موسم الحرائق يلتهم الغابات.. من جنوب المتوسط إلى كندا

صيف تحت رحمة النيران، فلم تعد حرائق الغابات حوادث موسمية معزولة، بل أصبحت مشهدًا يتكرر كل صيف في عدد متزايد من دول العالم. فمن جنوب البحر المتوسط إلى شماله، ثم عبر المحيط إلى أمريكا الشمالية، تتسع رقعة الحرائق عامًا بعد آخر، مدفوعة بارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح، لتتحول إلى واحدة من أخطر التحديات البيئية التي تواجه الحكومات وفرق الإنقاذ.
الجزائر.. استنفار واسع لمواجهة النيران
تواصل الجزائر مواجهة موجة واسعة من حرائق الغابات امتدت إلى عدد من الولايات، وسط استمرار حالة الاستنفار التي أعلنتها الحماية المدنية منذ أسابيع.
ووفق أحدث حصيلة، تمكنت فرق الحماية المدنية من إخماد 45 حريقًا من أصل 63 حريقًا تم تسجيلها خلال أربع وعشرين ساعة، شملت حرائق غابات وأحراش ومحاصيل زراعية.
ورغم نجاح فرق الإطفاء في احتواء معظم البؤر، أسفرت الحرائق عن وفاة شخصين، إلى جانب تسجيل خسائر في بعض المساحات الغابية والزراعية.
وأمام تطورات الموقف، وجّه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بحصر الأضرار وتعويض المتضررين، مع استمرار عمليات التدخل البري والجوي، وتعزيز المراقبة في الولايات الأكثر عرضة لاشتعال الحرائق.
تونس.. خسائر غابية أكبر من العام الماضي
شهدت تونس خلال الأسابيع الماضية واحدة من أكثر موجات حرائق الغابات نشاطًا، خاصة في ولايات الشمال والشمال الغربي.
وبحسب البيانات الرسمية، أتت الحرائق منذ بداية مايو وحتى أواخر يوليو على نحو 4400 هكتار من الغابات، مقارنة بنحو 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على اتساع رقعة الأضرار.
وخلال هذه الفترة، سُجل 75 حريقًا داخل الغابات و108 حرائق في المناطق الشجيرية، وكانت ولايات زغوان وبنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة من أكثر المناطق تضررًا.
ورغم ذلك، تمكنت فرق الحماية المدنية، بدعم من الجيش، من السيطرة على معظم البؤر، كما ساهم تحسن الأحوال الجوية وهطول الأمطار في احتواء عدد من الحرائق، فيما استمرت عمليات المراقبة لمنع تجدد اشتعال النيران، دون تسجيل وفيات بشرية مرتبطة بهذه الموجة.
المغرب.. حرائق محدودة تحت السيطرة
في المغرب، شهدت عدة مناطق غابوية، خاصة في شمال البلاد وبعض المناطق الجبلية، اندلاع حرائق متفرقة خلال الأيام الماضية.
واستمرت عمليات الإطفاء لساعات قبل أن تتمكن السلطات من السيطرة على معظم البؤر، بينما اقتصرت الخسائر على مساحات محدودة من الغطاء الغابوي، دون تسجيل خسائر بشرية.
وشاركت فرق المياه والغابات والوقاية المدنية والسلطات المحلية في عمليات الإخماد، مع استمرار مراقبة المناطق المتضررة تحسبًا لعودة اشتعال النيران في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة.
الضفة الشمالية للمتوسط.. أرقام أكبر وخسائر أوسع
إذا كانت دول جنوب المتوسط قد واجهت موجات حرائق متفاوتة، فإن المشهد على الضفة الشمالية بدا أكثر اتساعًا من حيث المساحات المتضررة والخسائر.
إسبانيا
تواصل إسبانيا مواجهة واحدة من أكبر الأزمات البيئية هذا الصيف، بعدما أتت الحرائق منذ بداية الموسم على أكثر من 200 ألف هكتار من الغابات والمساحات الطبيعية.
كما شهدت عدة مناطق عمليات إجلاء واسعة، في ظل استمرار موجات الحر والرياح القوية، بينما سجلت السلطات 13 حالة وفاة مرتبطة بحرائق الغابات خلال الموسم الحالي.
وتواصل الحكومة الإسبانية نشر آلاف من رجال الإطفاء والطوارئ، إلى جانب الاستعانة بالدعم الأوروبي، مع استمرار التحذيرات من اندلاع بؤر جديدة.
فرنسا
لا تزال فرنسا تواجه واحدًا من أصعب مواسم الحرائق خلال السنوات الأخيرة.
فقد احترقت أكثر من 116 ألف هكتار منذ بداية الموسم، خاصة في مناطق الجنوب، حيث دفعت الحرائق السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة، بينما واصل أكثر من 1400 رجل إطفاء، بدعم من الجيش والطائرات المتخصصة، جهود السيطرة على النيران.
ورغم احتواء عدد من الحرائق الكبرى، فإن موجات الحر والرياح القوية ساهمت في اندلاع بؤر جديدة، ما أبقى حالة الاستنفار قائمة.
اليونان
دخلت اليونان بقوة على خريطة حرائق هذا الصيف، بعدما اندلعت حرائق واسعة في عدة مناطق، بينها محيط العاصمة أثينا.
وأجبرت الحرائق السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء احترازية وإغلاق عدد من الطرق، كما شهدت جهود الإطفاء حادثًا مأساويًا إثر اصطدام مروحيتين أثناء المشاركة في مكافحة النيران، في حادث سلط الضوء على المخاطر التي تواجهها فرق الإنقاذ خلال موسم الحرائق.
كندا.. حرائق بمقياس مختلف
بعيدًا عن أوروبا، تواجه كندا موسمًا استثنائيًا من الحرائق، حيث لا تزال مئات الحرائق مشتعلة في عدد من المقاطعات.
وتجاوزت المساحات التي التهمتها النيران 3.7 مليون هكتار منذ بداية الموسم، بينما تواصل السلطات إصدار أوامر الإجلاء في عدد من المناطق، مع استمرار مشاركة الطائرات وفرق الإطفاء، وسط تحذيرات من أن الظروف المناخية الحالية قد تؤدي إلى استمرار موسم الحرائق خلال الأسابيع المقبلة.
المشهد الأكبر
عند وضع هذه الأرقام جنبًا إلى جنب، يتضح أن العالم لا يواجه حرائق متفرقة في دول متباعدة، بل يعيش موسمًا واسع النطاق يمتد من جنوب البحر المتوسط إلى شماله، ثم يعبر المحيط إلى أمريكا الشمالية.
ورغم اختلاف حجم الخسائر من دولة إلى أخرى، فإن العوامل تكاد تكون واحدة؛ ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف طويل، وغطاء نباتي سريع الاشتعال، ورياح قادرة على تحويل شرارة صغيرة إلى حريق هائل خلال ساعات.
ورغم نجاح العديد من الدول في السيطرة على بؤر متعددة، فإن اندلاع حرائق جديدة بصورة متكررة يؤكد أن الأزمة لم تعد موسمية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت تحديًا مستمرًا.
هل أصبح موسم الحرائق واقعًا جديدًا؟
تشير المؤشرات إلى أن حرائق الغابات لم تعد مجرد كوارث محلية، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية تتكرر بوتيرة متزايدة، وتفرض ضغوطًا كبيرة على الحكومات والموارد البيئية والاقتصادات.
ومع استمرار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، يتزايد القلق من أن يصبح كل صيف موسمًا جديدًا للنيران، وأن تتحول حرائق الغابات إلى واحدة من أبرز التحديات التي سيواجهها العالم خلال العقود المقبلة.





