مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: حين توقفت عن تبرير نفسي للآخرين.. بدأت أعيش

لم أكن أدرك في شبابي أنني كنت أمارس أقسى أنواع جلد الذات دون أن أشعر، تحت مسمى “التوضيح”.

كنت إذا حدث أي موقف، صغيراً كان أم كبيراً، أجد نفسي تلقائياً في موضع المدافع أبرر لماذا قلت هذه الكلمة، ولماذا لم أرد على تلك المكالمة، ولماذا اتخذت هذا القرار في عملي، ولماذا اخترت هذا الطريق في حياتي.

كنت أمتلك لكل سؤال جواباً جاهزاً، ولكل عتاب قصة طويلة، ولكل سوء فهم رواية كاملة.

كنت أظن أن هذا هو الأدب، وهذا هو الحرص على العلاقات، وهذا هو دليل حسن نيتي وصفاء قلبي.

كنت أعتقد أنني إذا شرحت بما فيه الكفاية، سيفهمني الجميع، وسيقدرني الجميع، ولن يبقى في قلب أحد مثقال ذرة عتب عليّ وكنت مخطئاً تماماً.

مع الوقت، اكتشفت أن كثرة التبرير لا تجلب التقدير، بل تجلب الاستنزاف كلما بررت أكثر، كلما فتحت باباً جديداً للنقاش، وباباً آخر للتدخل، ونافذة ثالثة للحكم عليك.

تبريرك لا يغلق الأفواه، بل يمنح الآخرين مادة إضافية ليحاكموا تفاصيلك التي لم تكن تعنيهم من الأساس.

وجدت نفسي أعيش في محكمة دائمة، أنا فيها المتهم والمحامي في آن واحد، والقضاة يتغيرون كل يوم.

كانت طاقتي تذهب في إقناع من لا يريد أن يقتنع، وشرح نفسي لمن لم يكلف نفسه عناء أن يفهمني.

ثم يأتي النضج والنضج لا يأتي فجأة بزيادة رقم في بطاقة الهوية، بل يأتي بلحظة وعي هادئة، لحظة صمت داخلي، تدرك فيها أنك متعب.

متعب من الشرح، متعب من اللهاث وراء إرضاء الجميع، متعب من حمل أثقال آراء الناس على كتفيك.

سألت نفسي سؤالاً بسيطاً وغيّر كل شيء متى سأرتاح؟

وكان الجواب عندما أتوقف
توقفت بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

توقفت عن تبرير اختياراتي، وقراراتي، وغيابي، وحضوري، وطريقة عيشي.

لم يكن القرار سهلاً في البداية، لأن عادة سنوات طويلة لا تنكسر في يوم لكنني دربت نفسي على جملة واحدة كانت كالبلسم: “هذا ما يناسبني”.

لا أريد تبريراً أكثر من ذلك
اليوم، وصلت إلى قناعة راسخة أنا لست مسؤولاً عن الصورة التي يرسمها الآخرون عني في مخيلتهم.

أنا مسؤول فقط عن نيتي، وعن عملي، وعن ضميري أمام الله ثم أمام نفسي.

من يعرف قلبي جيداً، لن يحتاج مني إلى شرح ومن يضمر لي سوء الظن، فلن تكفيه كل مبررات الأرض.

عدم اهتمامي برأي الآخرين لم يكن انسحاباً من الحياة، ولم يكن غروراً أو تعالياً كما قد يظن البعض بل كان على العكس، عودة حقيقية للحياة.

عودة احترام الذات فعندما تتوقف عن الشرح، تبدأ في السماع تسمع صوتك الداخلي الذي خنقته لسنوات طويلة بضجيج الخارج.

لقد أهداني هذا القرار أثمن ما كنت أبحث عنه راحة البال والسكينة.

أصبحت علاقاتي أقل عدداً وأكثر صدقاً أصبحت قراراتي أسرع وأكثر ثباتاً، لأنني لم أعد أتخذها بعيون الناس، بل بعيني أنا.

أصبحت أقول “لا” دون أن أشعر بالذنب، وأقول “نعم” دون أن أنتظر التصفيق.

نمت تصالحاً مع فكرة أنني لن أكون مقبولاً من الجميع، وهذه ليست مأساة، هذه هي طبيعة الحياة.

لقد تعلمت أن أجمل أنواع الحرية، هي أن تمضي في طريقك مطمئناً، تاركاً للآخرين حرية أن يفسروا سيرك كما يشاؤون.

فمن يراك محباً سيراك كذلك، ومن يراك غير ذلك، فلن يغير تبريرك من نظرته شيئاً.

أنا اليوم لا أبرر لأحد، ليس لأنني وصلت للكمال،، بل لأنني أخيراً وصلت للسلام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى