مقالات وآراء

خالد مبارك يكتب: ما لا يُشترى ولا يُمنح

في قاعات الانتظار الرسمية، تختلف طريقة استقبال الناس باختلاف ما يسبق أسماءهم. هذا «معالي»، وذاك «سعادة»، وثالث يُعرَّف بمنصبه قبل أن يُعرَّف بنفسه. لكن الزمن، وهو أكثر موظفي التشريفات صرامة، لا يحتفظ لأحد بلقبه طويلاً. في يوم ما، ينتهي المنصب، ويتراجع المال، ويسقط الاسم من على الباب، ثم يقف الإنسان وحده أمام السؤال الذي أُجِّل طويلاً:

من تكون حين لا يسبقك شيء؟

ومن هنا يُستدعى بيت العشماوي:

ما قيمة الناس إلا في مبادئهم

لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب

ليس في المال ما يعيبه، ولا في المنصب ما ينتقص من صاحبه، ولا في الألقاب ما يستوجب السخرية منها. فالدول تُدار بالمناصب، والناس يسعون إلى النجاح، والمال ضرورة من ضرورات الحياة. لكن الخطر يبدأ حين يختلط على الإنسان ما يملكه بما هو عليه، حين يظن أن المقعد الذي ارتفع به قد أضاف إلى قامته، وأن الأبواب التي فُتحت له قد فُتحت لشخصه، وأن الذين أحاطوا به كانوا يلتفون حوله، لا حول ما يستطيع أن يمنحهم إياه.

بعض القيم تُصنع في داخل الإنسان، وبعضها يُعيرها له العالم ثم يستردها عند انتهاء الحاجة. المنصب قيمة مستعارة، والجاه قيمة مستعارة، وحتى التصفيق، مهما علا، صوتٌ مستعار من حناجر الآخرين. وحده المبدأ لا يأتي من الخارج، ولا يحتاج إلى ختم رسمي، ولا ينتهي بقرار إداري. إنه الشيء الذي يبقى للإنسان حين تُسحب منه الأدوات التي كان يعرّف نفسه بها.

لكن المبادئ، على كثرة ما نتحدث عنها، لا تظهر في الجمل الجميلة. لا قيمة لمبدأٍ لم يُختبر، ولا فضيلة في أمانةٍ لم تُغوَ بالخيانة، ولا بطولة في شجاعةٍ لم تقف يومًا أمام الخوف. المبدأ الحقيقي يبدأ حين تصبح كلفته واضحة؛ حين يكون الصمت أسلم، والمسايرة أربح، والتنازل أقصر طريق إلى ما تريد، ثم تختار، مع ذلك، أن تخسر المنفعة ولا تخسر نفسك.

فليس كل من نطق بالحق صادقاً، ولا كل من امتدح النزاهة نزيهاً. الناس جميعاً يحبون المبادئ ما دامت لا تطلب منهم شيئاً. أما حين يحين وقت دفع ثمن المبدأ، يتفرق المصفقون له، ولا يبقى إلا من كان يؤمن به، لا من كان يتزين باسمه.

هناك من يحافظ طوال حياته على صورة حسنة أمام الناس، لكنه يعرف في خلوته أنه خان كل ما ادعاه. وهناك من يخسر رضا الناس، أو منصباً، أو مالاً، لكنه يحتفظ بشيء لا تستطيع الدنيا كلها أن تعيده إذا ضاع:

احترامه لنفسه.

فالسمعة مُلك الآخرين، يرفعونها اليوم ويخفضونها غداً. أما الضمير، فمحكمةٌ لا تُغلق أبوابها، ولا تقبل وساطة، ولا تنخدع بالألقاب. قد تنجح في إقناع الناس بأنك كنت محقاً، لكنك لا تستطيع أن تخدع نفسك إلى الأبد.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للإنسان: لا فيما استطاع أن يجمع، بل فيما استطاع أن يرفض. لا فيما وصل إليه، بل فيما لم يسمح للطريق أن ينتزعه منه. فكم من إنسان وصل إلى أعلى المراتب، لكنه ترك نفسه في أول الطريق، وكم من آخر عاش بلا لقب كبير، لكنه حمل من المروءة ما يجعل الألقاب كلها صغيرة أمامه.

سيأتي على كل إنسان يومٌ يسقط فيه ما كان يسبق اسمه. قد يسقط المنصب، وقد يذهب المال، وقد يهدأ التصفيق، وقد تصبح الألقاب ذكرى في بطاقة قديمة، لكن سؤالاً واحداً سيظل واقفاً في انتظاره، لا يؤجله الزمن، ولا يلغيه النجاح:

من تكون حين لا يسبقك شيء؟

عندها لن يجيب عنك رصيدٌ في بنك، ولا منصبٌ شغلته، ولا لقبٌ حملته سنوات.

سيجيب عنك شيءٌ واحد ..

المبدأ الذي عشت له، والموقف الذي لم تبعه، والإنسان الذي بقي في داخلك حين غادر كل شيءٍ من حولك.

فالمال يُكتسب، والمنصب يُمنح، واللقب يُسبق به الاسم ..

أما المبدأ، فلا يُشترى، ولا يُمنح.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى