مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو


قرأت مقال وزير الخارجية الأميركي ماركو_روبيو، المنشور في «وول ستريت جورنال» تحت عنوان: «لماذا نعمل على تفكيك المحكمة الجنائية الدولية؟».


توقفت طويلًا أمام العنوان قبل الحجج؛ لأن اللغة هنا ليست تفصيلًا عابرًا. فعندما يتحدث وزير خارجية أقوى دولة في العالم عن «تفكيك» محكمة دولية، لبنةً لبنة، فنحن لا نكون أمام خلاف قانوني مع حكم قضائي، بل أمام إعلان قوة ضد فكرة العدالة ذاتها.
من حق الولايات المتحدة أن تختلف مع المحكمة. ومن حقها أن تنتقد نظام روما الأساسي، وأن تطعن في اختصاص المحكمة بالطرق القانونية، وأن تدافع عن مواطنيها وحلفائها أمام القضاء. لكن ليس من حقها أن تستبدل الحجة بالعقوبة، ولا المرافعة بالتهديد، ولا القانون بحصار القضاة والمدعين والمنظمات الحقوقية التي تتعاون معهم.
يقول الوزير الأميركي إن بلاده لم توقع نظام روما، ومن ثم لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصًا على الأميركيين. تبدو العبارة جذابة سياسيًا، لكنها ناقصة قانونيًا. فالمحكمة لا تدعي اختصاصًا عامًا على كل أميركي لمجرد جنسيته، ولا تملك أصلًا محاكمة أي شخص عن فعل ارتُكب داخل الأراضي الأميركية، ما لم يتوافر أساس قانوني آخر للاختصاص.

ما تقرره المادة الثانية عشرة من نظام روما هو أن المحكمة قد تمارس اختصاصها عندما تقع الجريمة فوق إقليم دولة طرف، أو دولة قبلت اختصاص المحكمة، بصرف النظر عن جنسية المشتبه فيه. وهذه ليست بدعة اخترعتها لاهاي، بل تطبيق لمبدأ راسخ: الدولة تملك الولاية الجنائية على الجرائم الواقعة داخل إقليمها، ويجوز لها أن تمارسها بنفسها أو تشارك في إنشائها من خلال محكمة دولية.

بعبارة أوضح: إذا ارتكب مواطن دولة غير عضو جريمة داخل دولة عضو، فلا تمنحه جنسيته حصانة من قانون الإقليم. الأميركي الذي يرتكب جريمة في دولة أخرى لا يستطيع القول إن قانون تلك الدولة لا يسري عليه لأن واشنطن لم توقع تشريعها الجنائي. وكذلك لا تستطيع دولة أن ترسل جنودها أو مسؤوليها إلى إقليم دولة أخرى، ثم تحمل سيادتها معها في حقيبة دبلوماسية، كأن الإقليم الذي دخلته أصبح جزءًا من أراضيها.

إن حجة السيادة التي يستند إليها روبيو تنقلب عليه. فاحترام سيادة الولايات المتحدة لا يعني إلغاء سيادة #فلسطين أو أفغانستان أو أي دولة طرف في نظام روما. والسيادة ليست امتيازًا حصريًا للدول الكبرى، ولا بابًا تدخل منه القوة العظمى وتغلقه خلفها في وجوه الآخرين.

أما القول إن نظام روما يفرض معاهدة على دولة لم تنضم إليها، فيخلط عمدًا بين أمرين مختلفين: إلزام الولايات المتحدة بوصفها دولة بأحكام معاهدة لم توقعها، ومحاكمة فرد عن جريمة يُزعم ارتكابها فوق إقليم يخضع لاختصاص المحكمة. الأول لا يقره القانون الدولي، أما الثاني فهو أحد الأشكال المعروفة للاختصاص الإقليمي، ولا يحتاج إلى موافقة دولة جنسية المتهم.

ثم إن المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلًا تلقائيًا للقضاء الوطني. المادة السابعة عشرة من نظام روما تقيم بنيان المحكمة كله على مبدأ «التكامل»: الأولوية للدولة صاحبة الولاية، ولا تتدخل المحكمة إلا عندما تكون الدولة غير راغبة حقيقةً أو غير قادرة على إجراء تحقيق أو محاكمة جادين. لذلك يستطيع كل نظام قضائي مستقل أن يغلق باب المحكمة الدولية بإجراء تحقيقات وطنية حقيقية، لا بتحقيقات صورية، ولا بتقارير داخلية غايتها حماية المسؤولين لا مساءلتهم.

إن كانت واشنطن واثقة من استقلال قضائها، فلماذا تخشى هذا المبدأ؟ وإن كانت إسرائيل ترى أن قضاءها حقق بجدية في الوقائع ذاتها وفي المسؤولية الجنائية للأشخاص أنفسهم، فطريقها معروف: تقديم الأدلة القانونية إلى المحكمة والطعن في المقبولية والاختصاص. أما معاقبة القضاة لأن أحكامهم لم تعجب الحكومة الأميركية، فليست دفاعًا عن سيادة القانون، بل دفاع عن سيادة القوة على القانون.

يتحدث روبيو عن المحكمة كأنها جماعة غامضة تديرها منظمات يسارية وحكومات معادية لأميركا. وهذه لغة تحريض سياسي لا تليق بمرافعة قانونية. المحكمة أنشأتها معاهدة دولية، وتضم جمعيتها اليوم 125 دولة طرفًا⁠، من بينها أغلبية واسعة من حلفاء الولايات المتحدة ودول ديمقراطية في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا. وقضاتها ومدعيها العام لا تعيّنهم منظمة حقوقية، بل تنتخبهم الدول الأطراف وفق إجراءات معلنة، وتوجد آليات للطعن والاستئناف والمساءلة والعزل والانضباط.

المحكمة ليست معصومة. وقد أخفقت في ملفات، وتأخرت في أخرى، وواجهت اتهامات مشروعة بالانتقائية وضعف الكفاءة وبطء الإجراءات، كما أثارت بعض أزماتها الداخلية أسئلة مؤلمة عن الحوكمة والمساءلة. وقد كنت دائمًا مع إصلاح المؤسسات الدولية وتوسيع عدالتها، لا مع تقديسها. لكن الفارق كبير بين إصلاح محكمة حتى تصبح أكثر عدلًا، وهدمها حتى يصبح الأقوياء أكثر حصانة.

ولو كان سوء الأداء سببًا كافيًا لتفكيك مؤسسة قضائية، لوجب أن نبدأ بمحاكم وطنية كثيرة أخفقت في حماية الأبرياء أو عجزت عن محاسبة أصحاب النفوذ. الإصلاح يكون بالشفافية والمراجعة وتقوية الضمانات، لا بتجميد أموال القضاة، ومنع سفرهم، وترهيب الشهود والمحامين والمنظمات التي تزود المحكمة بالمعلومات.

الأخطر في مقال الوزير الأميركي أنه يريد تقسيم العالم إلى عدالتين: عدالة صالحة عندما تطارد خصوم واشنطن، وعدالة «غير شرعية» عندما تقترب من حلفائها. في عام 2023 احتفت الولايات المتحدة بمذكرات المحكمة ضد الرئيس الروسي فلاديمير_بوتين، ووسّع الكونغرس قدرة الإدارة الأميركية على تقديم الدعم لتحقيقات المحكمة في جرائم أوكرانيا. وأعلنت وزارة العدل الأميركية رسميًا أنها تتعاون مع المحكمة في تحقيقاتها المتعلقة بأوكرانيا⁠.

كانت المحكمة، في الحالة الأوكرانية، أداة للعدالة الدولية؛ فلماذا أصبحت تهديدًا للسيادة عندما انتقلت العدسة من موسكو إلى #غزة؟ هل يتغير القانون بتغير جواز سفر المتهم، أم يتغير الضمير السياسي بتغير اسم الحليف؟

الولايات المتحدة نفسها وافقت عام 2011، مع جميع أعضاء مجلس الأمن، على القرار 1970 الذي أحال الوضع في #ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن ليبيا لم تكن طرفًا في نظام روما. وقبل ذلك امتنعت واشنطن عن التصويت ولم تستخدم حق النقض ضد القرار 1593 الذي أحال جرائم دارفور إلى المحكمة. فإذا كان اختصاص المحكمة بغير موافقة دولة جنسية المتهم باطلًا من أساسه، فلماذا شاركت واشنطن في فتح هذا الباب عندما كان المتهمون أفارقة أو خصومًا سياسيين؟

لا يجوز للقوة الكبرى أن تعتبر المبدأ قانونًا حين تستخدمه، واعتداءً على السيادة حين يستخدمه سواها. فالقانون الذي يعمل في كييف ويتوقف عند بوابة غزة ليس قانونًا، بل تصريح مرور سياسي مختوم بخاتم القوة.

في القضية الفلسطينية، لم تتحرك المحكمة على أساس أن إسرائيل عضو في نظام روما، بل على أساس أن دولة فلسطين انضمت إليه، وأن اختصاص المحكمة يمتد إلى الجرائم الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد قررت الدائرة التمهيدية عام 2021 نطاق هذا الاختصاص الإقليمي، ثم رفضت في نوفمبر 2024 الطعون الإسرائيلية وأصدرت مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف_غالانت. وهذه المذكرات ليست أحكام إدانة، بل قرارات قضائية رأت المحكمة أن وراءها أسبابًا معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم تدخل في اختصاصها. قرار المحكمة بشأن الطعون ومذكرتي التوقيف⁠.

يمكن لواشنطن أن تنتقد هذا الاستنتاج، ويمكن لمحامي المتهمين أن ينازعوا الأدلة والاختصاص والمقبولية في كل مرحلة. لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف مع قرار قضائي إلى حملة لتصفية المحكمة نفسها. فمن يرفض حكمًا يطعن عليه؛ أما من يعاقب القاضي لأنه أصدره، فهو لا يدافع عن العدالة، بل يطلب قاضيًا يكتب الحكم الذي تريده السلطة.

ويكرر الوزير الأميركي أن المحكمة قد تستهدف جنودًا وموظفين وعناصر أمن أميركيين وهم يؤدون واجباتهم. والحقيقة أن المحكمة لا تختص بمخالفة سياسية أو خطأ مهني أو استخدام مشروع للقوة، وإنما بأشد الجرائم الدولية خطورة: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان ضمن شروطها الدقيقة. كما أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا تقوم لمجرد الوظيفة أو الجنسية أو الانتماء إلى جيش بعينه.

فإذا كان ما يفعله المسؤول أو الجندي مشروعًا، فالقانون هو أول من يحميه. وإذا كان هناك اتهام كيدي، فالإجراءات القضائية وضمانات الإثبات والطعن كفيلة بكشفه. أما طلب حصانة مسبقة لكل ما قد يرتكبه ممثلو دولة قوية، فليس حماية للسيادة، بل مطالبة بامتياز فوق القانون.

لا أحد يطلب من أميركا أن تتخلى عن سيادتها. المطلوب فقط ألا تحول سيادتها إلى حصانة عابرة للحدود. فسيادة الدولة تنتهي حيث تبدأ سيادة دولة أخرى، والسلطة العسكرية لا تمحو حقوق الضحايا، والزي الرسمي لا يمحو صفة الجريمة إن ثبتت.

أما العقوبات الأميركية على قضاة المحكمة ومدعيها والعاملين معها، فهي تفتح بابًا بالغ الخطورة. فإذا جاز لحكومة أن تعاقب قاضيًا دوليًا لأنه نظر قضية تمس حليفًا لها، فما الذي يمنع روسيا أو الصين أو أي دولة أخرى من معاقبة قضاة ومحامين وخبراء لأنهم حققوا في جرائم تزعجها؟ وما الذي يبقى من استقلال القضاء إذا صار القاضي يحسب، قبل قراءة الملف، ثمن الحكم على حسابه المصرفي وتأشيرة سفره وأمن أسرته؟

الضغوط الاقتصادية على المحكمة لا تجعلها أكثر خضوعًا للمساءلة؛ بل تجعل القضاء الدولي رهينة للدول التي تملك الدولار وشبكات التحويل والتكنولوجيا. وهي رسالة إلى كل شاهد وضحية ومنظمة حقوقية: إذا اقتربتم من جرائم حلفائنا، فقد نعاقبكم مع القضاة. وتلك ليست سياسة خارجية، بل ترهيب خارج أسوار المحكمة.

يستخدم مقال روبيو أيضًا تعبيرات تنضح باستعلاء مؤلم تجاه ما يسميه «حكومات العالم الثالث المعادية». وكأن الدول الأقل قوة لا يحق لها أن تشارك في صياغة العدالة الدولية، أو كأن الضحايا في الجنوب العالمي أقل استحقاقًا للإنصاف. لقد دفعت شعوب إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية الثمن الأكبر للحروب والاستعمار والانقلابات المدعومة من الخارج، ومن حقها أن تكون شريكة في كتابة القانون، لا مجرد مادة لقرارات القوى الكبرى.

العدالة الدولية لن تكون عادلة إذا اقتصرت على محاكمة المهزومين والضعفاء. وهذه بالفعل إحدى أزمات المحكمة التي يجب إصلاحها. لكن العلاج ليس أن نضيف الأميركي والإسرائيلي والروسي والصيني إلى قائمة من لا يُسألون؛ بل أن نزيل الحصانة السياسية عن الجميع. المساواة لا تتحقق بتوسيع الإفلات من العقاب، بل بتضييقه.

أعرف أن المحكمة الجنائية الدولية لم تمنع الحرب، ولم توقف المذابح، ولم تنصف جميع الضحايا. وأعرف أن بنيتها تعكس كثيرًا من اختلالات النظام الدولي. لكنها تظل محاولة بشرية ناقصة للقول إن هناك جرائم لا يجوز أن يحميها علم، أو منصب، أو تحالف، أو مقعد دائم في مجلس الأمن.

كان الأجدر بوزير خارجية الولايات المتحدة أن يقود حوارًا لإصلاح المحكمة: ضبط معايير الإحالة، وتسريع الإجراءات، وتقوية حقوق الدفاع، وتحصين استقلال المدعي العام، وتوسيع التمثيل الجغرافي، ومنع الانتقائية، وإيجاد رقابة أكثر فاعلية على الأداء. أما مشروع «التفكيك»، فلا يقدم بديلًا للعدالة. إنه لا يبني محكمة أفضل، بل يترك فراغًا أكبر يحتله الإفلات من العقاب.

أخاطب الوزير ماركو_روبيو: تستطيع بلادكم أن تحاصر المحكمة، وأن تعاقب بعض قضاتها، وأن ترهب بعض المتعاونين معها، وأن تقنع دولًا ضعيفة بالانسحاب من نظام روما. وقد تستطيعون تعطيل العدالة زمنًا. لكنكم لن تستطيعوا إلغاء السؤال الذي أنشأ المحكمة: إلى أين يذهب الضحايا عندما يكون المتهم أقوى من قضائهم الوطني وأقرب إلى مراكز النفوذ الدولي؟

تستطيع القوة أن تكسر باب المحكمة، لكنها لا تستطيع أن تقنع أمًا فقدت أبناءها بأن الجريمة أصبحت مشروعة. ويمكن للعقوبات أن تجمد حساب قاض، لكنها لا تستطيع تجميد ذاكرة شعب. وقد تتأخر العدالة، وقد تتعثر، وقد تُهزم في جولة؛ لكنها لا تموت لأن وزيرًا قرر تفكيك مبناها.

إن الدفاع الحقيقي عن الولايات المتحدة لا يكون بمنح مواطنيها حصانة من القانون، بل بإثبات أن الدولة التي ساهمت في تأسيس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية لا تخشى القاعدة التي طالبت العالم باحترامها: لا أحد فوق القانون.

المشكلة ليست أن المحكمة تجاوزت حدودها، بل أن القوة الأميركية تريد أن ترسم للعدالة حدودًا تتوقف عند أصدقائها. والخطر ليس في محكمة قد تخطئ ويمكن الطعن في قراراتها، بل في دولة تملك العقوبة وتريد أن تكون، في الوقت نفسه، الخصم والحكم وصاحبة الكلمة الأخيرة.

العدالة الدولية ليست ملكًا للمحكمة الجنائية، وقد تبقى حتى لو ضعفت المحكمة أو انهارت. لكنها بالتأكيد ليست ملكًا لواشنطن، ولا يحق لأي عاصمة أن تمنح صكوك البراءة لحلفائها أو أوامر الاتهام لخصومها.

يا سيد روبيو، لا تفككوا المحكمة. فككوا ازدواجية المعايير. فككوا الحصانة السياسية التي تحمي القوي وتترك الضعيف وحيدًا أمام المقابر. فككوا الفكرة القديمة التي تقول إن القانون يُكتب للجميع، لكنه لا يُطبق إلا على من لا يملك القدرة على رفضه.

فالمحاكم قد تُهدم، والقضاة قد يُحاصرون، والملفات قد تُغلق تحت ضغط السياسة؛ لكن حق الضحايا لا يسقط لأن الجاني قوي، ولا تتحول الجريمة إلى وجهة نظر لمجرد أن مرتكبها حليف.

وهذا هو الفارق بين نظام دولي تحكمه القواعد، وعالم لا يحكمه سوى من يملك القوة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى