شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الهجرة والمتوسط… من إدارة الحدود إلى صناعة الفرص .مصر الممكنة 2030 (63) مصر ومحيطها الإقليمي… (8 من 10)

ليست الهجرة قاربًا صغيرًا يمضي في ليل البحر هربًا من الفقر فقط. إنها في جوهرها رسالة موجعة من عالم فقد توازنه، ومن جنوب يبحث عن الحياة، ومن شباب لم يجدوا في أوطانهم ما يكفي من الأمل، فذهبوا يفتشون عنه في الضفة الأخرى ولو على حافة الموت.

ولهذا فإن التعامل مع الهجرة بوصفها ملفًا أمنيًا فقط هو قراءة ناقصة لأزمة إنسانية واقتصادية وسياسية عميقة. فالقوارب التي تصل إلى شواطئ أوروبا لا تبدأ رحلتها من البحر، بل تبدأ من قرى فقيرة، ومدن مهمشة، ومدارس عاجزة، وأسواق عمل مغلقة، ودول لم تستطع أن تمنح أبناءها إحساسًا عادلًا بالمستقبل.

مصر، بحكم موقعها وتكوينها السكاني وصلاتها العربية والأفريقية والمتوسطية، تقف في قلب هذا الملف. فهي دولة عبور، ودولة مقصد، ودولة مصدر للهجرة في الوقت نفسه. وهذه الوضعية المركبة تجعل من الهجرة قضية أمن قومي بالمعنى الإنساني والتنموي، لا بالمعنى الشرطي وحده.

لقد أخطأت أوروبا طويلًا حين ظنت أن تشديد الحدود وحده يكفي. وأخطأنا نحن أيضًا حين تعاملنا مع الهجرة أحيانًا كأزمة تخص الآخرين. والحقيقة أن البحر المتوسط لم يعد مجرد فاصل جغرافي بين جنوب وشمال، بل صار مرآة كاشفة لاختلالات التنمية والفرص والعدالة بين الضفتين.

لا يمكن أن نطالب شابًا بالبقاء في وطن لا يمنحه عملًا، ولا تعليمًا جيدًا، ولا أفقًا، ولا كرامة. ولا يمكن أن نغلق البحر في وجه من أغلق الفقر أبواب البر في وجهه. فالهجرة لا تُهزم بالمطاردة، بل تُعالج حين يصبح البقاء اختيارًا معقولًا لا عقوبة مفروضة.

مصر الممكنة يجب أن تقدم مقاربة مختلفة. لا مقاربة تنكر حق الدولة في تنظيم حدودها، ولا مقاربة تبرر الفوضى والتهريب والمخاطرة بأرواح البشر، بل مقاربة أعمق ترى أن الحل يبدأ من التنمية، والتعليم، والتدريب، وربط الإنسان بسوق عمل حقيقية داخل بلده وخارجه.

فالهجرة المنظمة يمكن أن تكون فرصة لا أزمة. والعمالة المصرية المؤهلة يمكن أن تصبح جسرًا اقتصاديًا وإنسانيًا بين مصر وأوروبا. لكن هذا يتطلب أن ننتقل من العشوائية إلى التخطيط، ومن تصدير العمالة غير المدربة إلى بناء منظومة وطنية للتأهيل المهني واللغوي والقانوني.

تحتاج مصر إلى استراتيجية وطنية للهجرة والعمل الدولي، لا تترك الشباب فريسة للسماسرة، ولا تترك الأسواق الأوروبية تبحث عن العمالة بعيدًا عن مصر، ولا تترك الدولة تتعامل مع الملف كرد فعل موسمي عند كل أزمة.

ويمكن لهذه الاستراتيجية أن تبدأ من إنشاء مراكز تدريب معتمدة بالشراكة مع الدول الأوروبية في مجالات تحتاجها أسواق العمل: الرعاية الصحية، التمريض، التكنولوجيا، البناء المتقدم، الزراعة الحديثة، الطاقة المتجددة، الخدمات اللوجستية، ورعاية كبار السن. فالهجرة المنظمة ليست تهريبًا مغلفًا بالقانون، بل عقد شراكة إنسانية واقتصادية يحفظ كرامة العامل ومصلحة الدولة المستقبلة والدولة المرسلة.

كما يجب أن تنظر مصر إلى المهاجرين واللاجئين على أرضها بمنطق إنساني وقانوني منظم. فوجود ملايين من العرب والأفارقة في مصر ليس عبئًا فقط، بل يمكن أن يكون جزءًا من اقتصاد منظم إذا وُضعت السياسات الصحيحة للتعليم والعمل والإقامة والخدمات، بعيدًا عن العشوائية والاستغلال وخطابات الكراهية.

ولا يمكن لمصر الممكنة أن تتحدث عن دور إقليمي وهي تغلق قلبها أمام ضحايا الحروب في جوارها. فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، والدولة القوية ليست التي تقسو على الضعفاء، بل التي تنظم الرحمة بقانون، وتحمي المجتمع دون أن تفقد إنسانيتها.

وفي المقابل، يجب أن تتحمل أوروبا نصيبها من المسؤولية. فلا يجوز أن تريد من دول الجنوب أن تتحول إلى حراس حدود فقط، دون شراكة تنموية حقيقية تعالج الأسباب التي تدفع الناس إلى الرحيل. فالاستقرار لا يُشترى باتفاق أمني قصير، بل يُبنى باستثمار طويل في الإنسان والمجتمعات.

من هنا يجب أن تكون الهجرة أحد أعمدة الشراكة المتوسطية الجديدة. لا بوصفها ملفًا مزعجًا يجب التخلص منه، بل بوصفها مجالًا لإعادة بناء العلاقة بين الشمال والجنوب على أسس أكثر عدلًا وواقعية.

فالمتوسط الذي شهد في تاريخه انتقال التجارة والثقافة والأديان واللغات، لا يجوز أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى مقبرة مفتوحة للفقراء. ولا يجوز أن تصبح حياة الإنسان أقل قيمة من حسابات الانتخابات، أو أقل أهمية من خوف عابر في نشرات الأخبار.

إن مصر الممكنة تستطيع أن تلعب دورًا محوريًا في هذا الملف إذا امتلكت رؤية شاملة: حماية الحدود، مكافحة الاتجار بالبشر، تنظيم العمالة، تدريب الشباب، حماية اللاجئين، تفاوض أفضل مع أوروبا، واستثمار الجاليات المصرية في الخارج كقوة اقتصادية وثقافية.

كما يجب إنشاء مرصد وطني للهجرة يجمع البيانات الدقيقة، ويتابع احتياجات الأسواق الخارجية، ويرصد أوضاع المصريين بالخارج، ويقترح سياسات دورية للحكومة والبرلمان. فلا سياسة ناجحة بلا معرفة، ولا إدارة رشيدة بلا أرقام، ولا حماية حقيقية للمواطنين بلا مؤسسات تتابع وتفهم وتتحرك.

وفي هذا كله، يجب ألا ننسى أن الهجرة ليست أرقامًا في تقارير دولية. إنها وجوه وأمهات وبيوت معلقة بين انتظار وخوف. إنها شاب يودع قريته ولا يعرف هل سيعود، وأسرة تبيع ما تملك لتمول رحلة مجهولة، وطفل يولد في المنفى ولا يعرف أي وطن سيحمله في قلبه.

لذلك فإن مصر الممكنة لا تتعامل مع الهجرة كملف بارد، بل كقضية إنسانية وتنموية كبرى. فكل شاب يهاجر مضطرًا هو شهادة على فشل ما. وكل شاب يهاجر منظمًا ومؤهلًا ومحميًا هو فرصة نجاح للدولة وله وللمجتمع.

الفارق بين المأساة والفرصة تصنعه السياسة العامة.

والفارق بين القارب الغارق والعقد العادل تصنعه الدولة الرشيدة.

والفارق بين الهروب والسفر تصنعه الكرامة.

ولهذا فإن مستقبل المتوسط لن يتحدد فقط بعدد السفن التي تحرس حدوده، بل بعدد المدارس التي تفتح أبوابها، والمصانع التي توفر عملًا، والاتفاقيات التي تحمي الإنسان، والسياسات التي تجعل البقاء في الوطن ممكنًا، والرحيل منه اختيارًا لا نجاة أخيرة.

وحين يصبح الإنسان هو مركز السياسة، لا هامشها، يمكن للبحر أن يستعيد معناه القديم.

لا بحرًا يبتلع الخائفين.

ولا حدودًا تفصل اليائسين.

بل طريقًا مفتوحًا بين كرامتين…

كرامة البقاء…

وكرامة الرحيل الآمن حين يكون الرحيل اختيارًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى