مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: هجرة العقول المصرية من نزيف الكفاءات إلى استثمار الخبرات


في صالات المغادرة بمطار القاهرة، لا نودع عباقرة استثنائيين في كل مرة، بل نودع في الغالب شباباً مجتهداً يبحث عن فرصة عادلة.

وبعد سنوات قليلة، نفاجأ بأن ذات الشاب أصبح مديراً تنفيذياً في دبي، أو باحثاً في برلين، أو رائد أعمال في أمستردام.

ويبرز هنا تساؤل جوهري يتجاوز السؤال التقليدي “لماذا هاجروا؟” إلى سؤال أكثر عمقاً لماذا نجحوا بهذا القدر بعد هجرتهم؟

أولاً: الأرقام لا تكذب.. حجم النزيف فالأرقام الرسمية تكشف حجم الظاهرة فوفقاً لسجلات نقابة الأطباء، فإن نصف الأطباء المسجلين في النقابة يعملون في الخارج، وفي تقدير آخر أكثر دقة، فإن 56% منهم يعملون خارج مصر، ولا يتبقى سوى حوالي 62 ألف طبيب فقط يعملون في المستشفيات الحكومية لخدمة أكثر من 110 مليون نسمة. 

وموجات الهجرة في تسارع مستمر فقد كشف بيان لنقابة الأطباء أن نحو 7 آلاف طبيب غادروا البلاد للعمل في الخارج عام 2023 وحده، بعد موجة بلغت نحو 16 ألف طبيب عام 2021 وعلى سبيل المثال، شهدت هجرة الأطباء المصريين إلى بريطانيا زيادة بنسبة 202% منذ عام 2017، حيث ارتفع العدد من 435 طبيباً في 2017 إلى 1312 طبيباً في 2021. 

هذا النزيف وضعنا تحت الحد الأدنى العالمي. فمعدل الأطباء في مصر هو 7.09 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، بينما الحد الأدنى المقبول وفق منظمة الصحة العالمية هو 10 أطباء لكل 10 آلاف.

وفي محاولة لتعويض النقص، أعلنت الدولة أنها تخرج حالياً حوالي 13 ألف طبيب سنوياً، وقد يرتفع العدد إلى 22 ألفاً مع توسع الجامعات الخاصة. 

ثانياً لماذا ينجحون هناك؟ بيئة النجاح إن نجاح المصري في الخارج لا يمكن اختزاله في الدخل المادي فهو ينجح لأنه وجد ثلاثة أركان سيادة النظام نظام واضح يكافئ الاجتهاد بغض النظر عن العلاقات، مما يمنح شعوراً بالأمان الوظيفي.

وكذلك احترام الوقت بينما يهدر الشاب ساعات في المواصلات والمعاملات الورقية في الداخل، ينجزها في الخارج بضغطة زر، فيستثمر وقته في التطوير.

و الحق في الخطأ ثقافة تشجع على التجربة وتعتبر الفشل جزءاً من التعلم، فتصنع مبتكراً جريئاً بدلاً من موظف خائف.

ثالثاً من خسارة إلى ثروة.. الوجه الآخر للعملة
رغم قسوة الأرقام، هناك وجه آخر مضيء يجب استثماره فالمصريون في الخارج هم أكبر مصدر للعملة الصعبة في تاريخ مصر الحديث.

فقد سجلت تحويلات العاملين في الخارج نحو 29.6 مليار دولار في عام 2024 مقابل 19.5 مليار دولار في 2023 بنسبة زيادة 51%، بل وبلغت التدفقات القياسية في السنة المالية 2024-2025 نحو 36.5 مليار دولار وهو ما وضع مصر في المركز السابع عالمياً بين أكبر الدول المتلقية للتحويلات بإجمالي 22.7 مليار دولار وفق البنك الدولي. 

الخلاصة عقل على أهبة الاستعداد إن الحل ليس في إغلاق المطار ولا في خطاب يتهم المغترب بالجحود.

تجربة الهند والفلبين علمتنا أن نتعامل مع المغترب كثروة قومية متنقلة.

المطلوب ليس عودة جسدية جماعية، بل عودة وظيفية ذكية منصة رسمية تربط الخبير في أمستردام بطالب في المنصوره، وتشريع يسمح للكفاءة أن تأتي شهراً في العام لنقل خبرة نوعية، وتشجيعهم ليكونوا جسوراً لتسويق المنتج المصري عالمياً.

قبل أن نسأل لماذا تركونا، علينا أن نسأل بصدق ماذا فعلنا ليبقوا؟

وماذا سنفعل ليظلوا مرتبطين بوطنهم وإن بعدت المسافات .

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى