مقالات وآراء

د.نزار كريش يكتب: ليبيا بين شرعية الغاب واقتصاد الافتراس

منذ أن أعلن الجنرال حفتر انقلابه على الدستور الانتقالي عبر قناة العربية عام 2014، دخلت ليبيا مرحلة فرضت فيها الحرب شرعية الأمر الواقع. فقد أدت معارك بنغازي لاحقًا إلى انقسام البلاد ومؤسساتها ومجتمعها. ومع استمرار النزاع، رعت الأمم المتحدة مفاوضات لإنهائه، انتهت إلى اتفاق الصخيرات. غير أن حفتر شن هجومًا جديدًا عام 2019، قبل أيام من حوار وطني جامع كان المبعوث الأممي غسان سلامة يستعد لعقده. وبعد فشل الهجوم في السيطرة على طرابلس، انطلق حوار آخر في جنيف أفضى إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. لكن النظام السياسي الذي نشأ بعد جنيف أخفق في تنظيم انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية وتنقل البلاد إلى وضع دائم.


يمكن قراءة هذا المسار بوصفه تفكيكًا لشرعية الثورة عبر بناء سرديات مضادة، بالتوازي مع تراجع مستمر في قدرة المؤسسات على إدارة المجتمع وموارد البلاد. لذلك لا يمكن فصل شرعية السلطة عن الإطار القانوني والمنظومة الأخلاقية التي تضبطهما. وفي خضم الحوارات والنزاعات والحروب والمؤامرات والمناورات، ترسخت أعراف سلوكية ونشأ اقتصاد نزاع يصفه الباحثون بـ«اقتصاد الافتراس».


ثمة فجوة واسعة بين القواعد والقرارات التي تصدرها المؤسسات وبين سلوك السياسيين وموظفي الدولة؛ أي بين ما يُدوَّن في الاتفاقيات والملاحق والإعلانات القانونية والدستورية، وما يفرضه الواقع ليتحول تدريجيًا إلى دستور فعلي يحكم جميع الأطراف. وقد تواجه هذه الشرعية مقاومة قانونية وأحكامًا ورفضًا، لكنها تنتهي إلى أن تصبح أقوى من الحوارات والاتفاقات. إنها شرعية تلقائية تضبط السلوك قبل القرارات، وتفرض الواقع قبل الخطط والبرامج والمقترحات، وتؤثر في الرأي العام وتكرّس سرديتها رغم الخطابات عن القيم والوطن والمواطن.


يبقى السؤال: كيف تشكّلت هذه الشرعية في السياق الليبي، وكيف يمكن تفكيكها إلى جانب اقتصاد الافتراس؟

شرعية الغاب


رغم السمعة السلبية للغابة، فإنها تخضع لمنطق واضح قوامه القوة والقدرة على السيطرة. وهذه هي الحالة البدائية لأي نظام سياسي؛ فعند نزع النظام والدستور والقانون، تبرز حالة أقرب إلى «شرعية الغاب». قد يتقاطع ذلك جزئيًا مع تصور توماس هوبز، لكنه لا يطابقه تمامًا. ففي ليبيا، حين أضعف حفتر قيمة القانون وأفرغ الثورة من معناها، نشأت شرعية جديدة تقوم على القوة المسلحة. وتتجسد هذه الشرعية في مليشيات تحمل تسميات مختلفة، وتعد قوات حفتر أبرز صورها، إذ تسيطر بالقوة على موارد البلاد وتؤثر في قرارات المؤسسات الرسمية، وهو ما تؤكده تقارير خبراء الأمم المتحدة. غير أن هذه السيطرة تحتاج إلى غطاء سياسي واقتصادي. سياسيًا، تُروَّج سردية «الرجل القوي» المستعد لفعل أي شيء للوصول إلى السلطة، ثم يُعاد تشكيل صورته كلما ترسخ نفوذه. لذلك تتراجع صورة الجنرال المتوعد، لتحل محلها صورة أبنائه وهم يتحدثون عن الإعمار أو يزورون دول المنطقة بوصفهم أطرافًا سياسية ناضجة، جاهزة للتفاوض وحكم البلاد (شرعية الأبناء).


وفي الغرب تشكّلت معادلة مماثلة: كلما جاءت حكومة شرعية أحاطت بها المليشيات؛ بعضها طلبًا للحماية، وبعضها للتغلغل في مؤسسات الدولة، بما يضمن بقاءه ضمن الأطر الرسمية وحصته من الموارد. وقد تناول الباحث ولفرام لاشر هذه الظاهرة في كتابه «تفتت ليبيا»، مشيرًا إلى مفارقة حصول المليشيات على رواتب عناصرها ومقومات بقائها من الدولة نفسها، رغم قدرتها على الانقضاض على الحاكم والانقلاب عليه في أي وقت. وقد أفرز هذا الوضع عددًا من الأعراف.


من أبرز هذه الأعراف تضخيم مكانة المليشيات واعتبارها جزءًا ثابتًا من المشهد، وهيمنة الحسابات الأمنية على القرار، وتشويه صورة الدولة لدى الرأي العام. كما تتكرر المؤامرات والمواجهات المتقطعة بين المليشيات كلما ظهرت مبادرات أو تحولات سياسية قد تهدد الزعامات القائمة. وفي الشرق، تتجدد أحيانًا نزاعات في الجنوب بين قوات مدعومة من الغرب وقوات حفتر، فيما يدعم الأخير مجموعات في الغرب ضد الحكومة، في حرب باردة لم تنتهِ.


لم يعد هذا الوضع استثناءً، بل أصبح قاعدة أفقدت الحياة معناها الطبيعي لدى الليبيين. فمن يفتقر إلى النفوذ والسلطة يبقى خارج هذه الشبكات، باحثًا عن الأمان له ولأسرته وسط منظومة معقدة من المصالح. وينعكس ذلك سلبًا على تصور الناس للحياة والعمل السياسيين، وعلى ثقتهم بالدولة ومؤسساتها.

اقتصاد الافتراس


يُعد «اقتصاد الافتراس» أحد المصطلحات المستخدمة في أدبيات النزاعات لدى الأمم المتحدة. ويصف اقتصادًا تستولي فيه السلطات والنخب المتنفذة على الموارد، إلى جانب «اقتصاد الظل» الذي تديره جهات تشبه الثعالب والذئاب، مستفيدةً من صراع الكبار، ثم «اقتصاد الحياة» الذي يعتمد عليه عامة الناس والطبقة الوسطى لتأمين المعيشة والاستمرار في الحياة. وفي ليبيا، لا يمكن للمليشيات أن تستمر ما لم تكن جزءًا من منظومة الافتراس، كما لا يستطيع الحاكم إدارة السلطة من دون فهم هذه المعادلة. ففي الشرق، تمكّن خليفة حفتر من إحكام سيطرته بحيث لم يبقَ حوله سوى اقتصاد الظل؛ فاستولى على مفاصل الدولة، وسمح لجهات نافذة بالاستثمار وتنفيذ مشروعات ذات أهداف سياسية تُظهر عائلة حفتر في صورة المنقذ لليبيا وأهلها.


تُبيّن الدراسات أن مليشيا واحدة متوسطة الحجم قد تكلّف مائة ألف دولار يوميًا لتغطية الخدمات المعيشية واللوجستية، أي حوالي 36 مليون دولار سنوياً، وهو ما يشكّل ضغطًا كبيرًا على السلطات في الشرق والغرب، ولا سيما أن هذه المليشيات تصرّ على البقاء منفصلة عن الدولة. وفي الشرق، تتوافر الأموال عبر طرق غير مشروعة، أورد تقرير الخبراء أن أغلبها يرتبط بالتهريب؛ أما في الغرب، فتُستنزف موارد الدولة عبر شبكات فساد تتجاوز الرقابة والمحاسبة. وبين فساد الحكومات، والاقتصاد الموازي لشبكات التهريب، وتشابك هذه التعقيدات، تصبح ليبيا صورةً ونموذجًا لاقتصاد الافتراس.


في الغرب، مثلًا، حاولت المليشيات أن تصبح جزءًا من عقود الدولة، سواء عبر شركات خاصة تابعة لها أو من خلال توفير الحماية لشركات تمتلك عقودًا مجزية مع الدولة. ورغم الحديث عن سيطرة مؤسسات الدولة، فإن الأعراف التي رسختها «شرعية الغاب» تجعل أي محاولة لكسر الواقع القائم تبدو غريبة، وربما أقرب إلى الإفساد منها إلى الإصلاح. وهذا ما حدث حين تمكّنت الحكومة من القضاء على مليشيا عبد الغني الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس؛ إذ سرعان ما اصطدمت بتوازنات سياسية دفعتها إلى إعادة النظر في قدرتها على تفكيك هذه المنظومة وإحداث تحول حقيقي في شرعية الغاب واقتصاد الافتراس في الغرب.


أمام السياسي خياران لا ثالث لهما: إما أن يدخل في صراع من أجل بناء الدولة، وإما أن يقبل بالبقاء حفاظًا على نفسه وعلى الأوضاع القائمة، خشية انفجار حرب قد تفتح الباب أمام نزاعات مأساوية لا تنتهي. وهذا هو، على وجه الدقة، مفهوم شرعية الغاب واقتصاد الافتراس. قد تبقى الغابة سنوات، لكنها تظل غابة؛ وقد يعاني الناس طويلًا، ثم يألفونها ويرضى كلٌّ منهم بنصيبه، ما لم تُفكَّك هذه المعادلات الصعبة. والخبر الجيد أن هذه الشرعية وهذا الاقتصاد هشّان، وقد ينهاران في لحظات؛ لكن لا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى