شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر والجوار الكبير… كيف تصنع الجغرافيا المستقبل؟ مصر الممكنة 2030 (65) مصر ومحيطها الإقليمي… (10 من 10)

ليست الجغرافيا قدرًا صامتًا على الخرائط. إنها في حياة الأمم امتحان دائم للوعي والإرادة. قد تتحول إلى عبء إذا أُديرت بالخوف والارتباك، وقد تصبح رصيدًا هائلًا إذا أُديرت بالعقل والثقة والرؤية.

ومصر من أكثر دول العالم التي منحتها الجغرافيا معنى يتجاوز الحدود. فهي ليست دولة على نهر فقط، ولا دولة على بحر فقط، ولا دولة عربية فقط، ولا دولة أفريقية فقط، ولا دولة متوسطية فقط. إنها نقطة التقاء نادرة بين دوائر متعددة، وكل دائرة منها يمكن أن تكون مصدر قوة إذا وُضعت في مشروع وطني واضح.

من السودان إلى ليبيا، ومن غزة إلى الخليج، ومن القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط، ومن أوروبا إلى أفريقيا، تبدو مصر واقفة في قلب خرائط متحركة. وهذه المكانة لم تكن يومًا مجرد امتياز، بل كانت دائمًا مسؤولية ثقيلة. فالدول التي تقع في قلب العالم لا تملك رفاهية العزلة.

وقد حاول هذا الباب من «مصر الممكنة 2030» أن يقرأ الجوار المصري لا بوصفه مجموعة ملفات منفصلة، بل بوصفه مجالًا واحدًا تتقاطع فيه السياسة بالأمن، والتنمية بالهجرة، والطاقة بالمياه، والحدود بالإنسان، والمصالح بالقيم.

فالسودان ليس خبرًا بعيدًا في الجنوب، بل عمق تاريخي وإنساني وأمني لمصر. وليبيا ليست حدودًا غربية فقط، بل مرآة لخطورة انهيار الدولة في الجوار. وغزة ليست مأساة فلسطينية وحدها، بل جرح مفتوح في ضمير المنطقة، واختبار دائم لمعنى الأمن والعدالة. والبحر الأحمر ليس ممرًا مائيًا فقط، بل شريان حياة للتجارة والطاقة والأمن القومي. وشرق المتوسط ليس ملف غاز وحده، بل مساحة تنافس وتعاون وصراع ومستقبل.

لذلك فإن مصر الممكنة تحتاج إلى إعادة تعريف الأمن القومي. فالأمن لم يعد يعني الحدود العسكرية وحدها، بل يعني الماء والغذاء والطاقة والتعليم والصحة والاقتصاد والعدالة والصورة الدولية والقدرة على بناء التحالفات. الدولة التي تملك السلاح ولا تملك الرؤية تظل قلقة، أما الدولة التي تجمع القوة إلى الحكمة فتصبح أكثر قدرة على حماية نفسها ومحيطها.

ولعل الخطأ الأكبر في إدارة الجوار هو التعامل معه بعقلية رد الفعل. ننتظر الأزمة حتى تنفجر، ثم نبحث عن سياسة. ننتظر الحرب حتى تشتعل، ثم نبحث عن وساطة. ننتظر تدفق اللاجئين، ثم نبحث عن حلول. بينما الدولة الرشيدة لا تنتظر الحرائق كي تشتري الماء.

مصر الممكنة يجب أن تنتقل من سياسة الإطفاء إلى سياسة البناء. من إدارة الأزمات إلى منعها. من الانفعال بالخرائط إلى صناعة موقع فاعل داخلها. وهذا يتطلب مؤسسات تفكر، وبرلمانًا يناقش، وإعلامًا يفهم، ومراكز بحث تقترح، وأحزابًا تشارك، ومجتمعًا يعرف أن السياسة الخارجية ليست شأنًا بعيدًا عن حياته اليومية.

فكل اضطراب في الجوار يدفع المواطن المصري ثمنه بشكل أو بآخر. في الأسعار، وفي الأمن، وفي فرص العمل، وفي الطاقة، وفي السياحة، وفي صورة البلد. لذلك فإن السياسة الخارجية ليست ترفًا للنخب، بل خبز يومي مؤجل يظهر أثره حين تغيب الرؤية.

ومن هنا يجب أن تكون لمصر استراتيجية إقليمية معلنة حتى عام 2030، تحدد أولوياتها في كل دائرة من دوائرها: دائرة وادي النيل، دائرة البحر الأحمر، دائرة المشرق العربي، دائرة الخليج، دائرة شمال أفريقيا، دائرة المتوسط، والدائرة الأفريقية الأوسع. لا بمعنى الجمود أو الشعارات، بل بمعنى امتلاك بوصلة واضحة تعرف أين تقف مصر، وماذا تريد، وكيف تتحرك.

وفي قلب هذه الاستراتيجية يجب أن تكون التنمية. فالدور الإقليمي لا يُبنى بالخطب وحدها، ولا بالحنين إلى الماضي، ولا باستدعاء مكانة تاريخية دون مضمون حاضر. الدور الحقيقي يُبنى باقتصاد قوي، وتعليم متقدم، ودولة قانون، ومؤسسات محترمة، ومواطن يشعر أن بلده يمثله لا يختزله.

إن مصر الضعيفة داخليًا لا تستطيع أن تكون قوية خارجيًا. ومصر المأزومة اقتصاديًا لا تستطيع أن تقود محيطها. ومصر التي تخاف من السياسة داخل حدودها ستخاف بالضرورة من المبادرة خارج حدودها. لذلك فإن الإصلاح الداخلي ليس شأنًا منفصلًا عن المكانة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى