أبطالًا وشخصيات من خارج مصر.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة تلك الشخصيات أو قصصها، وإنما بالسؤال عن غياب أحمس وتحتمس الثالث وحتشبسوت وثورات المصريين ضد الفرس والبطالمة والرومان عن الشاشة المصرية.
لماذا لم يُنتج عمل درامي كبير عن حرب تحرير مصر من الهكسوس؟ ولماذا لم تتحول معركة مجدو إلى ملحمة سينمائية؟ وأين ثورات الصعيد والإسكندرية والدلتا من الدراما المصرية؟
الاستثناء الأبرز كان المخرج شادي عبد السلام وفيلمه «المومياء» عام 1969، الذي أصبح واحدًا من أهم أفلام السينما المصرية والعربية، وحظي بمكانة مرموقة لدى النقاد عالميًا.
وأمضى شادي عبد السلام أكثر من عقد في الإعداد لمشروع عمره، فيلم «إخناتون»، فكتب السيناريو، ورسم تصميمات المشاهد والملابس بيده، لوحة بعد أخرى، لكنه رحل عام 1986 دون أن يجد جهة تمول مشروعه.
حدث ذلك في وقت كانت تُنتج فيه عشرات الأفلام الاستهلاكية، بينما ظل مشروع تاريخي كبير عن واحدة من أكثر الشخصيات المصرية إثارة للجدل حبيس الأوراق.
أما هوليوود، فلم تتردد في تقديم أفلام مثل «الوصايا العشر» عام 1956، و«كليوباترا» عام 1963، و«الخروج: آلهة وملوك» عام 2014، لتروي تاريخ مصر بوجوه أجنبية ومن خلال رؤية أجنبية، بينما اكتفى المصريون بالمشاهدة.
أعظم قصة لم تُروَ بعد
الشعوب تصنع صورتها عن نفسها من خلال حكاياتها. وحين يكبر الطفل المصري وهو يعتقد أن أجداده كانوا عبيدًا يجرون الأحجار، وأنهم شعب خضع لكل غازٍ، فذلك ليس لأن التاريخ يقول هذا.
التاريخ الموثق يقول العكس، بالأسماء والتواريخ والمعارك والثورات، لكن المشكلة أن أحدًا لم يروِ لهذا الطفل القصة الحقيقية.
السؤال، إذن، ليس: لماذا يجهل المصريون تاريخهم؟ بل أين الفن المصري، وأين صنّاع السينما والدراما، من أعظم قصة لم تُروَ بعد؟







