
حين يصبح العنف لغة التغيير الوحيدة، تتحول الثورات من مشاريع للتحرر إلى ساحات مفتوحة لإعادة إنتاج المأساة. فالتاريخ السياسي للشعوب يكشف أن الاستبداد والعنف، على الرغم من ظهورهما في موقع الخصومة، كثيراً ما يتغذيان من المنبع نفسه، ويعمل كل منهما على إطالة عمر الآخر. فالسلطة المستبدة تبرر بطشها بوجود التهديد والعنف، بينما يجد العنف المعارض في قمع السلطة ذريعة دائمة لتوسيع نطاقه. وهكذا تدخل المجتمعات في دائرة مغلقة يصبح فيها الدم وقوداً للدم، ويغدو الخوف أساساً للحكم وأساساً للمعارضة في آن واحد.
ليس المقصود من ذلك الدعوة إلى الاستسلام للظلم أو القبول بالأمر الواقع، بل التنبيه إلى حقيقة سياسية أثبتتها تجارب كثيرة: التغيير الذي يولد من فوهة البندقية ينتهي غالباً إلى بناء سلطة تفكر بعقلية البندقية نفسها. فالوسائل ليست منفصلة عن الغايات، والطريق الذي يُعبَّد بالعنف يترك بصماته العميقة على النظام الذي ينشأ في نهايته. لذلك كثيراً ما سقط مستبدون ليحل محلهم مستبدون آخرون، وتغيرت الأسماء والشعارات بينما بقيت أساليب الحكم كما هي.
العنف يملك قدرة هائلة على الهدم، لكنه عاجز عن بناء الشرعية. يمكنه إسقاط نظام أو السيطرة على مدينة أو فرض أمر واقع، لكنه لا يستطيع وحده أن يؤسس عقداً اجتماعياً مستقراً بين المواطنين. ذلك أن المجتمعات لا تُدار بالقوة المجردة إلى ما لا نهاية، بل تحتاج إلى الثقة والقبول والحد الأدنى من التوافق حول قواعد العيش المشترك. وحين يغيب هذا التوافق، يصبح السلاح حكماً بين الناس، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي لا مكان فيه للحلول الوسط.
لقد شهد العالم أمثلة عديدة على هذا المسار. ففي أكثر من بلد بدأت المواجهة مع الاستبداد بمطالب إصلاحية أو سياسية مشروعة، ثم ما لبثت أن انزلقت إلى منطق السلاح. عندها لم يعد السؤال يدور حول العدالة والحرية والحقوق، بل حول من يملك القوة الأكبر ومن يستطيع فرض إرادته بالقهر. ومع مرور الوقت تراجعت الأهداف الأصلية، وصعدت جماعات وتنظيمات جعلت من الحرب غاية قائمة بذاتها، فتحولت الثورة إلى نزاع مفتوح تتناسل داخله أشكال جديدة من الاستبداد.
الحالة السورية تقدم مثالاً مؤلماً على هذه المعضلة. فقد انطلقت الاحتجاجات عام 2011 سلمية في جوهرها، رافعة شعارات الحرية والكرامة والإصلاح السياسي. لكن العنف الذي ووجهت به المظاهرات ساهم في دفع البلاد تدريجياً نحو العسكرة. ومع انتشار السلاح، لم يعد المشهد محكوماً بمنطق المطالب المدنية، بل بمنطق الصراع العسكري. وسرعان ما دخلت أطراف داخلية وخارجية على الخط، وتعددت القوى المسلحة، واختلطت المشاريع السياسية بالحسابات الإقليمية والدولية.
خلال سنوات الحرب، دفع السوريون ثمناً هائلاً لهذه الدوامة. فالعنف الذي استُخدم لقمع المجتمع ولد عنفاً مضاداً، والعنف المضاد استدعى مزيداً من العنف الرسمي وغير الرسمي. وفي كل مرحلة كانت المبررات جاهزة لاستمرار القتال، بينما كانت الخسائر البشرية والاجتماعية والاقتصادية تتضاعف بصورة كارثية. ملايين المهجرين واللاجئين، مئات آلاف الضحايا، ومدن تحولت إلى خرائب، في مشهد يؤكد أن الحروب الأهلية لا تنتج منتصرين حقيقيين بقدر ما تنتج مجتمعات منهكة.
ولعل أحد أخطر آثار العنف أنه لا يدمر الحجر والبشر فقط، بل يغير الثقافة السياسية ذاتها. فعندما يعتاد الناس على رؤية القوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات، يصبح من الصعب لاحقاً إقناعهم بقيم الحوار والتسوية والتعددية. وهنا تكمن المعضلة الكبرى لأي مرحلة انتقالية: كيف يمكن بناء دولة قانون بعد سنوات طويلة من الاحتكام إلى السلاح؟ وكيف يمكن إقناع الأطراف المختلفة بالتخلي عن أدوات القوة التي اعتادت استخدامها؟
إن مستقبل سوريا، كما مستقبل أي مجتمع خرج من أتون الحرب، لا يمكن أن يقوم على منطق الغلبة. فالغلبة قد تمنح استقراراً مؤقتاً، لكنها لا تؤسس سلاماً دائماً. السلام الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات عادلة، وقضاء مستقل، ومواطنة متساوية، وضمانات تحول دون عودة الاستبداد بأشكال جديدة. كما يحتاج إلى الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع، وإلى معالجة جراح الماضي من خلال العدالة والمساءلة لا من خلال الانتقام.
التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في تغيير الأشخاص فقط، بل في تغيير الثقافة السياسية التي سمحت بتكرار دورات العنف عبر العقود. فالدولة التي يراد لها أن تكون مختلفة لا يمكن أن تستند إلى الأساليب التي صنعت المأساة. وإذا كان الاستبداد قد أثبت فشله، فإن العنف بوصفه مشروعاً للتغيير أثبت فشله أيضاً. وما بين هذين الفشلين تبرز الحاجة إلى طريق ثالث، يقوم على السياسة لا الحرب، وعلى المؤسسات لا الأشخاص، وعلى الحقوق لا الامتيازات.
إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه الشعوب ليس إسقاط خصمها بالقوة، بل بناء نظام يجعل عودة الاستبداد مستحيلة. وعندما يصبح القانون أقوى من السلاح، والمواطنة أقوى من العصبية، والمؤسسات أقوى من الأفراد، يكون التغيير قد بلغ غايته الحقيقية. أما إذا بقي العنف هو الحكم النهائي في الحياة العامة، فإن التاريخ سيعيد إنتاج نفسه مرة بعد أخرى، وستظل المجتمعات تدور في الحلقة ذاتها، مهما تغيرت الرايات والشعارات والوجوه.





