الجزائر

ليلى لوفيفغ.. رحلة إلى الجزائر على أرض القديس أوغسطين

في كتابها «ليون الرابع عشر في الجزائر… على أرض القديس أوغسطين»، تقدم الصحفية الجزائرية-البلجيكية ليلى لوفيفغ، الصحفية المعتمدة لدى الاتحاد الأوروبي، عملًا يجمع بين التحقيق الصحفي والبحث التاريخي والسرد الإنساني، مستلهمةً انتخاب البابا ليون الرابع عشر، أول بابا ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية، لتعيد تسليط الضوء على الجزائر بوصفها موطن القديس أوغسطين، أحد أعظم فلاسفة ومفكري الإنسانية.

وتأخذ الكاتبة القارئ في رحلة عبر عدد من المدن الجزائرية، من بينها عنابة، وسوق أهراس، وتيبازة، وشرشال، وتلمسان، وبجاية، والجزائر العاصمة، حيث تتبع آثار القديس أوغسطين، وتستعرض مسيرته الفكرية والروحية، مؤكدة أن جذوره ضاربة في أرض الجزائر، قبل أن يصبح أحد أبرز الشخصيات التي أثرت في الفكر الديني والإنساني عبر العصور.

ولا يكتفي الكتاب باستعادة صفحات من التاريخ، بل يربط الماضي بالحاضر من خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، باعتبارها حدثًا يحمل أبعادًا روحية وثقافية وحضارية، ويعيد التذكير بالمكانة العالمية التي يحتلها التراث الجزائري، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الجزائر في تعزيز الحوار بين الحضارات والأديان.

ويحمل الكتاب أيضًا بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير، إذ تستعيد الكاتبة تجربة شخصية مؤلمة بعدما مُنعت عام 2013 من العودة إلى الجزائر لحضور جنازة والدتها، إثر مصادرة جواز سفرها خلال عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. وظل هذا الجرح مفتوحًا لسنوات، حتى تلقت دعوة رسمية من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للعودة إلى الجزائر في مايو/أيار 2022.

وفي أحد أكثر فصول الكتاب تأثيرًا، تصف ليلى لوفيفغ لحظة وقوفها للمرة الأولى أمام قبر والدتها بعد سنوات من الغياب، حيث امتزجت الذكريات بالحزن والسكينة، وتحولت تلك اللحظة إلى مصالحة مع الذات، وإلى وداع لم تتمكن من عيشه يوم رحيل والدتها.

ومن خلال هذه التجربة، تكشف الكاتبة أن رحلتها في البحث عن القديس أوغسطين كانت، في الوقت نفسه، رحلة للبحث عن جذورها وذاكرتها وانتمائها، لتصبح الجزائر في صفحات الكتاب أكثر من مكان؛ إنها وطن يسكن الذاكرة والوجدان.

ويخلص الكتاب إلى أن الهوية الجزائرية تشكلت عبر تعاقب حضارات وثقافات متعددة، من الأمازيغية والرومانية إلى المسيحية والإسلام، وأن هذا التنوع يمثل مصدر ثراء حضاري وإنساني، ويؤكد قدرة التاريخ على بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات.

إنه كتاب عن الجزائر، وعن القديس أوغسطين، وعن البابا ليون الرابع عشر، لكنه في جوهره كتاب عن الذاكرة، والانتماء، والوفاء، والمصالحة، والحوار بين الحضارات، وعن وطن يكتشفه العالم من جديد عبر واحدة من أهم الشخصيات الفكرية التي أنجبها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى