د. أيمن نور يكتب: عبد الرحمن السيد والدمرداش الذي بنى صرحًا صحيًا… ولم يبنِ قصرًا ملكيًا . وجوه لا تغيب

في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كنت منشغلًا برجل لم أره يومًا، لكنه كان حاضرًا في خيالي أكثر من كثيرين التقيتهم. لم يكن يشغلني لقبه، ولا ثروته، ولا مكانته الاجتماعية، بقدر ما كانت تشغلني الفكرة التي عاش من أجلها. يومها كنت أحلم، على قدر استطاعتي، أن أفعل شيئًا يشبه ما فعله، ولو بفارق شاسع في الحجم والأثر. ومن هنا ولدت، بالتعاون مع الصديق العزيز الدكتور عادل الركيب، فكرة مستشفى نور الخيري المجاني، الذي ظل سنوات طويلة يفتح أبوابه للفقراء من أبناء دائرتي في الموسكي وباب الشعرية والجمالية والدرب الأحمر، يقدم لهم العلاج والدواء بلا مقابل. لم أكن أظن وقتها أنني، دون أن أشعر، أسير على طريق بدأه رجل اسمه عبد الرحيم باشا الدمرداش.
قبل أيام قليلة، وأنا أتابع البرنامج الانتخابي للطبيب المصري الأصل عبد الرحمن السيد، الذي فاز بمنصب حاكم ولاية ميشيغان، عادت تلك الفكرة القديمة إلى ذاكرتي. لم يكن ما شدني إليه مجرد نجاحه السياسي، بل ذلك الإيمان العميق بأن بناء المجتمع يبدأ من صحة الإنسان، وأن إصلاح الدولة يمر أولًا عبر المستشفى، قبل أن يمر عبر البرلمان أو قاعات الحكم. عندها وجدت نفسي أعود، من جديد، إلى أسماء مصرية كبيرة، لم تنل ما تستحقه من الإنصاف، مثل سيد جلال وعبد الرحيم باشا الدمرداش، اللذين فهما، قبل عشرات السنين، أن الطب ليس مهنة فقط، بل مشروع حضاري.
وربما كان سيد جلال وعبد الرحيم باشا الدمرداش يمثلان نموذجين متناقضين في كل شيء، إلا في الهدف. جاء سيد جلال من قاع المجتمع، وصعد بإرادته وعمله حتى أصبح رمزًا اجتماعيًا وسياسيًا، بينما وُلد عبد الرحيم باشا الدمرداش في أسرة عريقة، جمعت بين الثراء والنفوذ والمكانة، وكان يستطيع أن يضيف إلى أمجاده أمجادًا جديدة، لكنه اختار طريقًا آخر؛ أن يجعل ثروته وسيلة لشفاء الناس، لا وسيلة لزيادة نفوذه.
كثيرًا ما أسأل نفسي: كم مليون مصري مروا من بوابة مستشفى الدمرداش؟ وكم أم خرجت منها تحمل طفلها، بعدما ظنت أنها ستخرج وحدها؟ وكم فقير وجد فيها علاجًا لم يكن يملك ثمنه؟ وكم طبيب بدأ بين جدرانها أول درس في الطب؟ ثم أسأل السؤال الأصعب: كم واحدًا من هؤلاء يعرف اسم الرجل الذي جعل كل ذلك ممكنًا؟ كم واحدًا يعرف من هو عبد الرحيم باشا الدمرداش؟
تلك واحدة من مفارقات التاريخ التي تستحق التأمل. ملايين المصريين يرددون اسم «الدمرداش» كل يوم، لكن قليلين يعرفون صاحبه. يتعاملون معه بوصفه اسم مستشفى، أو محطة، أو حي من أحياء القاهرة، بينما الحقيقة أن وراء هذا الاسم رجلًا اختار أن يحول ثروته إلى حياة، وأن يبني للناس مستشفى، قبل أن يفكر في أن يبني لنفسه قصرًا.
وُلد عبد الرحيم باشا الدمرداش في أسرة ارتبط اسمها بالطريقة الدمرداشية وبالعمل العام. وكان يمكن أن يعيش حياته كلها في حدود الطبقة التي وُلد فيها، وأن يجعل ثروته امتدادًا لاسمه، كما فعل كثيرون من أبناء عصره. لكنه فعل العكس تمامًا؛ جعل اسمه امتدادًا لما أنفقه على الناس. وهنا، في تقديري، تبدأ العظمة الحقيقية.
في عشرينيات القرن الماضي، حين كانت الرعاية الصحية امتيازًا لا يصل إليه أغلب الفقراء، اتخذ الرجل قرارًا يبدو، حتى اليوم، سابقًا لعصره. قرر أن يبني مستشفى خيريًا مجانيًا، لا ليحمل اسمه فحسب، بل ليحمل رسالته. تبرع بالأرض، وتكفل بنفقات البناء، وخصص للمشروع وقفًا يضمن استمراره، ووضع شروطًا واضحة تؤكد أن الهدف الأول هو علاج الناس، لا تحقيق الربح، وأن يبقى باب الرحمة مفتوحًا لكل محتاج.
لم يكن يبني مبنى.
كان يبني فكرة.
وكان يؤمن أن المجتمع الذي لا يداوي فقراءه، لا يملك أن يتحدث عن الحضارة، ولا عن العدالة، ولا عن التقدم. ولهذا لم تكن مستشفى الدمرداش مشروعًا خيريًا عابرًا، بل إعلانًا أخلاقيًا يقول إن المال لا يكتمل شرفه إلا إذا تحول إلى رحمة.
حين وُضع حجر الأساس عام 1928، لم يكن أحد يتخيل أن هذا المشروع الصغير سيصبح، بعد سنوات، واحدًا من أعظم الصروح الطبية والتعليمية في مصر، وأن ترتبط به كلية الطب، وأن يتخرج بين جدرانه آلاف الأطباء الذين سيحملون رسالته إلى مصر والعالم العربي. لكن الأفكار الصادقة، كالبذور الطيبة، لا تكبر مرة واحدة… وإنما تنمو في صمت، حتى تتحول إلى أشجار يستظل بها الجميع.
لم يكن عبد الرحيم باشا الدمرداش طبيبًا، كما أن الدكتور عبد الرحمن السيد ليس مجرد سياسي دخل عالم الانتخابات من بوابة الطب. لكن ما جمع بين الرجلين، رغم تباعد الزمان والمكان، هو إيمان نادر بأن صحة الإنسان ليست بندًا في ميزانية الدولة، بل هي أول شروط كرامته، وأول أبواب نهضتها.
أكثر ما يدهشني في سيرة عبد الرحيم باشا الدمرداش أنه لم يبحث عن مجد سياسي، رغم أن أبوابه كانت مفتوحة أمامه، ولم يطارد منصبًا، رغم أن طبقته الاجتماعية كانت تؤهله لذلك. كان يستطيع أن يصبح واحدًا من كبار رجال السلطة، لكنه اختار أن يصبح واحدًا من كبار رجال المجتمع. اختار أن يترك وراءه مؤسسة، لا خطبة. وأن يورث وطنه مستشفى، لا قصرًا. وأن يكتب اسمه في ضمير الناس، لا على أبواب الدواوين.
لم يكن مشروع الدمرداش مجرد مبنى من الحجر.
كان بناءً للثقة.
فالمريض الفقير، حين يدخل مستشفى لا يُسأل أولًا عن قدرته على الدفع، يشعر أن الوطن لم ينسه بعد. وأن هناك من فكر فيه قبل عشرات السنين، وهو لا يعرف اسمه، ولا ينتظر منه كلمة شكر.
وربما لهذا السبب لم يتحول اسم «الدمرداش» إلى اسم مستشفى فقط.
بل تحول إلى مرادف للأمل عند ملايين المصريين.
كم من أم قالت: «سنذهب إلى الدمرداش».
وكم من أب ظل يدعو الله أن يجد سريرًا في الدمرداش.
وكم من طالب طب حلم أن يبدأ رحلته العلمية بين جدرانه.
وهكذا أصبح اسم الرجل جزءًا من اللغة اليومية للمصريين، بينما غابت سيرته عن كثير منهم.
ثم جاءت السنوات، وكبر المشروع، حتى أصبحت مستشفى الدمرداش مدرسة طبية قبل أن تكون مستشفى.
وتخرج فيها آلاف الأطباء، الذين انتشروا في مصر والعالم العربي، يحملون علمهم من المكان الذي بدأ يومًا بفكرة في رأس رجل آمن بأن الوقف لا ينبغي أن يطعم الجائع فقط…
بل أن يعالج المريض أيضًا.
وهكذا استمرت الصدقة، لا جارية فحسب…
بل متجددة.
كل طبيب تعلم هناك، كان امتدادًا لرؤية عبد الرحيم باشا.
وكل مريض خرج معافى، كان دعاءً جديدًا في ميزان رجل رحل منذ زمن طويل.
كثيرًا ما نتحدث اليوم عن «المسؤولية الاجتماعية» بلغة الاقتصاد، وعن «الاستثمار المجتمعي» بلغة الشركات، بينما سبق عبد الرحيم باشا الدمرداش هذه المصطلحات كلها بعشرات السنين.
لم يكن يعرف هذه التعبيرات الحديثة.
كان يعرف شيئًا أبسط منها، وأعمق منها.
كان يعرف أن المال، إذا لم يخفف وجع الناس، فقدَ أهم معانيه.
وأن الثروة التي لا تترك أثرًا في حياة الفقراء، تبقى أرقامًا جامدة، مهما عظمت.
لعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الرجل لم يبنِ مستشفى يحمل اسمه طلبًا للخلود.
لكن الخلود جاءه من حيث لم يقصد.
فكل يوم ينطق فيه مصري كلمة «الدمرداش»، فهو، من حيث لا يدري، يستدعي ذكرى رجل جعل من اسمه عنوانًا للشفاء.
وما أعظم أن يتحول اسم الإنسان، بعد رحيله، إلى باب يدخل منه الناس إلى الحياة.
أحيانًا أتساءل…
كم واحدًا منا يعرف أسماء الذين بنوا القصور؟
وقليلون هم الذين يعرفون.
لكن ملايين يعرفون الدمرداش.
ليس لأنهم قرأوا سيرة صاحبه.
بل لأنهم لمسوا أثره.
وهنا تكمن العدالة الجميلة للتاريخ.
فالتاريخ قد ينسى أصحاب النفوذ.
لكنه لا ينسى أصحاب الرحمة.
وربما لهذا السبب، أعاد عبد الرحمن السيد إلى ذاكرتي عبد الرحيم باشا الدمرداش.
ليس لأن الرجلين تشابها في الظروف.
ولا لأن أحدهما سار على خطى الآخر.
بل لأن كليهما انطلق من الفكرة نفسها.
أن بناء الإنسان يبدأ بحماية صحته.
وأن المجتمع الذي يداوي أفراده، يملك فرصة حقيقية ليبني مستقبله.
وأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله، ليس حسابًا مصرفيًا، ولا عقارًا، ولا لقبًا…
بل بابًا مفتوحًا للرحمة.
سلام على عبد الرحيم باشا الدمرداش…
الرجل الذي أدرك أن أعظم استثمار ليس في الأرض، بل في الإنسان.
وأن أجمل وقف ليس ما يخلد الاسم، بل ما يخفف الألم.
وأن المستشفى قد تكون، أحيانًا، قصيدة رحمة مكتوبة بالحجر.
أما أنا…
فكلما مررت باسم «الدمرداش»، لا أراه لافتة على مبنى.
أراه رجلًا رحل منذ زمن بعيد…
وما زال، كل صباح، يفتح بابه لمريض جديد.
وما زال يربت، في صمت، على كتف مصر.
ولهذا…
لا يبقى عبد الرحيم باشا الدمرداش مجرد اسم في سجل المحسنين.
بل يبقى ضميرًا حيًا، يذكرنا بأن بعض الرجال لا يورثون أبناءهم ثروة فقط…
بل يورثون وطنهم رحمة.
ولهذا…
يبقى عبد الرحيم باشا الدمرداش…
وجهًا لا يغيب.







