
الهجمات على القواعد الأمريكية، واجتماع ترامب ونتنياهو، والتصعيد في مضيق هرمز، كلها تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة قد تنهي سياسة “الصبر الاستراتيجي” وتفتح الباب أمام أخطر اختبار للقوة منذ سنوات.
قد تكون الصواريخ التي سقطت على القواعد الأمريكية أخطر من مجرد هجوم عسكري، وقد يكون الاجتماع الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض أهم من كل ما أُعلن عنه رسمياً. فحين تتزامن الرسائل العسكرية مع الاجتماعات السياسية، يصبح من الصعب التعامل مع الأحداث باعتبارها منفصلة. وما يجري اليوم، من العراق إلى مضيق هرمز، يوحي بأن الشرق الأوسط يقترب من نهاية مرحلة كاملة، وأن السؤال لم يعد ما إذا كانت قواعد الاشتباك ستتغير، بل متى، وكيف، ومن سيدفع الثمن الأكبر.
في السياسة، لا تُقاس أهمية الاجتماعات بما يرد في بياناتها الختامية، بل بما يتغير بعدها على الأرض. ومن هذه الزاوية، تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة أكثر من مجرد إدارة اعتيادية للأزمة. فالتوقيت وحده يكفي لطرح تساؤلات كبيرة؛ هجمات على قواعد أمريكية، وتصاعد في التوتر الإقليمي، ورسائل عسكرية متبادلة تعيد الملف الإيراني إلى صدارة المشهد، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة.
تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معادلة يصعب كسرها. فهي لا تريد حرباً جديدة تستنزفها في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تسمح بتحول استهداف قواتها إلى مشهد اعتيادي. فالدول الكبرى لا تقيس خسائرها بعدد الصواريخ فقط، بل بمدى تأثيرها في صورة الردع التي بنتها عبر عقود. ففي عالم القوة، قد تكون الصورة التي تهتز أخطر من القاعدة التي تُقصف.
في المقابل، تواصل إيران إدارة المواجهة بأسلوب غير مباشر، معتمدة على حلفائها في المنطقة لإبقاء الضغط قائماً دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذه الاستراتيجية لم تعد مجرد وسيلة لتجنب المسؤولية، بل أصبحت جزءاً من عقيدة ردع تجعل أي رد أمريكي واسع محفوفاً باحتمال توسع الصراع إلى أكثر من جبهة في وقت واحد.
ولهذا، لم يعد الصراع بين الطرفين قائماً على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على موازين الكلفة. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكن إيران نجحت في فرض معادلة مختلفة؛ أي حرب قد تكون ممكنة عسكرياً، لكنها باهظة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ومن هنا نشأ ما يمكن وصفه بـ”توازن الكلفة”، وهو التوازن الذي حال حتى الآن دون انتقال الطرفين إلى مواجهة مباشرة.
وثمة مؤشرات متزامنة يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد مصادفات. فإعلان حركة حماس استعدادها للمضي في ترتيبات قد تشمل تسليم سلاحها ضمن اتفاق، إذا استوفيت شروطه، يمثل تحولاً لافتاً مقارنة بخطابها السابق. وفي لبنان، يبرز امتناع حزب الله عن الرد، رغم استمرار الضربات والعمليات الإسرائيلية في الجنوب، وهو ما يعكس، حتى الآن، تجنباً واضحاً لتوسيع دائرة الاشتباك. أما في طهران، فقد تراجعت حدة التصريحات النارية التي طبعت المراحل الأولى من التصعيد، لتحل محلها رسائل أكثر حذراً. وقد تبدو هذه المؤشرات منفصلة، لكنها حين تتزامن في توقيت واحد، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام هدنة تكتيكية فرضتها موازين المرحلة، أم أمام إعادة تموضع أوسع استعداداً لجولة مختلفة من الصراع؟ ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما يكون الصمت جزءاً من الاستراتيجية، وليس دليلاً على انتهاء المواجهة.
وتبرز أهمية مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر تعبر منه ناقلات النفط، بل أصبح أحد أكثر عناصر الضغط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي. فمجرد ارتفاع احتمالات تعطل الملاحة فيه يكفي لإرباك أسواق الطاقة، ورفع أسعار النفط، وزيادة تكلفة أي قرار عسكري. ولهذا تحوّل هرمز من ممر جغرافي إلى ورقة استراتيجية ذات تأثير عالمي.
وتكتسب المشاورات الأمريكية الإسرائيلية في هذا التوقيت أهمية استثنائية، لأن أي قرار يتعلق بإيران لن ينعكس على أمن إسرائيل وحدها، بل سيمتد إلى أمن القواعد الأمريكية في المنطقة، واستقرار الخليج، وسلامة التجارة الدولية. ولهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة تقييم شاملة لخيارات الردع، منها إلى مجرد إدارة أزمة عابرة.
لكن أخطر ما في المشهد ليس ما يجري الآن، بل ما قد يحدث إذا أخطأ أحد الطرفين في قراءة نيات الآخر. فالتاريخ يبين أن كثيراً من الحروب الكبرى لم تبدأ لأن أحد الأطراف أرادها، بل لأن الجميع اعتقد أن الطرف المقابل سيتراجع في اللحظة الأخيرة. وكلما طال أمد سياسة الردع، ارتفع احتمال أن يتحول حادث ميداني محدود إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت واشنطن وطهران قادرتين على إبقاء الصراع تحت سقف الردع المتبادل، أم أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة عنوانها نهاية “الصبر الاستراتيجي” وبداية اختبار الإرادات؟
قد تنجح الدبلوماسية مرة أخرى في تأجيل المواجهة، وقد ينجح الردع المتبادل في منع الانفجار، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط دخل مرحلة لم تعد فيها قواعد الأمس كافية لفهم ما يجري. فالمعركة الدائرة اليوم ليست على قاعدة عسكرية هنا، أو ممر بحري هناك، بل على شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعد انتهاء هذه الأزمة. وعندما تصل الصراعات إلى هذه المرحلة، لا يكون السؤال متى تبدأ الجولة التالية، بل من سيكون قادراً على رسم نهايتها.







