د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب… مصطفى كامل مراد… رجل كانت عبقريته في بساطته

هناك شهور تمر في حياتنا كما تمر أوراق التقويم، لا تترك في القلب إلا رقمًا جديدًا. وهناك شهور أخرى، كلما أقبلت، شعرت أن الذاكرة ترتدي السواد، وأن الأرواح القديمة تخرج من صورها لتجلس إلى جوارنا من جديد. وأغسطس، بالنسبة لي، لم يعد شهرًا من شهور العام، بل أصبح شهر وداع الكبار.
في الرابع من أغسطس رحل مصطفى كامل مراد عام 1998. وفي الخامس رحل إبراهيم شكري عام 2008. وفي التاسع رحل أبي الروحي فؤاد سراج الدين عام 2000. ثم يأتي الثالث والعشرون من أغسطس، فيستدعي سعد زغلول الذي رحل عام 1927، ثم خليفته مصطفى النحاس الذي رحل في اليوم نفسه عام 1965. خمسة رجال… خمسة أعمدة في تاريخ الوطنية المصرية… كأن أغسطس اختار أن يحتفظ بأسمائهم، وأن يذكرنا كل عام بأن الرجال يرحلون، لكن المبادئ لا ترحل.
ومع ذلك، ظل مصطفى كامل مراد يحتل عندي مكانًا مختلفًا. ليس لأنه أول زعيم للمعارضة في التجربة الحزبية الحديثة، ولا لأنه أحد الضباط الأحرار، ولا لأنه أسس حزب الأحرار الاشتراكيين وأصدر أول صحيفة معارضة يومية في مصر. كل ذلك يكتبه المؤرخون. أما الذي بقي في قلبي، فهو شيء آخر. كانت عبقرية الرجل الحقيقية في بساطته.
عرفت في حياتي رجالًا امتلكوا ذكاءً لافتًا، وآخرين امتلكوا قدرة استثنائية على الخطابة، وغيرهم عرفوا كيف يصنعون لأنفسهم حضورًا صاخبًا. أما مصطفى كامل مراد، فكان حضوره يبدأ من حيث ينتهي حضور الآخرين. كان يدخل المكان فلا يلفت الانتباه بصوته، بل بسكينته. ويغادره تاركًا أثرًا من الطمأنينة، كأن السياسة، على يديه، استعادت شيئًا من أخلاقها الأولى.
لا أذكر أنني دعوته يومًا إلى لقاء أو مؤتمر أو مناسبة، فاعتذر أو تأخر. كان يأتي كما يأتي الأصدقاء. بلا تكلف. وبلا حسابات. ودودًا، عذبًا، خفيف الروح، حتى إنك تنسى، بعد دقائق من الجلوس إليه، أنك أمام رجل حمل رتبة عسكرية، ثم حمل حقيبة وزارة، ثم ترأس حزبًا، ثم أصبح زعيمًا للمعارضة. لم يكن يبقى أمامك إلا الإنسان. وهذه، في رأيي، أعلى درجات الزعامة.
ولا تزال زيارة واحدة محفورة في ذاكرتي، كلما استعدتها شعرت أنني لا أستعيد موقفًا شخصيًا، بل أستعيد أخلاق جيل كامل. زارني في بيتي، وكان ضيفي في تلك الأمسية الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري. وبعد حديث طويل، التفت إليّ مصطفى كامل مراد وقال، بابتسامته الهادئة: «يا أيمن… أريد أن أستعيرك من فؤاد باشا». ثم أردف: «أحلم أن تتحول جريدة الأحرار إلى صحيفة يومية، وأريدك أن تتولى رئاسة تحريرها».
كانت تلك أول مرة في حياتي يُعرض عليّ فيها أن أتولى رئاسة تحرير صحيفة يومية. راقت لي الفكرة، لكنني قلت له: «لن أستطيع أن أجيب قبل أن أستأذن فؤاد باشا». ابتسم، وقال: «إذن سأذهب إليه بنفسي».
وذهب فعلًا إلى منزل فؤاد سراج الدين في جاردن سيتي. وما إن عرض عليه الفكرة، حتى قاطعه فؤاد باشا، ضاحكًا، بتلك الدعابة التي لم تفارقه يومًا: «خذني أنا إعارة… ولا تفكر في أيمن».
ضحك الرجلان، وضحكت حين حكى لي مصطفى كامل مراد ما جرى. لكن السنوات علمتني أن الموقف لم يكن مجرد طرفة. كان درسًا في أخلاق الرجال. في زمن كانت المنافسة السياسية لا تفسد الود، ولا تقتل الشهامة، ولا تحول الخصوم إلى أعداء.
كلما تذكرت تلك الواقعة، لم أعد أتذكر من كان رئيس حزب، ومن كان رئيس وفد، ومن كان زعيم المعارضة. أتذكر فقط أن مصر كانت تنجب رجالًا يختلفون حتى آخر الطريق، ثم يجلسون بعد ذلك حول المائدة نفسها، يتبادلون الضحكات، ويحفظ كل واحد منهم للآخر مكانته وقدره. وأحسب أن هذه، قبل أي خسارة سياسية، هي الخسارة الكبرى التي أصابت حياتنا العامة.
ولد مصطفى كامل مراد عام 1927 في قرية شنشور بمحافظة المنوفية. التحق بالكلية الحربية، وشارك في حرب فلسطين عام 1948، وأصيب إصابة بالغة، ونال ميدالية فلسطين الذهبية. ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عام 1949، وشارك في ثورة يوليو، لكنه لم يتوقف عند العسكرية. خلع البزة العسكرية، وارتدى ثوب السياسي، وظل يحمل الروح نفسها؛ روح المقاتل الذي يرى الوطن مهمة لا تنتهي.
استقال من القوات المسلحة، ودرس العلوم السياسية، ثم دخل مجلس الأمة نائبًا عن مصر القديمة، وكان في تلك المرحلة زميلًا لوالدي، رحمه الله، الذي كان عضوًا في المجلس نفسه. وكثيرًا ما سمعت اسم مصطفى كامل مراد يتردد في بيتنا قبل أن أعرفه عن قرب. وحين التقيته بعد سنوات، اكتشفت أن الواقع كان أجمل من كل ما سمعت. فبعض الرجال، إذا اقتربت منهم، ازدادوا قيمة، لا العكس.
حين بدأت التجربة الحزبية الجديدة في عهد الرئيس أنور السادات، كان مصطفى كامل مراد أول من حمل راية المعارضة المنظمة. أسس حزب الأحرار الاشتراكيين، وأصدر جريدة «الأحرار»، وكتب فيها عشرين عامًا مقاله اليومي الشهير «رأي المعارضة». لم يكن عنوانًا صحفيًا فحسب، بل كان منهجًا في الحياة. كان يؤمن أن الدولة القوية لا تخاف الرأي الآخر، وأن الوطن لا يضعف بتعدد الأصوات، بل يضعف حين يُجبر الجميع على أن يتكلموا بالصوت نفسه.
داخل البرلمان لم يكن من هواة الصخب، لكنه كان من عشاق الحقيقة. قدم استجوابات أصبحت جزءًا من ذاكرة الحياة النيابية المصرية. وحين ناقش أزمة الخبز، لم يكتف بالكلمات، بل حمل معه تحت قبة البرلمان أرغفة خبز سوداء يكسوها التراب والشوائب، ليقول إن الوثيقة الحية أبلغ من ألف خطاب. اعترض رئيس المجلس على المشهد، لكن المشهد بقي في ذاكرة الناس، بينما مضت الاعتراضات مع أصحابها.
كان يؤيد الخصخصة حين رأى فيها مصلحة للاقتصاد، فاتهمه البعض بأنه انحاز إلى الرأسمالية. ثم طالب ببرامج اجتماعية واسعة لحماية الفقراء، فاتهمه آخرون بأنه عاد إلى الاشتراكية. وكان يبتسم. لأنه لم يكن أسير الشعارات، بل أسير مصلحة مصر. لم يكن يمينيًا بالمعنى التقليدي، ولا يساريًا بالمعنى الجامد، بل كان وطنيًا يرى السياسة بعين الوطن، لا بعين الأيديولوجيا.
وحين عينه الرئيس حسني مبارك عضوًا في مجلس الشورى، ظن كثيرون أن الرجل سيهدأ، أو أن حرارة المعارضة ستخفت في صوته. لكن مصطفى كامل مراد بقي كما هو. وقف تحت القبة يهاجم الحكومة، ويعارض سياساتها الضريبية، ووصف وزير المالية يومها بأنه «شفاط لأموال المصريين»، وطالب الحكومة بالرحيل. لم يتغير لأنه انتقل من مقعد المعارضة إلى مقعد التعيين. كانت الكلمة عنده أكبر من المقعد، وكان الضمير لا يعرف التعيين ولا الإقالة.
وربما لهذا السبب، أجمع خصومه قبل أصدقائه على احترامه. وصفه الدكتور مصطفى كمال حلمي بأنه «وطني صاحب مواقف صادقة». وقال عنه الدكتور صلاح قبضايا: «كان كبيرًا وسط الأقزام». أما أنا، فلم أكن أحتاج إلى شهادة أحد. كنت أعرف الرجل عن قرب. رأيته في بيتي، وفي المؤتمرات، وفي اللقاءات الخاصة، ورأيته يضحك كما يضحك الأطفال، ويتواضع كما يتواضع الصالحون. واكتشفت أن بساطته لم تكن أسلوبًا في التعامل، بل كانت أسلوبًا في الحياة.
تعلمت منه أن الإنسان قد يكسب معركة سياسية ويخسر نفسه، وقد يخسر الانتخابات والمناصب، لكنه يربح احترام الناس إذا بقي وفيًا لما يؤمن به. وتعلمت منه أن البلاغة ليست في قوة الخطاب، بل في صدق صاحبه. وأن أكثر الرجال تأثيرًا ليسوا الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا، بل الذين يملؤونها احترامًا.
كلما جاء أغسطس، لا أتذكر يوم رحيله وحده. أتذكر جيلًا كاملًا كان يرى المنصب تكليفًا، والمعارضة واجبًا، والوطن بيتًا يتسع للجميع. وأتساءل: هل كانت عظمة هؤلاء الرجال في ذكائهم؟ أم في تاريخهم؟ أم في مناصبهم؟ ثم أعود إلى الجواب نفسه الذي لم يتغير منذ عرفته: كانت عبقرية مصطفى كامل مراد… في بساطته.
أحيانًا يخدعنا التاريخ، فيجعلنا نظن أن الزعماء هم الذين جلسوا أطول على المقاعد. لكن الزمن لا يحفظ أسماء الذين أطالوا البقاء في السلطة، بقدر ما يحفظ أسماء الذين أطالوا البقاء في الضمير. وكان مصطفى كامل مراد واحدًا من هؤلاء. لم يكن أكثر السياسيين نفوذًا، ولا أكثرهم ثراءً، لكنه كان، بلا ضجيج، واحدًا من أكثرهم احترامًا، وكان الاحترام، في حياته، أكبر من النفوذ، وأبقى من السلطة.
لم يكن يطارد الكاميرات، ولم يكن يكتب البطولة عن نفسه. كان يعرف أن التاريخ لا يكتبه أصحاب الضجيج، بل يكتبه أصحاب الأثر. ولهذا ظل أثره أكبر من حضوره الإعلامي، وظلت سيرته أنظف من كثير من السير التي ملأت الدنيا صخبًا ثم اختفت.
واليوم، وأنا أكتب عنه في ذكرى رحيله، لا أشعر أنني أرثي رجلًا، بل أشعر أنني أستعيد جزءًا من نفسي، وجزءًا من زمن كنت أظنه لن يغيب. زمن كانت فيه الكلمة تسبق المصلحة، وكانت الصداقة أكبر من المنافسة، وكانت الوطنية لا تحتاج إلى شهادة حسن سيرة.
أعود مرة أخرى إلى تلك الزيارة القديمة في بيتي، وإلى ذلك المساء الذي جلس فيه مصطفى كامل مراد إلى جوار الرئيس جعفر نميري، وأسمعه يقول لي: «أريد أن أستعيرك من فؤاد باشا». ثم أسمع ضحكة فؤاد سراج الدين وهو يجيبه: «خذني أنا إعارة… ولا تفكر في أيمن». كلما تذكرت هذه الواقعة، لا أبتسم فقط، بل أتحسر على زمن كانت المنافسة فيه شريفة، وكانت القلوب أنظف، وكانت النفوس أوسع.
سلام عليك يا مصطفى كامل مراد… يا ابن شنشور الذي حمل البندقية دفاعًا عن وطنه، ثم حمل الكلمة دفاعًا عنه. يا أول زعيم للمعارضة في التجربة الحزبية الحديثة، ويا صاحب «رأي المعارضة» الذي ظل يكتب ضميرًا قبل أن يكتب مقالًا، ويا الرجل الذي دخل بيوت الناس بمحبتهم، وخرج من الدنيا تاركًا خلفه احترامًا لم تستطع السنوات أن تنتقص منه.
أما أنا… فسيبقى يكفيني أنني عرفتك عن قرب، ورأيت فيك من البساطة ما جعلني أوقن أن التواضع ليس خلقًا إضافيًا عند الرجال الكبار، بل هو الدليل الأول على عظمتهم. رحمك الله… فقد كنت، كما عرفتك، رجلًا كبيرًا… لأنه لم يحاول يومًا أن يبدو كبيرًا.
ولهذا… كلما جاء أغسطس، ازدادت الوجوه غيابًا عن الدنيا، وحضورًا في القلب. ويبقى مصطفى كامل مراد… وجهًا لا يغيب.







