
ختمتُ آخر صفحات كتاب «المثقفون والثورة» للمفكر اللبناني نديم البيطار، غير أن الأسئلة التي أثارها لم تغادر ذهني. بل وجدتني أقرأ اليمن أكثر مما أقرأ الكتاب، وأقارن بين ما كتبه البيطار عن أزمة الإنتيليجنسيا العربية وبين ما تعيشه النخبة اليمنية منذ عقود، وصولاً إلى سنوات الحرب.
لم يكن هدفي البحث عن إجابات جاهزة، ولا إسقاط تجربة فكرية على واقع مختلف بكل تفاصيله، لكن بعض الأفكار تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز زمانها ومكانها. ومن بينها فكرة البيطار المركزية: أن الأمم لا تتعثر فقط بسبب أزماتها السياسية، بل أيضاً بسبب عجز نخبها عن إنتاج رؤية تقود المجتمع في لحظات التحول التاريخي.
في اليمن تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
لقد أنتجت الحرب آلاف الخطب، ومئات المبادرات، وعشرات مراكز الدراسات، والإذاعات المحلية، والمواقع الإخبارية، وموجات متلاحقة من التحليلات السياسية، لكنها لم تنتج حتى الآن مشروعاً فكرياً وطنياً يحظى بإجماع واسع، ويقدم تصوراً متكاملاً للدولة التي يريدها اليمنيون بعد الحرب. وما يزال النقاش العام، في كثير من الأحيان، أسير ردود الأفعال اليومية أكثر من كونه منشغلاً ببناء رؤية للمستقبل.
ليست المشكلة في غياب المثقفين؛ فاليمن يزخر بالأكاديميين والباحثين والكتاب والإعلاميين. لكن البيطار يميز بين وجود مثقفين ووجود “إنتيليجنسيا”؛ أي نخبة تحمل مشروعاً تاريخياً، وتربط المعرفة بالفعل، والفكر بالمجتمع. وهذه هي الحلقة التي تبدو مفقودة في التجربة اليمنية.
فخلال سنوات الصراع، انجذبت قطاعات من النخب إلى الاستقطاب السياسي، وتحول بعض المثقفين إلى مدافعين عن الأطراف المتصارعة أكثر من كونهم نقاداً لها. وغابت المسافة النقدية التي تمنح المثقف استقلاله، وحل محلها خطاب يبرر لهذا الطرف أو يهاجم ذاك، بينما بقيت الأسئلة الكبرى المتعلقة بإعادة بناء الدولة، وإصلاح التعليم، وترميم الهوية الوطنية، خارج دائرة الاهتمام الكافي.
ومع ذلك، سيكون من غير المنصف تحميل النخبة وحدها مسؤولية هذا الواقع. فالمثقف اليمني يعمل في بيئة مثقلة بالحرب، وانهيار المؤسسات، والتضييق على الحريات، والاستقطاب الحاد، وهي ظروف تحد من قدرته على التأثير. لذلك فإن أزمة النخبة ليست منفصلة عن أزمة الدولة، بل هي جزء منها ونتاج لها.
غير أن هذه الظروف، على قسوتها، لا تعفي النخب من مسؤوليتها التاريخية. فالأزمات الكبرى كثيراً ما كانت لحظات ميلاد لأفكار كبرى، ولمشروعات غيرت مسار الأمم.
واليمن، وهو يقترب من عقد كامل من الحرب، يحتاج إلى مراجعة فكرية لا تقل أهمية عن أي تسوية سياسية أو عسكرية.
ربما آن الأوان لأن تنتقل النخبة اليمنية من إدارة الخلافات إلى إنتاج البدائل، ومن التعليق على الأحداث إلى صياغة الأفكار، ومن الانشغال بمن يحكم إلى التفكير في كيفية بناء دولة تستحق أن تُحكم.
هذه ليست مهمة السياسي وحده، ولا العسكري، ولا الدبلوماسي، بل هي أيضاً مهمة المثقف الذي يدرك أن دوره لا يبدأ عند كتابة المقال، ولا ينتهي عند إلقاء المحاضرة، وإنما يمتد إلى المساهمة في تشكيل الوعي العام، وإنتاج الأفكار التي تمنح المجتمع القدرة على تجاوز أزماته.
خرجت من قراءة البيطار بقناعة شخصية مفادها أن اليمن لن يخرج من أزمته بالسلاح وحده، ولا بالاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى نهضة فكرية تعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها قوة لبناء الدولة، لا مجرد أداة في الصراع عليها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجه النخبة اليمنية اليوم ليس: من المسؤول عما وصلنا إليه؟ بل: ما الذي يمكن أن نقدمه حتى لا يتكرر هذا المصير مرة أخرى؟





