شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب… إبراهيم شكري… ابن الباشا الشهيد الحي، الذي شهد على زواجي


بعض الرجال يولدون مرتين… مرة من أرحام أمهاتهم، ومرة من جراح أوطانهم. أما الأستاذ إبراهيم شكري، فهو من طراز فريد؛ حيث لم يولد مرتين، ولكنه مات مرتين!

فلم يكن لقب «الشهيد الحي»، الذي لازم المهندس إبراهيم شكري، لقبًا صنعته الصحافة، ولا عبارةً أطلقها شاعر، ولا وسامًا منحته سلطة. لقد كتبه الدم. في إحدى المظاهرات الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، سقط الشاب إبراهيم محمود شكري مضرجًا بدمائه. حمله زملاؤه إلى مستشفى قصر العيني، وقد ظنوا أن الرحلة انتهت، وأن رفيقهم أصبح شهيدًا. لكن الموت تراجع خطوة. فتح إبراهيم شكري عينيه، وتنفس من جديد، فقال أحد رفاقه: «لقد عاد الشهيد إلى الحياة». ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يحمل اسمًا فقط، بل حمل لقبًا ظل أكبر من كل المناصب التي شغلها بعد ذلك: الشهيد الحي. ولم يكن يدري أن حياته كلها ستكون وفاءً لهذا اللقب.

وبعد أكثر من أربعين عامًا من ذلك اليوم، وقف هذا «الشهيد الحي» شاهدًا على عقد زواجي. لم أكن يومها أرى فيه وزيرًا سابقًا، ولا رئيس حزب، بل رجلًا كريمًا جاء يشارك شابًا فرحته. لكن الزمن وحده هو الذي علمني أن الرجل لم يكن شاهدًا على بداية أسرة فحسب، بل كان شاهدًا على بداية رحلة كاملة من حياتي، بكل ما حملته من آمال، وانتصارات، وانكسارات، وسجون، ومنافٍ، ويقين لم يتغير بأن السياسة يمكن أن تبقى شريفة، وأن الوطنية يمكن أن تظل نظيفة مهما اشتدت العواصف.

أمامي الآن صورة قديمة تعود لعام ١٩٨٩. ربما ليست أجمل صورة في ألبوم زفافي… بل ربما أغلاها.

فيها أجلس إلى جوار عروسي، ويقف بجانبنا المهندس إبراهيم شكري، وإلى جواره الأستاذ مصطفى كامل مراد، رئيس حزب الأحرار الاشتراكيين. كلما تأملتها، لا أرى حفلًا، ولا مناسبة اجتماعية.

أرى وطنًا. أرى زمنًا كانت السياسة فيه تعرف كيف تختلف، دون أن تفسد المحبة، وكانت الأحزاب تتنافس، دون أن تفقد احترامها لبعضها، وكانت مصر تتسع للجميع.

أكتب هذه السطور في ذكرى رحيل إبراهيم شكري، فبعد غدٍ تعود ذكراه، لا لتوقظ الحزن، بل لتوقظ الضمير. فالرجال من طرازه لا يتحولون إلى تاريخ محفوظ في الكتب، بل إلى موازين نقيس بها أنفسنا كلما اختلطت علينا الطرق، وكلما ضاقت السياسة، اتسعت الذاكرة.

لم يكن إبراهيم شكري بالنسبة لي وزيرًا سابقًا، ولا رئيس حزب فقط، ولا صاحب أول مشروع للإصلاح الزراعي في مصر. كان قيمة تمشي على الأرض. وكان مدرسة كاملة تعلمت منها أن الوطنية لا تُقاس بعدد الخطب، ولا بطول المواكب، ولا بعلو الأصوات، بل بقدرة الإنسان على أن يخسر كل شيء… إلا نفسه.

وُلد منذ ١١٠ سنوات، في عام ١٩١٦، في شربين، لأسرة من كبار الباشاوات. وكان أبوه محمود باشا شكري من كبار رجال الدولة، وكانت الحياة قد مهدت له طريقًا واسعًا نحو الثراء والجاه. لكن الرجال الحقيقيين لا يقيسون حياتهم بما ورثوه، بل بما يضيفونه إلى ميراثهم. وكانت أول ثورة قام بها إبراهيم شكري ثورة على طبقته. ابن الباشا الذي وقف في صف الفلاح، وابن كبار ملاك الأرض الذي كتب أول مشروع للإصلاح الزراعي قبل أن تعرفه ثورة يوليو بسنوات. ولذلك لم يكن مشروعه قانونًا فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا، وانتصارًا نادرًا للعدل على المصلحة.

كثيرًا ما سألت نفسي: كيف يستطيع إنسان أن يقف ضد الامتيازات التي وُلد فيها؟ ثم أدركت أن التربية قد تصنع أبناء الطبقات، أما الضمير فهو وحده الذي يصنع الرجال. وكان إبراهيم شكري واحدًا من هؤلاء. لم يكن يبحث عن شعبية، ولا عن تصفيق، بل عن عدالة. وكان يؤمن أن الأرض التي لا تصل إلى يد الفلاح، لن تعطي الوطن خيرها كله.

تخرج في كلية الزراعة عام ١٩٣٩، لكن الزراعة عنده لم تكن علمًا فقط، بل فلسفة. وكان الفلاح، في نظره، ليس مجرد منتج، بل صاحب حق، وكانت الأرض وطنًا صغيرًا، إذا ضاع من صاحبه ضاع معه شيء من الوطن الكبير. ولهذا ظل مشروع الإصلاح الزراعي يسكن وجدانه سنوات طويلة، حتى صار عنوانًا من عناوين حياته.

كلما اقتربت منه، ازددت يقينًا أن التواضع لا يُكتسب، بل يولد مع أصحابه. كان شديد الحياء، هادئ الصوت، قليل الكلام، بعيدًا عن استعراض البطولة. حتى إن كثيرين كانوا يخرجون من لقائه وهم يشعرون أنهم التقوا رجلًا صالحًا، أكثر مما التقوا سياسيًا. ولعل أعظم ما فيه أنه لم يسمح للسياسة أن تسرق منه الإنسان.

لم يكن غريبًا، بعد ذلك، أن ينجح إبراهيم شكري في واحدة من أصعب التجارب الإدارية في تاريخ مصر الحديث. حين كُلِّف بالوادي الجديد، لم يذهب إليها بوصفها محافظة نائية على أطراف الدولة، بل ذهب إليها كما يذهب الفلاح إلى أرض بكر، يرى فيها ما لا يراه الآخرون. كانت الصحراء يومها صامتة، وكانت الطرق بالكاد تُرى، وكان اسم «الواحات» أقرب إلى ذاكرة المصريين من اسم «الوادي الجديد». لكن إبراهيم شكري لم يكن يرى الرمال… كان يرى مستقبلًا ينتظر من يؤمن به.

لم ينتظر طريقًا ممهدًا، ولم يطلب سيارة فارهة، ولم يشترط مكتبًا مكيفًا. ركب سيارة نقل التموين، وجلس إلى جوار السائق، بينما جلس كبار المسؤولين في الصندوق الخلفي على مقاعد خشبية. لم يكن ذلك استعراضًا للتواضع، فالمتواضعون لا يعرفون الاستعراض. كان يريد أن يرى بعينيه ما يكتبه الناس في تقاريرهم، وأن يسمع من أهل المكان قبل أن يسمع من موظفيه. كان يؤمن أن المسؤول الذي لا يغبر حذاءه بتراب الأرض، لن يستطيع أن يبنيها.

لم يكن يبني محافظة فقط، بل كان يبني ثقة. شُقت الطرق، وحُفرت الآبار، وامتدت القرى، وتحولت الصحراء شيئًا فشيئًا إلى وعد بالحياة. وحين أقنع الرئيس أنور السادات بزيارة الفرافرة، لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل كان يريد أن يلفت أنظار الدولة إلى جزء من جسدها ظل طويلًا بعيدًا عن الضوء. وهكذا دخل الوادي الجديد زمنًا جديدًا، لأن رجلًا آمن به قبل أن يؤمن به الآخرون.

وحين انتقل إلى وزارة الزراعة، شعرت، كلما قرأت تلك المرحلة، أن الوزارة هي التي تشرفت به، لا العكس. كان يحمل إلى الوزارة مشروعًا قبل أن يحمل حقيبة. وكان يرى أن المنصب وسيلة لخدمة الفكرة، لا الفكرة وسيلة للوصول إلى المنصب. ولهذا لم يتعلق بالكرسي يومًا، ولم يسمح للكرسي أن يتعلق به.

ثم جاءت اللحظة التي تكشف معادن الرجال. ترك الوزارة بإرادته ليؤسس حزب العمل. وفي زمن كان كثيرون يغادرون أحزابهم بحثًا عن حقيبة وزارية، غادر إبراهيم شكري الوزارة بحثًا عن فكرة. كان ذلك واحدًا من أكثر المواقف التي علمتني أن السياسة ليست فن البقاء في السلطة، بل فن البقاء وفيًا للمبدأ.

لم يكن حزب العمل بالنسبة إليه مجرد حزب جديد، بل محاولة لإحياء ضمير الحركة الوطنية. وحين اختار للحزب طريقه، لم يكن يفكر في عدد المقاعد، بل في عدد الضمائر التي يمكن أن يوقظها. ثم جاءت سنوات الصدام، وجاء قرار تجميد الحزب وإغلاق جريدة «الشعب»، فرأيت الرجل كما عرفته دائمًا؛ هادئًا، ثابتًا، لا يغضب لنفسه، بل يغضب لأن بابًا من أبواب الحرية أُغلق في وجه الوطن.

تعلمت منه أن المعارضة ليست خصومة، بل مسؤولية. وأن الاختلاف مع السلطة لا يعني الاختلاف مع الدولة. وأن الوطن يتسع لأكثر من رأي، لكنه لا يحتمل أن يحتكر أحد الحقيقة وحده. وكان يؤمن أن السياسة إذا فقدت أخلاقها تحولت إلى تجارة، وإذا فقدت ضميرها تحولت إلى صراع على الغنائم، أما إذا بقيت وفية لمبادئها، فإنها تصبح رسالة يعيش الإنسان من أجلها، لا منها.

أكثر ما كان يأسرني فيه تلك البساطة التي لم تغادره يومًا. كانت سيارته الفولفو الزرقاء جزءًا من شخصيته، يقودها بنفسه من مؤتمر إلى مؤتمر، ومن محافظة إلى أخرى، ومن قرية إلى قرية. لا موكب، ولا حراسة، ولا صفارات، ولا حواجز بينه وبين الناس. وكان هذا المشهد، في نظري، أبلغ من ألف خطبة عن التواضع.

ومن المصادفات التي لم تغادر ذاكرتي، أن سيارة والدي كانت تحمل الرقم (٩٥)، وسيارة أبي الروحي فؤاد سراج الدين باشا كانت تحمل الرقم (٩٧)، أما سيارة إبراهيم شكري فكانت تحمل الرقم (٩٨). قد يراها غيري مجرد أرقام متجاورة، لكنني كلما تذكرتها، رأيت وجوهًا لا أرقامًا، ورأيت جيلًا كاملًا من الرجال الذين اختلفوا في الاجتهاد، واتفقوا على احترام أنفسهم واحترام وطنهم. وربما لهذا السبب بقيت تلك الأرقام في ذاكرتي، لأنها لم تكن أرقام سيارات… بل علامات طريق.

كان يمكن لإبراهيم شكري أن يعيش حياة أكثر راحة. وكان يمكن أن يساوم. وكان يمكن أن يهادن. وكان يمكن أن يكتفي بما حققه من مكانة، ويجلس في آخر العمر يتأمل ما مضى. لكنه لم يُخلق لهذا الطريق. كان من أولئك الرجال الذين ينامون مطمئنين على وسادة الضمير، ولو دفعوا ثمن ذلك من أعمارهم وأحلامهم. ولهذا ظل، حتى آخر يوم في حياته، منحازًا إلى الفكرة… لا إلى المنصب، وإلى الوطن… لا إلى السلطة.

لم يكن قديسًا يعيش خارج الزمن. كان إنسانًا كامل الإنسانية. يغضب. ويحزن. ويختلف. ويجتهد. لكنه لم يسمح يومًا أن تنتصر السياسة على الأخلاق. كان يرى أن المواقف قد تتغير، أما القيم فلا تتغير. وأن الإنسان قد يخسر معركة سياسية، لكنه إذا خسر احترامه لنفسه، فقد خسر كل شيء. ولهذا بقيت أخلاقه أكبر من مناصبه، وبقيت سيرته أنقى من كل معاركه.

أكثر ما كان يأسرني فيه، تلك البساطة التي لا يستطيع أحد أن يتصنعها. كان يصافح الناس كما يصافح أصدقاءه القدامى، ويجلس إلى الفلاح كما يجلس إلى الوزير، ويستمع إلى البسطاء كما يستمع إلى كبار المسؤولين. لم يكن يرى الناس من مواقعهم، بل من إنسانيتهم. وربما لهذا السبب لم أشعر يومًا أنني أجلس إلى وزير سابق أو رئيس حزب. كنت أشعر أنني أجلس إلى رجل عرف الله، فأحب الناس، وأحب مصر، وعاش حياته كلها وهو يحاول أن يرد إليها بعض ما أعطته له.

تعلمت منه أن الوقار لا يُشترى، وأن الاحترام لا تمنحه المناصب، وأن الإنسان إذا امتلأ من الداخل، استغنى عن كل مظاهر العظمة الزائفة. ولعل أكثر ما بقي في ذاكرتي عنه، أنه لم يكن يتحدث عن نفسه. كان يتحدث عن الفلاح، وعن الأرض، وعن الوطن، كأن حياته الشخصية لا تستحق أن تُذكر إذا حضرت مصر. وتلك، في نظري، أعلى درجات الوطنية.

كلما استعدت سنواته الأخيرة، شعرت أن لقب «الشهيد الحي» لم يكن يصف لحظة إصابته في شبابه وحدها، بل كان يصف عمرًا كاملًا. استشهد وهو يرى المشروع الوطني يتراجع. واستشهد وهو يرى السياسة النظيفة تضيق مساحتها. واستشهد يوم جُمِّد حزب العمل. واستشهد يوم أُغلقت جريدة «الشعب». واستشهد كلما شعر أن الوطن الذي أحبّه يبتعد عن الطريق الذي ناضل من أجله. كانت الطعنات تتوالى على قلبه، لكنه لم يعرف يومًا كيف يغيّر موقعه. ولهذا ظل شهيدًا… وهو حي.

كثيرًا ما فكرت أن المعلمين الحقيقيين لا يشرحون الدروس، بل يعيشونها. وإبراهيم شكري لم يترك لنا كتابًا في الأخلاق السياسية، بل ترك لنا حياته. وكانت حياته أبلغ من كل الكتب. لم يعلمني بمحاضرة، ولا بخطبة، ولا بوصية. علمني بسيرته. وكانت سيرته تكفي.

واليوم… كلما وقفت أمام تلك الصورة القديمة، لا أبحث عن وجهي. لقد أخذ الزمن من ملامحي كثيرًا، ولا أبحث عن سنوات الشباب التي مضت. أبحث عن الرجل الواقف خلفي. الرجل الذي جاء شاهدًا على عقد زواجي، ثم مضى، دون أن يدري، شاهدًا على رحلة عمري كلها. كلما تعبت فيها… عدت إليه. لا لأسأله، بل لأطمئن أن السياسة ما زالت تستطيع أن تكون شريفة، وأن المعارضة يمكن أن تبقى وطنية، وأن مصر… ما زالت قادرة على أن تنجب رجالًا يشبهونه.

بعض الرجال يتركون لأولادهم مالًا. وترك إبراهيم شكري لتلاميذه ضميرًا. ومن حسن حظي أنني عرفت الرجل قبل أن أقرأ تاريخه، فعرفت أن التاريخ قد يبالغ أحيانًا في مدح الرجال… إلا حين يكتب عن إبراهيم شكري، فقد كان، في الحقيقة، أجمل مما ترويه الكتب.

سلام عليك يا إبراهيم شكري… يا ابن شربين الذي خرج من بيت الباشاوات، فعاد أبًا للفلاحين. ويا الوزير الذي خرج من الوزارة كما دخلها. ويا الزعيم الذي ظل يقود سيارته بنفسه، بينما كان يقود ضمائر تلاميذه دون أن يشعر. ويا الشهيد الحي… الذي لم يمت يوم توقف قلبه، بل بقي حيًا في ذاكرة كل من عرفه، وفي وجدان كل من تعلم منه، وفي قلب كل من آمن أن السياسة يمكن أن تكون خلقًا… قبل أن تكون سلطة.

أما أنا… فسيبقى يكفيني من هذه الدنيا أن صورة واحدة جمعتني بك. صورة ظننتها يومًا توثق بداية بيت، ثم اكتشفت، بعد العمر كله، أنها كانت توثق بداية درس. رحمك الله… وأبقى سيرتك نبراسًا لمن يأتي بعدنا.

ولذلك… لا أقول إن إبراهيم شكري كان رجلًا عظيمًا، فالعظمة وصف يمنحه الناس. أما هو… فكان شيئًا أبقى من الوصف. كان قيمة. والقيم لا تموت. ولهذا… يبقى إبراهيم شكري… وجهًا لا يغيب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى